Alef Logo
الفاتحة
              

أحاديثُ النَّبِيِّ، ما يصلُحُ، وما لا يصلُحُ مِنْها في هذا العصرِ

سحبان السواح

2010-09-10

تُقْسَمُ الأحاديثُ النَّبويَّةُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: الحديثُ القُدْسِيُّ، وهوَ الحديثُ الَّذي نقلَهُ جبريلُ إلى مُحَمَّدَ، يُخبرُهُ فيهِ أمراً ما، أو أَنَّ اللهَ حدَّثَهُ مُباشَرَةً في أمرٍ مِنَ الأمورِ. والحديثُ النَّبويُّ، وهوَ كُلُّ ما قالَهُ الرَّسولُ في أمورِ الدُّنيا والآخرةِ لتنظيمِ المُجتمعِ الإسلاميِّ، وتفسيرِ القُرآنِ، متضمِّناً كُلَّ ما كانَ ضروريَّاً لِحياةِ النَّاسِ، وأمورِ دينِهِمْ ودُنياهُمْ، والنَّوعُ الثَّالثُ، هُوَ ما نقلَهُ أصحابُ الرَّسولِ وزوجاتُهُ عنْ سُلوكِهِ اليومِيِّ، وكيفَ كانَ يتصرَّفُ في يومِهِ ولَيْلِهِ، ووُضُوئِهِ وصلاتِهِ، وأمورٍ أُخرى تَخُصُّ حياتَهُ.
لا أدري كيفَ اعْتُبِرَ النَّوعُ الثَّالثُ حديثاً شريفاً، فهُوَ غيرُ منقولٍ عَنْ كلامٍ قالَهُ الرَّسولُ، وليسَ حديثاً قُدْسِيَّاً، وإِنَّما هُوَ وَصْفٌ لِسُلوكِهِ اليومِيِّ الَّذي لا يعنِي أَنَّ على المُسْلِمِ أَنْ يتصرَّفَ تماماً كما فعلَ النَّبِيُّ؛ فَلِكُلِّ امرئٍ طريقتُهُ في السُّلوكِ اليوميِّ، وما مِنْ حديثٍ يقولُ افعلُوا كما أفعلُ، أوْ تصرَّفُوا كما أتصرَّفُ .. أو.. أو ..
ويُضَافُ إلى النَّوعِ الثَّالثِ كلامٌ نقلَتْهُ زوجاتُ الرَّسولِ عَنْ أمورٍ حَدَثَتْ حَوْلَها إِشكالاتٌ وخِلافاتٌ، فَأَكَّدْنَها، أوْ نَفَيْنَها.
مِنْ تلكَ الأخيرةِ حديثُ عائشةَ:
"حَدَّثَنا عبدُ الله ، حَدَّثَني أَبِي، حَدَّثَنا يعقوبُ قالَ: حَدَّثَنا أبي، عنِ ابْنِ إِسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ بْنِ عَمْرٍو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عائشةَ زوجِالنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، قالَتْ: « لقَدْ أُنْزِلَتْ آَيَةُ الرَّجْمِ، وَرَضَعَاتُ الكبيرِ عَشْراً،فكانَتْ في وَرَقَةٍ تحتَ سريرٍ في بيتِي، فلمَّا اشتكَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، تشاغلْنَابِأمرِهِ، ودخلَتْ دُوَيْبَةٌ لنا، فأكَلَتْها".
ومِنَ الأحاديثِ الَّتي تصِفُ سُلوكَ النَّبِيِّ:
‏ حَدَّثَنا‏ ‏إِسماعيلُ، ‏‏قالَ: حدَّثَنِي‏ ‏مالِكُ‏ ‏عَنْ‏ ‏سعيدِ المَقْبَرِيِّ‏ ‏عَنْ‏ ‏أبِي سَلَمَةَ بْنِ عبدِ الرَّحْمَنِ،‏ ‏أَنَّهُ سألَ‏ ‏عائشةَ‏ ‏رَضِيَ اللهُ عنها: ‏كيفَ كانَتْ صلاةُ رسولِ اللهِ، ‏‏صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ‏ ‏في رمضانَ؛ فقالَتْ:‏ ‏ما كانَ يزيدُ في رمضانَ، ولا في غيرِهِ على إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً،‏ ‏يُصَلِّي أربعاً، فلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ‏ ‏يُصَلِّي أربعاً، فلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ ‏يُصَلِّي ثلاثاً. فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتَنامُ قبلَ أَنْ تُوَتِّرَ، قالَ: يا ‏عائشةُ، ‏إِنَّ عَيْنَيَّ تنامانِ، ولا ينامُ قلبِي. ‏
‏ حَدَّثَني‏ ‏مَحَمَّدُ بْنُ الصَّباحِ،‏ ‏حَدَّثَنا‏ ‏خالدُ بْنُ عبدِ اللهِ،‏ ‏عَنْ‏ ‏عمروِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَمَارَةَ ‏‏عَنْ ‏أبيهِ‏ ‏عَنْ‏ ‏عبدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصمَ الأنصاريِّ، ‏وكانَتْ لهُ صُحْبَةٌ،‏ ‏قالَ: ‏قِيْلَ لَه: ‏تَوَضَّأْ لنا وُضُوءَ رسولِ اللهِ ‏صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛‏ ‏فَدَعَا بِإناءٍ،‏ ‏فَأَكْفَأَ‏ ‏مِنْهَا على يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثلاثاً، ثُمَّ أدخلَ يَدَهُ، فاستخرجَهَا، فَمَضْمَضَ، واستنشقَ مِنْ كَفٍّ واحدةٍ، ففعلَ ذلكَ ثلاثاً، ثُمَّ أدخلَ يدَهُ، فاستخرجَها، فغسلَ وجهَهُ ثلاثاً، ثُمَّ أدخلَ يدَهُ فاستخرجَهَا، فغسلَ يَدَيْهِ إِلى المَرْفِقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ؛ ثُمَّ أدخلَ يَدَهُ، فاستخرجَها، فمسحَ بِرأسِهِ، فأقبلَ بِيَدَيْهِ، وأدبرَ، ثُمَّ غسلَ رِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قالَ: هكذا كانَ وُضُوءُ رسولِ اللهِ،‏ ‏صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. ‏
هذا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ مِمَّا قِيْلَ في وَصْفِ سُلوكِ الرَّسولِ في حياتِهِ اليوميَّةِ، والتي يَرى السَلَفِيون أنَّ عِلِيْنَا أَن نُمَارِسَ حَيَاتَنَا كما مَارَسهَا؛ فَنَتَوَضَأُ كَمَا تَوَضَأَ، فَنُمَضْمِضُ كَمَا تَمَضْمَضَ وَنَسْتَنْشِقُ كَمَا اسْتَنْشَقَ وَنَسْتَخْدِمُ الإِنَاءَ بَدَلَ الصَنْبُورِ كَمَا فَعَلَ، وَنَتَغَوَطُ كَمَا تَغَوَطَ.
وإِذا كانَ المنطقُ يقولُ إِنَّهُ ليسَ كُلُّ ما قالَهُ النَّبِيُّ مِنْ أحاديثَ في تنظيمِ الحياةِ، في مَطْلِعِ عَهْدِهِ بِالنُّبُوَّةِ، والأحاديثِ الَّتي تلتْها، يُوْجِبُ على المُسلمينَ اليومَ التَّمَسُّكَ بها هذا التَّمَسُّكَ الأَعْمَى، وغيرَ المُبَرَّرِ، لأَنَّ كثيراً مِنْهَا قِيْلَتْ في زَمَنِهَا، لِتَسْيِيْرِ أُمورِ المُسلمينَ، في ذلكَ الزَّمَنِ، فَكَيفَ يَكُونُ الأَمرُ في حَالِ اتْبَاعِنَا لِسُلُوكِ النَبِي فِي حَيَاتَه اليومية في زَمَنِهِ حَيْثُ لا مَاءِ مُتَوَفِرٌ ولا أَيْةِ وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ الحَضَارَةِ مَوْجُودَةٌ. هَلْ نَعُودُ بالزَمَنِ للْوِراء لِنَقْتَدِي بِسلُوكِهِ.؟
وسُؤَالٌ يَطْرحُ نَفْسَهُ تُرَى لَو كَانَ فِي زَمَنِ الْرَسُولِ أَدْوِيَةٌ لِلْسَرَطَان وَلِلْأَمْرَاضِ السَارِيَةِ الأُخْرَى، هَلْ كَانَ ظَلَّ يَسْتَخْدِمُ الطِبَ النَبَوِيَ أو كَانَ انْتَقَلَ دُونَ تَرَدُدٍ لِلْطَبِ البَدِيلِ الذي يَشْفِي" بإذن الله" الأَمْرَاضَ التي صُنِعَ مِنْ أَجْلِهَا. وَمَعَ ذَلِكِ مَازِلْنَا نَرَى فِي المَكْتَبَاتِ كُتُبَ الطِبَ النَبَوِيَ التي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا المؤمنون ويعتقدون أنها شافية أكثر من الأدوية الحديثة.
أقول ليسَ مِنَ المَنْطِقِيِّ أَنْ تظلَّ تلكَ الأحاديثُ دُستوراً لِلمُسلمينَ إلى أَبَدِ الآبدينَ. ولا بُدَّ مِنْ قِيامِ لَجْنَةٍ عِلميَّةٍ مُنْفَتِحَةٍ، تدرسُ تلكَ الأحاديثَ، وتُزيلُ مِنْها كُلَّ ما قِيْلَ في حِيْنِهِ، وما عادَ ينفعُ معَ التَّطوُّرِ الهائِلِ في الحضارةِ الَّذي نعيشُهُ اليومَ.!.
إذا كُنَّا نُريدُ لِلإسلامِ أَنْ يتطوَّرَ، ويُواكِبَ العصرَ، فلا بُدَّ مِنْ مَوْقِفٍ شُجاعٍ مِنْ رجالِ دِيْنٍ شُجعانَ، يفرزُونَ الأحاديثَ النَّبَوِيَّةَ إِلى أحاديثَ يُعْمَلُ بِهَا، وأحاديثَ تظلُّ في الأرشيفِ، لِتُخبرَنا كيفَ عاشَ، وماذا فعلَ نَبِيُّ المُسلمينَ، لا أَنْ تُسْتَخْدَمَ كَدُستورٍ لِلمُسلمينَ، في زمنٍ تغيَّرَتِ الدُّنيا، وتطوَّرَ العالمُ فيهِ إلى حدودٍ لَمْ يكُنِ الإنسانُ يتخيَّلُها مُنْذُ عُقُودٍ.!؟.


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

الجنسُ المُقَدَّسُ .. والجنسُ المُدَنَّسُ.. بينَ ديانةِ السَّماءِ، وديانةِ البَشَرِ.

10-حزيران-2017

وكان لي حبيبة اسمها شام

03-حزيران-2017

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow