Alef Logo
الفاتحة
              

درسٌ في الأخلاقِ لم أُعْطِهِ لِوَلَدَيَّ: عَمْرٍو وَعَزَّةَ.

سحبان السواح

2010-08-27


لا يمكنُ للمُتَتَبِّعِ لِما آلَتْ إليهِ الأخلاقُ في منطقتِنا المُسَمَّاةِ "العربيَّةَ"، منذُ نهايةِ القرنِ الماضِي، حتَّى الآنَ، إلَّا أَنْ يبدأَ البحثَ عنَ أخلاقَ بديلةٍ لتلكَ الَّتي كانَتْ سائدةً قبلَ ذلكَ؛ لأَنَّ التَّغيراتِ الجوهريَّةَ الَّتي حدثَتْ في تلكَ الفترةِ الوجيزةِ كبيرةٌ بشكلٍ لا يُمكنُ أَنْ نظلَّ نُعَلِّمَ أولادَنا الفضيلةَ، والأخلاقَ الحميدةَ؛ فذلكَ يقضِي على مستقبلِهِمُ المِهَنِيِّ والحياتِيِّ بشكلٍ عامٍّ.
الدُّروسُ الَّتي كانَ الأهلُ في المنزلِ، والمعلِّمُ في المدرسةِ الابتدائيَّةِ، والأستاذُ في المراحل الَّتي تَلِيْهَا، كانَتْ:"لا تكذِبْ، لا تَسْرِقْ، لا تَرْتَشِ، لا تَخُنْ، لا تَزْنِ، لا.. لا.. لا..". وعشراتِ الَّلاءاتِ الَّتي لها علاقةٌ بالأخلاقِ الحميدةِ الَّتي يجبُ على المواطنِ التَّحَلِّيَ بها، حتَّى يكونَ مُواطِناً صالحاً.
إِذَنْ. بدأَ الأهلُ اليومَ يُعَلِّمُونَ هذهِ الأخلاقَ لأولادِهِمْ، سيُصبحُ أولادُهُمْ في أسفلِ السُّلَّمِ المَعاشِيِّ، فيما يرتقِي مَنْ تَعَلَّمَ عَكْسَ تلكَ الأخلاقِ السُّلَّمَ الوظيفيَّ، والاجتماعيَّ بسرعةٍ خياليَّةٍ.
لِذلكَ أقترحُ على الأهلِ أوَّلاً، وعلى المُرَبِّينَ والمُعَلِّمينَ، والأساتذةِ في المدارسِ ثانياً، تغييرَ طريقتِهِمْ في التَّدريسِ، وقَلْبِهَا بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ، لِتُصبحَ مُلائِمَةً لِلأخلاقِ السَّائدةِ في المُجتمعِ اليومَ؛ وهذهِ بعضُ الأمثلةِ على ما يتوجَّبُ على الأهلِ والمعلِّمينَ تعليمَهُ لِلأولادِ:
أوَّلاً: على الأُمِّ أَنْ تبدأَ بتربيةِ ابنتِها على أَنَّ الحياةَ تُبْنَى على المصلحةِ، ومَهْمَا كانَ على هذهِ الفتاةِ أَنْ تُقَدِّمَهُ مِنْ أجلِ مصلحتِها، فَلْتُقَدِّمْهُ دونَ أَيِّ رادِعٍٍ، لأَنَّهُ الوسيلةُ الوحيدةُ الَّتي ستصلُ مِنْ خِلالِها إلى صعودِ سُلَّمِ المَجْدِ، أيّاً كانَ الطريقُ الَّذي اختارتْهُ لِمُستقبلِها. فإذا رَغِبَتْ أَنْ تصبحَ مُوَظَّفَةً؛ عليها أَنْ تَتَجَمَّلَ، وتَتَزَيَّنَ، وتلبِسَ الملابِسَ المُغْوِيَةَ؛ فهذا طريقُها لِتَقْفْزَ سُلَّمَ المراتبِ الوظيفيَّةِ، مهما كانَ نَوْعُ تلكَ الوظيفةِ. فَإِنْ كانَتْ مُذيعةً، ستصبحُ رئيسةَ مُذيعاتٍ، وإِنْ كانَتْ مُمَثِّلةً، ستصِلُ إلى أَنْ تُصبحَ نَجْمَةً، في غَمْضَةِ عَيْنٍ؛ أمَّا إِذا أرادَتْ أَنْ تُصبحَ مُطربَةً مشهورةً فليسَ أسهلَ مِنْ أَنْ تُظْهِرَ مَفاتِنَها كُلَّها، وتقومَ ببعضِ عمليَّاتِ التَّجميلِ، أَوِ الكثيرَ مِنْها لِتُصبحَ مُطربةً مشهورةُ في غَمْضَةِ عَيْنٍ. وَإِنْ كانَتْ موظَّفةَ استعلاماتٍ في أيَّةِ دائرةٍ حُكوميَّةٍ، ستُصبحُ مديرةً خلالَ أشهُرَ، والحَبْلُ على الجَرَّارِ.
بِالنَّسبةِ لِلمُراهقِ، يجبُ أَنْ يتعلَّمِ أَنَّ الأخلاقَ مَفْسَدَةٌ، وأَنَّ على الرَّجلِ الحقيقيِّ أَنْ يتخلَّى عنِ المبادئِ، مِنْ شَرَفٍ وَذِمَّةٍ، وَصِدْقٍ، وأمانةٍ، وكُلِّ أخلاقٍ حميدةٍ، ويتمسَّكُ بِكُلِّ الأخلاقِ الأُخرَى: كالكَذِبِ، والغَدْرِ، والنَّميمةِ، والإِيقاعِ بِمَنْ يقفُ في طريقِهِ، بمُخْتَلِفِ الوسائلِ، والسَّرِقَةِ، وقَبُولِ الرِّشى، والمُتاجرةِ بِالمَمْنُوعاتِ، وبجميعِ الأخلاقِ غيرِ الحميدةِ: كَخَوْزَقَةِ أصدقائِهِ، وطَعْنِهِمْ في ظُهُورِهِمْ، والوِشايةِ بِهِمْ؛ فهذا هُوَ طريقُهُ الوحيدُ لِبُلوغِ سُلَّمِ المَجْدِ.!.
إِنْ كان خِرِّيجاً جامعيَّاً، سيُصبِحُ مديراً عامَّاً، أَوْ مسؤُولاً كبيراً في الدَّولةِ، أو حتَّى وزيراً. وَإِنْ كانَ مُوسيقيَّاً مُتواضِعاً، سيُصبحُ قائدَ أوركسترا، وإِذا عَمِلَ في المَجَالِ التِّلفزيونيِّ، فسينتقلُ سريعاً مِنْ سكريبت، أو مسؤولٍ عنْ ملابسِ الممثِّلينَ، إِلى مُساعِدِ مُخْرِجٍ، ثُمَّ مخرجٍ مُنَفِّذٍ، ثُمَّ يصبحُ مِنْ أَهَمِّ مُخْرِجِي البَلَدِ. وإِنْ كانَ دونَ مُؤَهِّلاتٍ، فسيُصبحُ شُرَطِيَّ سَيْرٍ ، أَوْ كاتبَ محكمةٍ، أَوْ مُراقبَ تموينٍ، أَوْ في أي وظيفةٍ تُؤَمِّنُ لهُ الرِّزْقَ العَمِيمَ، والحياةَ المُرَفَّهَةَ عَنْ طريقِ الرِّشَى.
أنا لا أكتبُ عنْ غيرِ قناعةٍ. بَلْ بِتُّ مُقْتَنِعاً تماماً، أنَّنا ما لَمْ نُرَبِّ أولادَنا بِهذهِ الطريقةِ، فنحنُ سنقضِي على مستقبلِهِمْ.!؟.
أعرفُ مراهقينَ صارُوا شباباً قبلَ اكتشافيَ الكبيرِ هذا، تَرَبَّوا على الأمانةِ، وحُسْنِ الأخلاقِ، وتعلَّمُوا أَنَّ الغِشَّ لا يجوزُ، وأَنَّ التَّفانيَ في العملِ واجبٌ مقدَّسٌ، والكثيرُ الكثيرُ مِنَ الأخلاقِ الحميدةِ الأُخرَى؛ فماذا حَلَّ بِهِمْ.؟. إِمَّا أَنَّهُمْ وُضِعُوا في أَقَلِّ الوظائفِ مَرْتَبَةً، أَوْ وُظِّفُوا في أماكنَ لا تعني اختصاصَهُمْ، أوْ صارُوا موظَّفينَ عندَ مُدراءَ أقلَّ قيمةً مِنْهُمْ في تعليمِهِمْ وأخلاقِهِمْ وسُلوكِهِمْ.
كُلُّ ما يملِكُهُ البلدُ، وحينَ أقولُ البلدَ أعني المنطقةَ المُمْتَدَّةَ مِنَ المُحيطِ إلى الخليجِ، مِنْ كوادرَ موهوبةٍ، وقادرةٍ على تطويرِ الوطنِ مركونةٌ على الرَّفِّ، مَرْمِيَّةٌ في غُرَفِ الأرشيفِ، أو في إداراتٍ بعيدةٍ جدَّاً عنْ مجالِ اختصاصِها. ومَنْ يُديرُ كُلَّ نواحِي الحياةٍ .. نساءٌ يُقَدِّمْنَ ما عليهِنَّ أَنْ يُقَدِّمْنَ، ورِجالٌ تعلَّمُوا مُتأخِّرينَ أَنَّ الشَّرفَ لا يُطْعِمُ خُبْزاً، فَتَخَلَّوْا عَنْهُ.. وسارُوا في طريقِ المَجْدِ.!!؟؟.
إلى أولئِكَ الشًّرفاءِ، الَّذينَ مازالُوا شُرَفاءَ، أقولُ: ليسَ أمامَكُمْ إِلَّا التَّخَلَّيَ عَنِ الشَّرفِ، أوِ المَوْتِ جُوْعاً.!.
المشكلةُ أَنَّ الشَّريفَ يُفَضِّلُ المَوْتَ جُوعاً، على أَنْ يتخلَّى عَنْ شَرَفِهِ، وأخلاقِهِ، وأمانَتِهِ؛ ولَكِنْ كَمْ عددُ هؤلاءِ الشرفاءِ، بعدَ مُرورِ خمسينَ سنةً، وأكثرَ مِنْ مُراقبتِهِمْ لأولئكِ الَّذينَ يشترُونَ القصورَ، ويعيشونَ عَيْشَةَ المُلوكِ، وهُمُ الَّذينَ لا يملِكُونَ سِوى مَوْهِبَةِ الَّلاأخلاقِ.!.
في النِّهايةِ، أُقَدِّمُ اعتذارِيَ إِلى وَلَدَيَّ: عَمْرٍو وَعَزَّةَ، لأَنَّني تَأَخَّرْتُ في هذا الاكتشافِ المُزْرِي، وقَدْ أصبحَا شابَّيْنِ زَرَعْتُ فيهِمَا كُلَّ ما جَعَلَهُمَا غيرَ مُلائِمَيْنِ لِلعَيْشِ في هذا العَصْرِ.!.
ماذا يُمْكِنُ أَنْ يُفيدَ مِثْلُ هذا الاعتذارِ، وهُما يُعانِيان ما يُعانِيانِهِ، ويُكابِدان ما يُكابِدانِهِ مِنْ أجلِ حياةٍ كريمةٍ، لا ذِلَّةَ فيها، تُؤَمِّنُ لَهُمَا لُقْمَةَ العَيْشِ على طريقةِ هذهِ الأيَّامِ. وطريقةُ العَيْشِ في هذهِ الأيَّامِ تضمنُ السَّيَّارةَ، ومصروفَ الجَيْبِ المعقولَ، ودُخولَ الكافتيرياتِ الفخمةَ.!؟.
كَمْ هُوَ صَعْبٌ تأمينُ ذلكَ، دونَ تقديمِ تلكَ التَّنازُلاتِ.!.؟.
ليسَ عَمْرٌو وعَزَّةُ وحيدَيْنِ، فأمثالُهُمَا كُثُرٌ مِنَ الشَّبابِ المُصِرِّينَ على أَكْلِ لُقْمَةِ عَيْشٍ بشرفٍ وكرامةٍ؛ ولَكِنَّ الثَّمَنَ الَّذي يدفعُونَهُ كبيرٌ جِدَّاً.!.؟.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

سحبان السواح

لا يمكن إلا أن نحمل المعارضة السورية في الخارج، حصة في هدر الدم السوري، لأننا يمكن أن نختلف ونحن في دولة ديمقراطية، ونتعارك ونشد ربطات عنق بعضنا بعضا، نتجادل ونتقاتل...
المزيد من هذا الكاتب

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

أمور لابد من توضيحها

15-نيسان-2017

من آيات الله

08-نيسان-2017

تعالي أفتض بكارتك مرة ثانية

31-آذار-2017

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow