Alef Logo
الفاتحة
              

"أَدْنَى أهلِ الجنَّةِ لهُ اثنتانِ وسبعونَ زوجةً.. فَاهْنَؤُوا أيُّها المؤمنونَ.!".

سحبان السواح

2010-08-20

 
قدْ يبدُو - لِلوهلةِ الأولى - أَنَّني أُكَرِّرُ نفسِيَ حينَ أكتبُ في الموضوعِ ذاتِهِ مرَّاتٍ عديدةٍ، وبخاصَّةٍ موضوعُ الدِّينِ. وحقيقةُ الأمرِ أّنَّني توقَّفْتُ أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ، وأنا أتهيَّأُ لِكتابةِ هذهِ المادَّةِ؛ وتساءلْتُ عنِ الفائدةِ الَّتي يُمكنُ أَنْ أُقدِّمَها لِلقارئِ، طالما أنِّي أتوجَّهُ في الأَعَمِّ الغالبِ إلى عٌقولٍ متحجِّرةٍ، آمنَتْ بِالدِّينِ دونَ أَنْ تعرفَ عنِ الدِّينِ شيئاً؛ أو إلى قُرَّاءٍ عرفُوا الحقيقةَ، وعاشُوا قناعاتِهِمْ بِصَمْتٍ، خِشْيَةَ ما قَدْ يلحقُ بِهِمْ مِنْ أذىً، مِنَ الأغلبيَّةِ المُؤمِنَةِ.!.
أَتُرَى أنا أنفخُ في قِرْبَةٍ مَخرومةٍ، لا هذا يسمعُنِي، بَلْ وذاكَ يشتُمُنِي، وذلك يُشفِقُ عليَّ مِمَّا قَدْ يلحقُ بي مِنْ جرَّاءِ مثلِ هذهِ الكتابةِ.!.
لا أدَّعِي المعرفةَ الشَّاملةَ، والموسوعيَّةَ، فيما يَخُصُّ الدِّينَ عُموماً، أَوْ لِنَقُلِ الأديانَ السَّماويَّةَ جمعاءَ، فأنا لَمْ أدرسِ الفِقْهَ، ولَمْ أدرسْ علومَ الأديانِ؛ ولكنَّني متأكِّدٌ مِنْ أَنَّني أملِكُ حِسَّاً يدفعُني إلى التَّفريقِ بينَ الخَطَأِ والصَّوابِ، فيما جاءَتْ بِهِ الأديانُ السَّماويَّةُ: اليهوديَّةُ والمسيحيَّةُ والإسلامُ.
ما أعادَنِي اليومَ إلى الكتابةِ عنْ موضوعِ الإسلامِ، هُوَ في الحقيقةِ أمرانِ: الأوَّلُ هوَ شَهْرُ رمضانَ الَّذي يُكَنَّى بِالكريمِ، وما هُوَ بِالكريمِ، بَلْ هُوَ شَهْرٌ مُؤْذٍ على كافَّةِ  الصُّعُدِ. والثاني: هو أنَّ الصِّيامُ يترافقُ معَ مجموعةٍ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ الَّتي مِنْ دونِها يُصبِحُ تجويعاً لِلذَّاتِ، وظُلْماً لَهَا.
الصَّائِمونَ فِئتانِ: فِئَةٌ تصومُ بِحُكْمِ العادةِ، فَالدِّيْنُ يقولُ، والأحاديثُ تقولُ، والشيوخُ يقولونَ إِنَّ شَهْرَ رمضانَ شَهْرُ العِبادةِ والصِّيامِ. فَيَلتزمُونَ بِمَا أُمْرُوا بِهِ دونَ مُناقشةٍ لِلحاجةِ الأساسيَّةِ إليهِ اليومَ، وهُوَ الشُّعورُ بِالجُوعِ الَّذي يُصِيبُ الفُقَراءَ؛ وهذا الجوعُ يَحُثُّنَا على الإِحساسِ بِإِحساسِهِمْ، ويُؤَدِّي بِنا إِلى الإشفاقِ عليهِمْ، والتَّبَرُّعِ لَهُمْ بِلُقْمَةِ عَيْشٍ، في حينِ أَنَّ مِنْ واجبِ الدَّولةِ الحديثةِ، المُعاصِرَةِ ألَّا تتركَ جائِعاً، ولا مُعْوَزاً لا يَجْدُ لُقْمَةَ عَيْشِهِ.!!!.
الصِّيامُ في عَهْدِ النَّبِيِّ يختلفُ عَنِ العُهودِ الَّتي تَلَتْهُ، وهِيَ عُهودُ صُعودِ الإمبراطوريَّةِ الإسلاميَّةِ، وتَدَفُّقِ الأموالِ إليها، وأيضاً يختلِفُ عَنْ عصورِ انحطاطِ الخِلافةِ، وتَخَلُّفِها، كما تَخْتَلِفُ عَنْهَا اليومَ.
وما يَعْنِينَا هُوَ هذا اليومُ الَّذي نعيشُهُ، ونعرفُ ما يجري فيهِ، ونرى بِأُمِّ أَعْيُنِنَا الأموالَ الَّتي تتدفَّقُ على فِئَةٍ قليلةٍ؛ فيما عامَّةُ الشَّعْبِ لا يصلونَ إلى ما يَسُدُّ رَمَقَهُمْ. وهؤلاءِ هُمُ الَّذينَ يصومُونَ، دونَ أَنْ يستفيدُوا مِنْ صِيامِهِمْ سوى انتظارِ جَنَّةِ الخُلْدِ، وتوابِعِهَا الَّتي وُعِدُوا بِهَا، وفيها مِنَ الإغراءاتِ الجنسيَّةِ أوَّلاً، والمَعِدِيَّةِ ثانياً، ما يجعلُهُمْ يتحمَّلُونَ الصِّيامَ في قَيْظِ هذا الشَّهْرِ، دونَ أَيِّ احتجاجٍ.!.
يقولونَ: "رمضانُ كريمٌ"، وهُوَ بِالتَّأكيدِ كريمٌ، ولكِنْ ليسَ على الفئةِ الَّتي تنتظرُ الجَنَّةَ، وَإِنَّما على الفئةِ الأُخرَى، فِئَةِ التُّجَّارِ بِمُخْتَلِفِ مُستوياتِهِمْ؛ والتِّجارةُ شطارةٌ كما يُرَوِّجُونَ، ويَقْتَنِعُونَ؛ وهذا الَّذي يرفعُ سِعْرَ السِّلْعَةِ دونَ وَجْهِ حَقٍّ، لا يعتبرُ أنَّ في ذلك أَيَّةَ غَضاضةٍ تُقَلِّلُ مِنْ صِيامِهِ، ومِنْ تَرَدُّدِهِ إلى المساجدِ، وإلى حلقاتِ الذِّكْرِ، فَرَفَعَ الأسعارَ بِنِسْبَةِ الثُّلْثِ، تدخلُ جيبَهُ "حَراماً حلالاً"، وينطبقُ ذلكَ على الجميعِ، مِنَ المُوَرِّدِ الكبيرِ، حتَّى أصغرِ تاجرِ تجزئةٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنْ كَرَمِ رمضانَ.!. فقط عامَّةُ النَّاسِ الَّتي لا تشتغلُ بِالتِّجارةِ، هِيَ الَّتي لا حِصَّةَ لَهَا مِنْ كَرَمِهِ.؛ حِصَّتُها الوحيدةُ تجويعُ النَّفْسِ، وَضَخِّ نُقودِهِمْ في جُيوبِ التُّجَّارِ.!.
مع ذلكَ، فجميعُهُمْ يلتَقُونَ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وخَلْفَ إِمامٍ واحدٍ، لِيُؤَدُّوا صَلَواتِ الشُّكْرِ، كُلٌّ لِسَبَبِهِ الخَاصِّ بِهِ، وكُلٌّ يَشْكُرُ اللهَ على نِعَمِهِ، وهذهِ النِّعَمُ أيضاً تختلفُ بينَ فِئَةٍ وأُخْرَى، فَفِئَةٌ تشكرُهُ على ما تكدَّسَ مِنْ أموالٍ في صناديقِها، نتيجةَ كَرَمِ رمضانَ، وفِئَةٌ تشكرُهُ على أَنَّهُ أَمَّنَ لها لُقْمَةَ الإِفطارِ لهذا اليومِ دونَ الحاجةِ لأَحَدٍ.
واضحٌ أَنَّني أتحدَّثُ بِغَضَبٍ، وسببُ هذا الغضبِ حالانِ شاهدْتُهُمَا بِأُمِّ عَيْنِي في الأيَّامِ الأُولَى مِنْ هذا الشَّهْرِ. الحادثةُ الأُولى أربعةٌ مِنْ رجالِ تنظيفِ الشَّوارعِ افترشُوا قبلَ مَوْعِدِ الإِفطارِ بقليلٍ جانباً مِنْ رصيفٍ، ووضعُوا أمامَهُمْ كيساً بلاستيكيَّاً فيهِ مادَّةُ "الحِمِّصِ"، وكيساً فيهِ بعضُ أقراصِ الفلافلِ، وكيساً آخرَ لَمْ أتأكَّدُ ممَّا فيهِ، وزجاجةَ ماءٍ، شعرْتُ بِحرارتِهَا الَّتي يُمْكِنُ أَنْ تصلَ إلى الأربعينَ دَرَجَةً، لِيَرْوُوا عَطَشَهُمْ، بعدَ نهارٍ مِنَ التَّعبِ، والجُهْدِ والجوعِ.!. جلسُوا ينتظرُونَ أَذانَ الإِفطارِ؛ لِيأكُلُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ الكريمُ أيضاً بما جادَ بِهِ عليهمْ.!. فيما كانَتِ السَّيَّاراتُ الفارهةُ تَمُرُّ قُرْبَهُمْ، تحمِلُ طيِّباتِ الطَّعامِ، والحَلْويَّاتِ، والفواكهِ، مُتَوَجِّهَةً إلى بيوتِ أصحابِها المُكَيَّفَةِ، الأنيقةِ، والمريحةِ، لِيَرْوُوا ظَمَأَهُمْ بالماءِ الباردِ، وألوانِ العصائرِ المتنوِّعةِ؛ وَيُسَكِّنُوا فَرْطَ جُوْعِهِمْ بِمَا لَذَّ وطابَ مِنْ موائدِ الطعام، ووَصْفاتِهِ الغنيَّةِ، خاتمينَ بشُكْرِ رَبِّهِمْ على نِعَمِهِ الَّتي أغدقَ بِهَا عليهِمْ.!.
الحالانِ: مُنَظِّفُوا الشَّوارعِ، وأصحابُ السيَّاراتِ الفارهةِ، سيتوجَّهُونَ نَحْوَ المَسْجِدِ ذاتِهِ، لأداءِ فُروضِ الطَّاعةِ لِكَرَمِ اللهِ عليهِمْ.!.؟.
الحادثةُ الثَّانيةُ، وبالصُّدْفَةِ البَحْتَةِ، تتعلَّقُ بِمُنَظِّفِ شوارعَ في منطقةِ الـ"فُوْرْ سِيزَونْ"، حيثُ رُوَّادُ المنطقةِ مِنْ عَلِيَّةِ القَوْمِ، وأغنيائِها، شاهدْتُهُ يجلِسُ في وَقْتٍ لا ظِلَّ فيهِ، إِلَّا ظِلُّ رَبِّهِ، ينحنِي تحتَ دُولابِ سيَّارةٍ تحمِي جُزْءَاً مِنْ جِسْمِهِ مِنْ أشعَّةِ الشَّمْسِ الحارقةِ، وهُوَ يقرأُ القُرْآَنَ.!.
لَنْ أُكْمِلَ، فالصُّورةُ لا تحتاجُ إلى شَرْحٍ. "رمضانُ الكريمُ" لَنْ يتغيَّرَ اسْمُهُ، وطبيعةُ البَشَرِ، وأسبابُ إِيمانِهِمْ لَنْ تتغيرَ؛ الشَّيْءُ الوحيدُ الَّذي يَرْبِطُ المسلمينَ بِمُخْتَلِفِ مُستوياتِهِمْ، هُوَ انتظارُ يَوْمِ القيامةِ، وجِنانِ الخُلْدِ، حيثُ لا صِيامَ، ولا عبادةَ، ولا شيءَ سوى مَلَذَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، مُتكافِئَةٍ لِلجميعِ.!.
فَلْيَهْنَأِ الجميعُ، إِنَّ جِنانَ الخُلْدِ يُمْكِنُ أَنْ يَحْظَى بِهَا الجميعُ، دونَ خوضِ هذهِ التَّجْرِبَةِ القاسيةِ الَّتي يُعانِي مِنْهَا المُؤمنونَ؛ وَمَنْ يَقْرَأِ القرآنَ جيِّداً، ويحفظْ أحاديثَ النَّبِيِّ جيِّداً، يكتشِفْ أَنْ ليسَ أسهلَ مِنْ عَفْوِ اللهِ عَنِ الخَطَّائِيْنَ؛ قالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( أَدْنَى أهلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً الَّذي لَهُ ثمانونَ أَلْفَ خادِمٍ، واثنتانِ وسبعونَ زوجةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّة مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وياقُوتِ، كما بينَ الجابيةِ وصنعاءَ ))... لذلكَ، اطمَئِنُّوا، نهايةُ الجميعِ في أحضانِ حُوريَّاتِ الجَنَّةِ؛ فَاهْنَؤُوْا أَيُّها المُؤمِنُونَ.!!.؟؟.
ويظــلُّ رمضـــانُ كريمــــاً.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

نحن نضحك على الله.. وهو العليم بكل شيء

17-حزيران-2017

الظاهرة ليست بالجديدة، ولكنها تفشت في السنوات العشرالأخيرة وهي ظاهرة الحجاب، وتدخل الأهل لفرضه على بناتهن، وزوجاتهن، وأخواتهن، وكل من له معهن صلة قربى. والظاهرة يمكن أن نسميها العارية المحجبة. وقبل...
المزيد من هذا الكاتب

الجنسُ المُقَدَّسُ .. والجنسُ المُدَنَّسُ.. بينَ ديانةِ السَّماءِ، وديانةِ البَشَرِ.

10-حزيران-2017

وكان لي حبيبة اسمها شام

03-حزيران-2017

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

السياسة في بلادي عهر

13-أيار-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow