Alef Logo
الفاتحة
              

بينَ جدرانِ "المراحيضِ"، وجدرانِ "الإنترنت".!.

سحبان السواح

2010-08-13


فيما مضَى مِنَ الزَّمانِ، وحتَّى اليومِ رُبَّما، كانَتْ جُدرانُ المراحيضِ، وأبوابُها مجالاً لِلتَّنفيسِ عنْ غضبِ النَّاسِ، عمَّا يجري في الحياةِ، واستخدامِها لِشتيمةِ أحدِهِمْ بالاسمِ أوِ بِالكنيةِ أو بِالصِّفَةِ. لأنَّ الإنسان لم يكنْ قادراً على شتمِهِ جَهاراً، وأمامَ النَّاسِ، وبِخاصَّةٍ إذا كان ذا شخصيَّةٍ اعتباريَّةٍ. وما كُنْتَ تدخلُ مِرحاضاً عامَّاً في مدرسةٍ ثانويَّةٍ، أو دائرةٍ حكوميَّةٍ، أو مَسْجِدٍ، أو كليَّةٍ مِنْ كليَّاتِ الجامعةِ، أو أَيَّ مرحاضٍ عموميٍّ، حتَّى كنْتَ تعرفُ أخبارَ أصحابِ أو مُرتادِي المكانِ، سواءٌ أكانُوا طلابَ جامعةٍ، أوْ أهلَ حارةٍ، وتعرفُ ما يجري في تلك المدرسةِ، وهذهِ الأخبارُ مكتوبةٌ بلغةٍ سوقِيَّةٍ، وهي في الأعمِّ الأغلبِ تُكتَبُ نتيجةَ غَيْرَةِ الكاتبِ أو حَسَدهِ مِمَّنْ يُوَجِّهُ إليه الكتابةَ.
تختلفُ الكتاباتُ بِحَسَبِ المستوى الاجتماعيِّ في المنطقةِ الَّتي تُوجَدُ فيها المراحيضُ، ففي المناطقِ ذاتِ البُنيةِ الاجتماعيَّةِ المُتدنِّيةِ، تجدُ أَنَّ الكلماتِ البذيئةَ المُغْرِقَةَ في بَذاءتِها هيَ المُسيطرةُ، فيما تتطوَّرُ وفقَ التَّطوُّرِ الاجتماعيِّ لِكُلِّ منطقةٍ.
ولكنَّ الغايةَ منها واحدةٌ، وهيَ: الكبتُ الجنسيُّ، الغَيْرَةُ مِنَ الآخرِ، الحَسَدُ، التَّنفيسُ عنِ الغَضَبِ، وأمورٌ أخرى كثيرةٌ.
طبعاً هذا لا يعني أَنَّ هذهِ الظَّاهرةَ انقرضَتْ، فها هي تعودُ لتظهرَ فيما يُكْتَبُ على "جدرانِ الإنترنت"، في الأماكنِ المُخَصَّصَةِ لِلتَّعليقاتِ؛ ولكنَّ نفسيَّةَ المُعَلِّقِ على أبوابِ المراحيضِ وجدرانِها انتقلَتْ معهُ بعدَ دُخولِهِ عالمَ الإنترنت، لِيُحَوِّلَ جدرانَ المواقعِ إلى جدرانِ مراحيضَ، وأبواباً لها؛ فيدخلُ المُعَلِّقُ باسمٍ مُستَعَارٍ، وهوَ لا يخشَى لومةَ لائِمٍ.!. فيكتبُ ما يريدُ مِنْ شتائمَ وكلماتٍ بذيئةٍ، وتعليقاتٍ مُسِيئةٍ، الغايةُ منها الإساءةُ إلى الكاتبِ الَّذي يُعَلِّقُ على مادَّتِهِ، وإلى الموقعٍ الَّذي تُنْشَرُ فيهِ هذهِ التَّعليقاتُ.!.
إذنْ. هيَ عادةٌ قديمةٌ نقلَها معهُمْ كُتَّابُ التَّعليقاتِ على جدرانِ مراحيضِ المدارسِ والجامعاتِ والمساجدِ والأماكنِ العامَّةِ الأُخرى، حيثُ لا رقيبَ يرى مَنْ يكتبُهَا.!. قلْتُ نقلُوها معهُمْ مِنْ هُناكَ إِلى مواقعِ أنترنت ببذاءتِها، وسوقيَّتِها، وسرِّيَّتِها. إذْ نادراً ما يكتبُ المُعَلِّقُ اسمَهُ الصَّريحَ؛ ولو كانَ تعليقُهُ يحملُ كُلَّ التَّشجيعِ لِكاتبِ المقالةِ على النِّتْ. ولكنَّ مَنْ شبَّ على عادةٍ شابَ عليها، فلا يستطيعُ مِنْها فكاكاً؛ ففي مُراهقتِهِ بدأَ الكتابةَ دونَ اسمٍ، أوْ بِاسمٍ مُسْتَعارٍ على جدرانِ المراحيضِ؛ ولَمْ يستطِعِ التَّخَلُّصَ مِنْ هذهِ العادةِ، حينَ انتقلَ لِيَكْتُبَ على جُدرانِ الإنترنِتْ.!.
ما يعنينِي مِنْ كُلِّ الكلامِ الَّذي سَبَقَ، هوَ موضوعُ التَّعليقاتِ في "موقعِ أَلِفَ"، إِذْ تراها في مُعْظَمِهَا لا تختلفُ عنِ الكتابةِ على جدرانِ المراحيضِ، في الأماكنِ العامَّةِ بِسُوقيَّتِها وبذاءَتِهَا وعُدوانِيَّتِها؛ وبالتَّأكيدِ لا أحدَ مِنْ قُرَّاءِ "أَلِــفَ" قرأَ مثلَ هذهِ التَّعليقاتِ، الَّلهُمَّ إِلَّا في تعليقات مادة "الفاتحة" التي أكتبُها، ذلك إنَّني صاحبُ القرارِ في نَشْرِها، وأستطيعُ تَحَمُّلَ الشَّتائمِ الَّتي يقذفُني بها كُتَّابُ المراحيضِ، دونَ أَنْ أتأثَّرَ أوْ أهتمَّ. ولَكِنْ ليسَ في مقدورِي نَشْرُ ما يصلُ مِنْ كلماتٍ بذيئةٍ وسوقِيَّةٍ على مقالاتِ كُتَّابِ الموقعِ الآخرينَ، لأَنِّي لا أعرفُ ما هيَ رُدودُ أفعالِهِمْ، فيما لَوْ نَشَرْتُهَا.!!.
ليسَ مُهِمَّاً أَنْ نَرْتَقِيَ عِلْمِيَّاً، ونتعلَّمَ استخدامَ آَخِرِ مُنتجاتِ التَّطوُّرِ العلميِّ، ونحنُ نحملُ عقليَّةَ كُتَّابِ المراحيضِ، وإنَّما يجبُ علينا أولاً أَنْ نتخلَّى عنْ تلكَ العقليَّةِ الَّتي ما عادَتْ تتناسَبُ معَ هذهِ القفزةِ العلميَّةِ الكبيرةِ، ولا يُمكنُ تشبيهُ جدارِ المرحاضِ بمُرَبَّعِ تعليقٍ راقٍ وُضِعَ لِتَبادُلِ الآراءِ، وإقامةِ علاقةٍ تفاعليَّةٍ بينَ الكاتبِ والقارئِ؛ هذهِ العلاقةُ الَّتي يُمْكِنُ أَنْ ترتقِيَ بِالكاتبِ شاعراً كانَ أَمْ باحثاً، وبِالمُعَلِّقِ وبِالموقعِ الَّذي ينشرُ كُلَّ ذلكَ.
مُشكلتُنا أَنَّنا لا يُُحِبُّ بعضُنا البعضَ الآخرَ، ونكرهُ الخيرَ لِلآَخَرِ، فكأنَّ الخَيْرُ لَهُ عُلُوٌّ مِنْ شَأْنِهِ، وإخفاضٌ مِنْ شأنِنَا، وهذا أمرٌ لا يَرْضَاهُ أصحابُ التَّعليقاتِ الَّتي تُكْتَبُ بِأسماءٍ مُستَعَارَةٍ.
أقولُ: نحنُ في "موقعِ أَلِــفَ" لَسْنَا مُنْتَدىً مبنيَّاً على الأسماءِ المُستَعارَةِ، بَلْ نحنُ موقعٌ ثقافيٌّ له مَوْقِفٌ مِنَ العالمِ والفِكْرِ والثَّقافةِ والإِبداعِ. وَمَنْ يُريدُ أَنْ يَدْلُوَ بِدَلْوِهِ في مجالِ التَّعليقاتِ، عليه أَنْ يكتُبَ اسْمَهُ الصَّريحَ، وإيميلَهُ الحقيقيَّ الَّذي سنتعرَّفُ عليهِ في تصميمِنَا الجديدِ لِلموقعِ، ولَنْ يُنْشَرَ أَيُّ تعليقٍ لا يحمِلُ اسماً صريحاً وإيميلاً صحيحاً.!!؟؟.
أخيراً هيَ دعوةٌ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ عَقليَّةِ الكتابةِ على جدرانِ المراحيضِ والأماكنِ الأُخرَى وكاتِبِيْهَا، وبدايةُ عَهْدٍ جديدٍ يتحمَّلُ فيهِ كُلُّ واحدٍ مِنَّا مسؤُولِيَّتَهُ. لا أحدَ مِنَّا لا يُخْطِئُ، ولَكِنْ هُناكَ فَرْقٌ كبيرٌ بينَ أَنْ يُعَلِّقَ أَحَدُهُمْ على خَطأٍ بِكلماتٍ نابيةٍ وتشويهِ سُمْعَةِ الآخرِ، وبينَ أَنْ يُعَلِّقَ بِأسلوبٍ راقٍ، يُوَجِّهُهُ فيه إلى جادَّةِ الصَّوابِ. والفَرْقُ بينَهُما بسيطٌ جِدَّاً؛ وعظيمٌ جِدَّاً في آنٍ معاً.!.
أعلمُ أَنَّ كلامِي هذا لَنْ يَجِدَ آذاناً صاغيةً مِنْ كثيرينَ، لأَنَّ التَّغييرَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بينَ ليلةٍ وضُحَاهَا، إنَّما أشعرُ أَنَّ مُحاولتي هذهِ يٌملِيْهَا عَلَيَّ واجِبٌ أخلاقيٌّ ومِهَنِيٌّ. الَّلهُمَّ اشْهَدْ، إنِّي قدْ بَلَّغْتُ. ولم أَقِفْ مُتَفَرِّجـــاً.!!؟؟.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

السياسة في بلادي عهر

13-أيار-2017

متاهات الغربة

06-أيار-2017

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow