Alef Logo
الفاتحة
              

الاحتفال برأس السنة الهجرية على طريقة نجيب محفوظ

سحبان السواح

2010-04-23


صدفةً، وأنا أقلِّبُ قنواتِ التلفزيونِ صادفت فيلمَ "ثرثرة فوق النيل" المأخوذَ عن روايةِ الأديبِ الكبيرِ الرَّاحلِ "نجيب محفوظ"؛ لم يكنِ الفيلمُ في بدايتِهِ، ولكنَّ عنوانَ الفيلم شدَّني إليه؛ وأعادني بالذَّاكرةِ إلى مراحلَ كنَّا نسِيناها في تاريخِنا المعاصرِ، فالمشهدُ الذي كانَ يُعرضُ حينَ شاهدتُ الفيلم، هو مشهدُ احتفالِ أبطالِ الرِّوايةِ - الفيلمِ برأسِ السَّنةِ الهجريَّةِ في العوَّامةِ التي تطوفُ فوقَ النِّيلِ؛ وهي مملكتُهم الخاصَّةُ الَّتي يقضونَ فيها حياتَهُمْ ، ويعيشون ملذَّاتِهم، فهل قُبْحُ حياتِهم تلك قُبْحٌ، أم هوَ أسلوبُ حياةٍ.؟. سؤالٌ يظلُّ عالقاً في أذهانِ قُرَّاءِ الرِّوايةِ، ومُشاهدِي الفيلم.
ليستِ الرِّوايةُ، وليسَ الفيلمُ هو ما سأتحدَّثُ عنه هُنا؛ بل عن تلك الفُسحةِ منَ الحرِّيةِ الَّتي كانَ جيلُنا- الجيلُ الذي وُلِدَ ما بينَ بدايةِ القرنِ الماضي حتَّى منتصفه- يعيشُها، تلكَ الحرِّيةُ في الكلامِ، والمُشاهدةِ، والفعلِ، والحياةِ، والَّلهْوِ، و"الإيمانِ، والإلحادِ" وما بينهما.
أبطالُ الرِّوايةِ مجموعةٌ منَ الرِّجالِ والنِّساءِ الخارجينَ عنِ المألوفِ؛ كلٌّ منهُمْ يعيشُ عالمَهُ بطريقتِه. ولكلٍّ منهُمْ عُقَدُهُ وإشكالاتُهُ الحياتيَّةُ، وفي المشهدِ الَّذي ذكرتُهُ يصرخُ أحدُ الأبطالِ (لم أعُدْ أتذكَّرُ اسمه) إنَّهم سيحتفلونَ في ذلك اليومِ برأسِ السَّنةِ الهجريَّةِ؛ وإنَّ اللهَ منعَ "الخمرَ" ولكنَّه لم يمنَعِ "الحشيشَ"؛ لذلك "سيحشِّشون" في هذا اليوم، وسيمرحُون، ويزنُون، وسيفعلُون كُلَّ المُوبقاتِ؛ باستثناءِ شُرْبِ الخمر الَّذي منعَهُ اللهُ. وهكذا يقومُ أحدُ أبطالِ الرِّوايةِ - بحجَّةِ أنَّه يريدُ أنْ يُعَرِّفَ صديقتَه الجديدةَ على معالِمِ العوَّامةِ- لِينفرِدَ بها لمدَّةٍ تكفي لِيُضاجعَها، ويعودَ معها إلى "الشُّلة" التي تعيشُ أوهامَ حياتِها هناك؛ ويكونُ أحدُهُمْ أيضاً، قد أحضرَ معه طالبةً جامعيَّةً، لِيضمَّها إلى حريمِ العوَّامةِ، ونكتشفُ إلى أينَ سيصلُ بها الأمرُ.
حينَ قرأْتُ الرِّوايةَ لم يستوقِفْني هذا الكلامُ، باعتبار أننا لم نكنْ نعيشُ قمعاً دينيَّاً، وسطوةً دينيَّةً منْ رجالِ الدِّينِ؛ كما نعيشُ اليومَ مِنَ المُحيطِ الثَّائرِ إلى الخليجِ الهادرِ.!؟. فقدْ كانَتْ "مصرُ" في تلك الفترةِ تُصّدِّرُ المعرفةَ، والثَّقافةَ، والأدبَ، والفنَّ بعيداً عن سطوةِ رجالِ الدِّينِ؛ وكذلكَ – بالطَّبعِ- كانَتْ "سوريةُ"؛ ولكِنْ لا بُدَّ مِنَ الاعترافِ بأسبقيَّةِ "مصرَ" في ذلك الزَّمنِ، على جميعِ الدُّولِ العربيَّةِ، فيما يخصُّ الأدبَ والفنَّ.
اليومَ، ومعَ هذهِ السيطرةِ الدِّينيَّةِ غيرِ المتآلفةِ فكريَّاً، ومعَ تناقضِ الإِفتاءِ وكثرةِ المُفْتِينَ، ومعَ المعاركِ الحاصلةِ التي حسمَها رجالُ الدِّينِ لمصلحتِهِمْ؛ وبتعاونٍ غيرِ مُعلَنٍ بينَهُمْ وبينَ السُّلطاتِ في نهايةِ القرنِ الماضي؛ لا بُدَّ أَنْ تُثيرَ مثلُ هذه المشاهدِ بلبلةً فكريَّةً، وتطرحَ سؤالاً هامَّاً: إلى أينَ نحنُ مُتَّجِهُونَ.؟. ولماذا حصلَ ما حصلَ.؟. وهلْ في الإمكانِ أَنْ نستعيدَ حريَّتَنا، كما كانَ أهلُ ذلكَ الزَّمانِ؛ وهو ليس ببعيدٍ.؟.
أليسَ أبطالُ "الرِّوايةِ ـ الفيلمِ" بشراً، يعيشونَ بينَنا، ويحيَوْنَ حياتَهُمْ بالطَّريقةِ الَّتي يرغبونَ.؟. بالتَّأكيدِ، لم يقدِّمْهُمُ الرِّوائيُّ الكبيرُ بعيداً عنِ الأسبابِ الَّتي دفعَتْهُمْ إلى الوصولِ إلى "العوَّامةِ"؛ وهذا ليسَ مجالَ حديثِنا هُنا. ما نُريدُه هو الوصولُ إلى نتيجةٍ مُحَدَّدَةٍ: ما الَّذي اختلفَ بينَ اليومِ والأمسِ.؟؛ بينَ تلكَ الأيَّامِ الَّتي كُنَّا نشتكي فيها مِنْ سُلطةِ وتَسَلُّطِ "الدَّولةِ" علينا غيرَ عارفينَ مقدارَ الحريَّةِ الشَّخصيَّةِ المُعطاةِ لنا؛ لأنَّنا لمْ نكُنْ نُعاني حينَها مِنْ قمعِ "رجالِ الدِّينِ".؟!.
أعودُ إلى السُّؤالِ الجوهريِّ: ما الَّذي تغيَّرَ.؟. هلِ اكتشفَتِ السُّلطاتُ العربيَّةُ أنَّ هذا الشَّعبَ استكانَ لأوَّلِ تجربةٍ قمعيَّةٍ.؟. وعليهِمْ أنْ يُجرِّبُوا نوعاً جديداً مِنَ القمعِ ويتفرَّجُوا على نتائِجِهِ.؟. فأفلَتُوا علينا رجالَ الدِّينِ، وأعطوهُمْ صلاحيَّاتٍ لم يكونُوا يملكونَها زمنَ هذه "الرِّواية" قبلَهُ وبعدَهُ.؟.
أعتقدُ أنَّ التجربةَ الأخيرةَ نجحَتْ أيضاً، فصارتِ الشُّعوبُ العربيَّةُ مُحاصَرَةً مِنْ سلطةِ الدَّولةِ القمعيَّةِ؛ ومِنْ سلطةِ رجالِ الدِّينِ الأكثرِ قمعاً. وصارَ المُواطِنُ بينَ "سِندانِ الدَّولةِ، ومِطرقةِ رجالِ الدَّينِ"، وما عادَ مُمْكِناً اليومَ أَنْ نحلُمَ بإنتاجِ فيلمٍ يقولُ الحقيقةَ مثلما كانَتْ تُقالُ تلكَ الأيامَ؛ ولا أَنْ نعودَ إلى حياةِ تلكَ الأيامِ. وليسَ بمقدورِنا سوى القبولِ بالأمرِ الواقعِ؛ لأنَّنا: إذا لمْ نفعلْ؛ فالسُّجونُ مهيَّأةٌ لاستقبالِنا.!، والمحاكمُ جاهزةٌ لإصدارِ الأحكامِ علينا، استناداً إلى قوانينَ غيرِ واضحةِ المعالمِ؛ أو تُوضَعُ طِبْقاً للحالةِ المطلوبةِ.؟.
ولا بُدَّ منَ الإشارةِ أيضاً إلى أنَّ سلطةَ رجالِ الدِّينِ انطلقَتْ من "مصرَ"؛ ثم صُدِّرَتْ إلينا. إنَّ صَمْتَنا على محاكمةِ "نصر حامد أبو زيد" ومحاولةِ التَّفريقِ بينَه وبينَ زوجتِهِ؛ أَوْصَلَنَا إلى ما نحنُ عليهِ اليومَ. وما أدراكَ بما نحن اليومَ عليه.!.
كلُّ شيءٍ مسموحٌ لرجالِ الدِّينِ، عدا الاقترابَ منَ الحُكَّامِ؛ وفيما يحدثُ ذلكَ، نكتشفُ فجأةً أنَّ الِّليبراليَّةَ و العِلمانيَّةَ والفكرَ الحرَّ والحداثةَ وتطويرَ الحياةِ أصبحَتْ مِنْ منسيَّاتِنا؛ وأنَّ علينا قبولَ هذه الحياةِ كما هيَ، دونَ أنْ نستطيعَ الاحتفالَ برأسِ السَّنةِ الهجريَّةِ على طريقةِ "نجيب محفوظ".!؟.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

يوميات سوري عادي

11-آذار-2017

نظرية المؤامرة

25-شباط-2017

وريث الخيانة

22-كانون الأول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow