Alef Logo
الفاتحة
              

رسالة مفتوحة إلى عمرو السواح

سحبان السواح

2010-01-22

أيْ بني

ربما تأخرت بالاعتذار منك، ربما كان عليَّ أن أعتذر منذ سنين عن أخطاء ارتكبتها بحقك معتقدا أنني أقدم لك الأفضل، وأؤمن لك حياة نظيفة وهنيئة، ولكن ما جرى أثبت لي أنني كنت مخطئا، ومخطئاً، ومخطئاً حتى النخاع.

لم أحسب حساباتي جيداً لأنني كنت غبياً، كنت أظن أنني بتربيتي لك وتوجيهك نحو الصدق والأمانة، نحو القراءة والإبداع، أقدم لابني خدمة جليلة في حياته القادمة. ولكني اكتشفت خطأي وندمت، و لات ساعة مندم.

أتساءل الآن هل كان عليَّ أن أحمل لك من بيروت قصص الأطفال التي نما وعيك عليها؟ هل كان عليَّ منعك من مشاهدة المسلسلات التلفزيونية المخصصة للكبار التي تربى جيلك عليها؟ هل كان علي أن أقدم لك كتب دستويفسكي، ومحفوظ وغيرهم كثير، حين دخلت المرحلة الإعدادية، هل كان عليَّ أن أقول لك لا تسرق لا تنهب ولا تكذب في عصر تسود فيه السرقة والنهب. والكذب؟

ها قد أصبحت في عمر عليك أن تؤسس أسرة، وعلى مفترق هام في حياتك، وأنت لا تملك من متاع الدنيا شيئا سوى الأخلاق التي تربيت عليها، وثقافة اكتسبتها، ماذا تفيدك الأخلاق يا بني، هل تطعمك، تلبسك، تشتري لك بيتا لتتزوج به. بالتأكيد ستكون إجابتي سخيفة لو قلت "معلش" تبقى الأخلاق أهم! أكون أكذب عليك وعلى نفسي، فالأهم في عصرنا هذا أن تملك بيتا، ومالا وفيرا، وفرشا باذخا، وسيارات وعملا يدر عليك أموالا طائلة لتستطيع أن تجاري أبناء جيلك.

ماذا استفدت من الأخلاق؟ ماذا استفدت من الثقافة؟ ودستويفسكي ومحفوظ، فليذهبوا إلى الجحيم. حين يكون جيبك عامرا بالمال، تنفق منه ذات اليمين وذات الشمال، لكنت تعيش في يسر وسعادة.

كان من واجبي، واكتشفت ذلك متأخرا أن أعلمك كيف تتسلق السلم، كيف تحصل على المال، ببساطة كيف تسرق دون أن تسمى لصا.

كيف تكون لصا ومحترما في الوقت نفسه، وهذه كانت أسهل وأكثر بساطة من كل ذلك العناء الذي كابدته وأنت تقرأ كل ما قرأته، وأنت لم تفهم بعد أمورا كثيرة في الحياة كان يمكن أن تتعلمها من المسلسلات التي شاهدها أبناء جيلك، وكنت أنت محروما من مشاهدتها.

سهل وبسيط جدا أن تصبح ذا نفوذ، ومال، وسلطة، ليس عليك سوى أن تقدم بعض التنازلات، هي في الحقيقة ليست بذي بال.. تسكت عن كل خطأ تراه، تسمح لرئيسك أن يعاملك في البداية كخادم، ثم كمرافق ثم وحين تصير عارفا ببواطن الأمور يبدأ بمعاملتك كصديق، ويعطيك بعض الفتات ما يحصل عليه، لتنقلب عليه بعدها وتصبح أنت الرئيس ويصير هو في خبر كان.

سهلة جدا الأمور لا تتوهم، امرأة قد تحل المشكلة، وتغير الكون، الدسيسة على اقرب الناس إليك أنا ممثلا أو أمك، أو عمومك أو أخوالك تجعلك من أهل الثقة، وتحصل على منصب مسؤول.. مسؤول ماذا ؟؟؟ تريد أن تشترط الآن.. المهم أن تصبح مسؤولا، فقط مسؤولا. المهم أن يكون لديك ميزانية تسرق منها ما يلزم عيشك الرغيد .

ها أنا ذا أكتب رسالتي هذه إليك، وأحضك على أن تتخلى عن الصدق والأمانة، وعن الأخلاق الحميدة، لعلك تصبح قادرا على تأسيس منزل وأسرة وتنفق عليها في هذا الزمن الرديء.

انس ما قرأت، وانس ما علمته لك، وانس ما شاهدت، وانس أي خصلة أخلاقية يمكن أن تجعلك فقيرا. فهذا زمن رديء لا يعيش به ممن ينتمي إلى طبقتنا، إلا من يتخلى عن كل ما يمت للأخلاق بصلة.

بني.. لاتصدق كل ما قرأته أعلاه. فأنا فخور بك وبإنجازاتك التي حققتها ومقتنع بكل ماضينا معا.












تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

الجنسُ المُقَدَّسُ .. والجنسُ المُدَنَّسُ.. بينَ ديانةِ السَّماءِ، وديانةِ البَشَرِ.

10-حزيران-2017

وكان لي حبيبة اسمها شام

03-حزيران-2017

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow