Alef Logo
الفاتحة
              

ليس دفاعا عن أدونيس / العرب لم ينقرضوا اليوم .. بل هم منقرضون أساسا

سحبان السواح

2009-05-16


" انقراض الحضارة العربية " قالها أدونيس في مجمل محاضرة وحوار في كردستان العراق. كلمة كان علينا جميعا قولها قبله. ولكن ماحصل عكس ذلك . فقد توالت ردود الفعل المعادية في معظمها، والتي تدافع عن القومية العربية والأمة العربية.
ويطرح السؤال هنا إلى جميع الذين ردوا علنا، أو في مجالس نميمتهم المغلقة، هل من أحد منهم يعتقد غير ذلك، أقصد غير ما قاله أدونيس؟ وأزيد - بل وأزاود بقناعة - هل كان للعرب حضارة بالمعنى الحقيقي للكلمة؟
لنعد للبداية .. العرب في باديتهم قبل الإسلام قبائل متناحرة، وعصابات تنهب قوافل القبائل الأخرى .. لا شيء سوى خيام متنقلة للرعي، وحاضرتين صغيرتين، هما مكة ويثرب، اللتان كانتا تتعيشان من التجارة مع الحضارات المجاورة .. وهي بالتأكيد ليست حضارات عربية .. بل حضارات سورية في كامل سورية الكبرى، وحضارة فارس والهند وغيرها من حضارات تلك المنطقة، والتي كانت في تلك الفترة حضارات حقيقية، تملك كل مقومات الحضارة. فيما كان العربي لا يملك سوى جماله يجول بها محملا بضاعة تلك الحضارات .. ليبعها في مكان آخر ويترك الفتات لجماعته .. لم يكن من صرح قائم حقيقي سوى بناء الكعبة وهو قطعة مربعة مبينة بالحجر الأسود قدسها العرب قبل الإسلام وبعده. ولكنها لا تقترب من أن تكون كسور الصين، أو معابد وقصور وهياكل السومريين والبابليين والأوغاريتين والكلدانيين. وكلها حضارات سورية بنت ممالك وحواضر، وغزت البلاد من جميع أطرافها، وأخضعت ممالك، انهارت ليحل محلها ممالك أخرى. وكذلك الأمر بالنسبة لمصر.
وكان العربان في تلك الفترة مازالوا يقومون بمهمتهم التجارية، دون رغبة في تأسيس حضارة أو مدنية حتى. فلا تمديدات للمياه، ولا أماكن للاستحمام، ولا شيء من حياة الرفاهية التي عاشتها الحضارات الأخرى، سورية، ووادي الرافدين، ومصر الفرعونية، والممالك والامبراطوريات الأخرى التي تنتمي إلى أعراق أخرى.
ثم جاء محمد، وجاءت رسالة الإسلام. وربح محمد معركته مع قريش. وبدأ يخرج للغزو لنشر دعوته، ولتأمين موارد مالية للدولة التي ينوي تأسيسها. وأسسها فعلا.
ومات محمد، فتأسست دولة الخلافة الراشدية، التي غزت ونجحت بغزواتها. وبدأت الحضارة الإسلامية تتكون لتصبح حضارة شيئا فشيئا، إلى أن أصبحت الحضارة الأولى في قرون عديدة. ولكنها لم تكن حضارة عربية بل كانت حضارة إسلامية. وقول محمد أن "لا فرق بين عربي و أعجمي إلا بالتقوى" كانت أساس كل شيء، فوزراء الخلافة التي استأثر بها آل البيت وأولاد عمومتهم خروجا عن قول الرسول، هؤلاء الوزراء بدأوا يتسللون مع صعود الخلافة العباسية، من أقوام أخرى غير عربية كالفرس، والأتراك، والأكراد، إلى أن جاء يوم كانت الخلافة الإسلامية عبارة عن خليط عرقي لم يسبق لحضارة أن ضمت مثله بين خاصتها وعلية قومها.
انتهت الخلافة في يد العثمانيين. وهذا يعني انتهاء دور الأعراب المسلمين كخلفاء وتسلم الأتراك الخلافة. معتمدين على قول محمد ذاك. وسيطر الأتراك سيطرة مطلقة على الخلافة، بعد أن كانت أجناس أخرى مختلطة قد سيطرت، ولفترات طويلة، سيطرة جزئية عليها. وهذا يعني أنه لا دور لحضارة عربية طوال فترة الخلافة الإسلامية، مستثنين الحكم الأموي الذي كان عربيا صرفا حسب تفسيرنا لكلمة عربي هنا، بل دور حضارة إسلامية يجلس على عرشها رجل عربي ينتمي إلى عائلة محمد وأبناء عمومته.
جاءت الحرب العالمية ، وقرر الغرب اختراع شيء اسمه القومية العربية. أغروا به أحفاد الخلفاء المسلمين وذريتهم بأنهم قومية وبأن كل من خضع لسلطتهم حتى نهاية الخلافة العثمانية من أراض، خلاف الأراضي التركية، هم عرب ينتمون إلى قومية واحدة، وأمة واحدة هي القومية العربية. وكانت الغاية الأساسية إضعاف الإمبراطورية العثمانية وربح الحرب.
وبدأ الحديث عن القومية العربية ..في منتصف القرن الماضي.
إذن العرب منقرضون أساسا. وهم ليسوا أولئك الذين خرجوا من الجزيرة العربية غازين أقواما أخرى، منهم سكان سورية الكبرى بثقافتهم العالية وحضارتهم العريقة، وسكان مصر، وأيضا بحضارتهم الفرعونية العريقة. لقد انقرضوا مذ بدأوا يقتتلون بين بعضهم بعضا من أجل السلطة العليا " الخلافة". ومنذ بدؤوا بسعيهم للنفوذ والسلطة. ومذ طمعوا بأراضي الغير وممتلكاتهم وبنسائهم .
القومية العربية الحالية،أو من نطلق عليهم عربا اليوم، هم اختراع بريطاني فرنسي ضحكوا به على لحى بعض أحفاد محمد وأولاد عمومه.
هلا فكر مثقفينا، قبل بدء الهجوم على أدونيس، في جملة قالها عن ثقة من هم العرب أساسا؟ .. وهل فكروا بالتفريق بين أمة عربية،وخلافة إسلامية.
الجزيرة العربية هي موطن العرب الأوائل .. وفيها تأسست الآن المملكة العربية السعودية بدينها الوهابي .. وهي تحتضر .. بل هي على فراش الموت .. ولكن تلك الحضارات التي غزوها في بداية امتدادات الإسلام، لا يمكن أن تنقرض لأنها تحمل إرثا حضاريا عريقا، لا يمكن أن يزول بسرعة. وإذا كان الحكام الآن يقفون في وجه عودته لتلك المكانة، معتمدا على إرثه الحضاري ، فلن يدوم هذا إلى الأبد.
لسوريا الكبرى حضارتها، ولمصر حضارتها، وللعراق حضارتها .. وللسعودية بترولها الذي ستغرق في قاره الأسود.
فكروا قليلا، قبل أن تنتابكم الحمية العربية. فكروا بهدوء فيما قلت، ثم ابدأوا أيضا بالهجوم علي.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

السياسة في بلادي عهر

13-أيار-2017

متاهات الغربة

06-أيار-2017

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow