Alef Logo
دراسات
              

الممانعة" والحاجة إلى عدوّ

علا شيب الدين

2013-05-26

أعلن النظام ورئيسه حرباً سياسية إعلامية من جهة، وميدانية قتالية من جهة أخرى، منذ أن تفجَّر احتجاج السوريين، الشعبي، السلمي، المُطالِب بالديموقراطية، في أواسط آذار 2011. اختصت الحرب الإعلامية بوصف الثائرين بأوصاف مهولة بشعة. "الإرهابيون" أحد تلك الأوصاف، ومن غاياته تشريع ما ليس بمشروع. قتْل شعب أعزل، يجهر بمطالب مشروعة، غير مشروع، فكان لا بد من الالتفاف على اللامشروعية تلك عبر لعبة اللغة، ما دامت مشروعية قتْل الإرهابي مستمَدة من لا مشروعية الإرهاب نفسه. كما أن عدم الاعتراف بهوية مَن تُشَن الحرب ضده، وبالفعل الثوري الخاص به، من شأنه أيضاً الالتفاف على كل ملاحقة أو مساءلة قانونية ممكنة، مسايرة للقاعدة المعروفة "الاعتراف سيد الأدلة".

جاء التضليل في قبالة وضوح تام من جهة السوريين الثائرين، الذين طالما أعلنوا على الملأ، هوية الخصم، أي النظام ورئيسه. في الوضوح نفسه، دلالة على مشروعية الثورة على سلطة غاصبة، لا شرعية، لم ينتخبوها. لذا، لم يكن الثائرون بحاجة إلى التفاف لغوي كالذي عمدت إليه السلطة التي لم تكن لتجرؤ على الاعتراف بأن حربها ضد شعبها، بل كانت مضطرة إلى تسويغ لغوي، سياسي، إعلامي يساهم في تشويه الثورة وصرْف الأنظار عنها، وفي تضليل الرأي العام. هكذا، خلقت السلطة "عدواً شرعياً وهمياً"، اسمه "الإرهاب"، تضمن بقاءها من خلال قتاله.
***

حلفاء النظام وأعداء الثورة الشعبية، نعتوا الثائرين السوريين بـ"الإرهابيين" وكان من بين المفارقات الكثيرة المهمة التي تبدَّت، "اجتماع المتناقضات". فإيران وإسرائيل مثلاً، العدوتان اللدودتان ظاهرياً، اجتمعتا عند نقطة بقاء الأسد ونظامه، وتناغمتا في تغييب هوية الثائرين وتسميتهم "إرهابيين"، ما ساهم في كشف أحد أهم المرتكزات التي يقوم عليها النظام السوري، أي التناقض. ففي الظاهر، هو ممانِع إسرائيل وحليف علني لإيران، وفي الباطن، هو حليف إسرائيل وضامن أمنها. إسرائيل، بالنسبة إلى النظام، كـ"الإرهابيين"، هي "عدوّ شرعي وهمي"، يضمن من خلاله مشروعية وجوده واستمراره، عبر ادعاء ممانعته وقتاله، مع فارق جوهري يكمن في أن قتال "العدو الإسرائيلي"، وهْم لا يتجاوز البهلوانية اللفظية، بينما قتال "العدو الإرهابي"، أي السوريين الثائرين، حقيقي بمعنى الكلمة. لذا، لا عجب في عدم الرد على الغارات الجوية التي شنّتها إسرائيل على مواقع عسكرية في سوريا في الخامس من أيار 2013. غارات لم تكن الأولى، ولم تكن، في المقابل، المرة الأولى لم يرد فيها "الممانعون" على إسرائيل، إذ كان الرد مزيداً من القصف على مخيم اليرموك الخاص باللاجئين الفلسطينيين في العاصمة دمشق مثلاً، ومزيداً من مجازر ذات صبغة طائفية مثل مجازر بانياس بريف محافظة طرطوس وغيرها، ومزيداً من التصعيد في استخدام جل أنواع الأسلحة بما فيها "الخط الأحمر الكيميائي"، ضد السوريين، بحسب ما وثّقه ناشطون ميدانيون، بالصور والفيديوات التي تُظهر مدنيين أصيبوا بغازات سامة، ومزيداً من إعمال العدوان في تدمير المدن والبلدات السورية، وآثارها، وإرثها الثقافي الحضاري الرائع.
"بَس أفهَمْ، ليش عبيضربنا؟! يعني، حكم القوي عالضعيف؟!"، سؤال وإجابة في آن واحد، يختم بهما سرده عما جرى له ولعائلته بعد القصف، نايف الحلبي، الصبي الصغير الذي أجرت معه قناة "أورينت" مقابلة بتاريخ 27/2/2013. ما قصّه الصبي، برباطة جأش مذهلة، كان مرعباً، فقد قال مثلاً: "طْلِعتْ لقيتْ ميمتي أربع شقف". الصبي، هو أحد نماذج "الإرهابيين" الذين يستعرض "الممانعون" "قوتهم" عليهم!
***

وحيث إن انخراط أطراف غير سوريين ينتمون إلى ما يُسمَّى "محور الممانعة"، في القتال ضد الشعب السوري، عدوّ "الممانعين" الحقيقي، وتوجيه سلاح المقاومة في اتجاه الأطفال والنساء والأبرياء، غير شرعي بكل المقاييس، كان لا بد من مسوّغ لغوي، إعلامي، يبرّر الانخراط السافر المباشر في القتال إلى جانب النظام. فما كان هناك، بالنسبة إلى حزب طائفي من مثل "حزب الله"، مسوِّغ أنسب من "الدفاع عن المقامات الشيعية"، و"حماية مواطنين لبنانيين شيعة"، و"الجهاد ضد التكفيريين"، أما "تحرير الجولان" فهو الأكثر طرافة!. هكذا، تم خلق "عدو شرعي وهمي"، اسمه هذه المرة "سنّي تكفيري" يجب حماية الشيعي منه.
يُعرِّف المحللون العلميون للواقع، "حزب الله"، بأنه ذراع عسكرية لإيران في لبنان، يساهم في تقويض الدولة اللبنانية. المحللون أنفسهم، يرون أن إيران تسعى إلى تشكيل "مقاومة" على غرار الحزب المذكور، في سوريا كـ"محافظة إيرانية رقم 35"، بحسب وصف أحد رجال الدين الإيرانيين. "مقاومة"، قوامها "الشبّيحة"، أو ما يُسمَّى "جيش الدفاع الوطني"، يكون ولاؤها لإيران، وفي شعار "شبّيحة للأبد"، دلالة ربما على المخطط ذاته، أي أن الشبّيحة سيبقون "الراعي الأبدي" للمصالح الإيرانية في سوريا إذا ما سقط الأسد.
ثمة "علاقة وجودية" تربط كلاً من "حزب الله" والنظام السوري وإيران. علاقة تُستعمَل فيها القضية الفلسطينية، مثلاً، كوسيلة أو استراتيجيا، ويُتخذ من إسرائيل "عدو شرعي وهمي" يُستمَد الوجود من خلاله، إذ بقاء "محور الممانعة" مرتبط، بشكل أو بآخر، ببقاء العدو.
هكذا، تبرز لا جدّية مقاومة العدو وقتاله، حتى أنه لو افترضنا انعدام إسرائيل، لكان جهد "الممانعون" من أجل استحداث عدو آخر(؟)، تُستمَد من خلاله شرعية الوجود "المقاوِم الممانِع". إن العلاقة الوجودية تلك، تجعل قتال الأطراف المذكورين بعضهم إلى جانب بعض، مسألة حياة أو موت. إذ سقوط "الوسط"، أي النظام السوري، يعني اندثار "حزب الله" اللبناني بمعنى ما، وغياب إيران كقوة إقليمية. أو يمكن القول، عبر الاستعانة بلغة علم المنطق، إن العلاقة بين الأطراف هؤلاء، "علاقة تضايُف"، وجود أي طرف فيها لا يُفهَم إلا من خلال وجود الآخر، وإذا ما غاب أي طرف، غاب الآخر تلقائياً.
في "صراع البقاء" هذا، يصعب تصوّر بقاء مَن يستمد وجوده من الآخر، أو مَن يحتاج إلى عدوّ في تغذية وجوده. "داروينيّاً"، البقاء يكون للأقوى والأصلح، والأقوى هنا، هو ذاك الذي يستمد وجوده من ذاته، أي الشعب السوري ذو الثورة "اليتيمة" المغذاة من روحه ودمه، وإرادته وعزيمته. يصعب فصل الثورة السورية عن السياق التاريخي الذي اندلعت فيه ثورات "الربيع العربي"، كثورات شعوب ضد أنظمة ديكتاتورية ظالمة ومستبدة، وقد أثبتت التجربة أن الأقوى والأصلح للبقاء في الصراع بين الأنظمة والشعوب، هو الشعوب. أيا يكن، وحده التاريخ يثبت مَن كان على خطأ، ومَن كان على صواب، ووحده الصحيح يظل قادراً على الحياة والنمو، والمفاهيم التي تبدو قطعية، حتمية، وثوقية، لن تصمد أمام اختبار التاريخ.
***

"أعداء شرعيون وهميون"، سوَّغ "الممانعون" إذاً، من خلال ادعاء قتالهم أو مقاومتهم، حربهم الضروس ضد شعب يريد حرية وديموقراطية لا تتفقان ومصالحهم ومشاريعهم في المنطقة.
إن أخطر ما يمكن أن يلجأ إليه العقل البشري "المعاصر"، تفسير ما هو محض "طبيعي" بـ"ما وراء الطبيعة"، وأخطر ما فعله "الممانعون" المذكورون وأشدّه فداحة، في خلقهم "أعداء شرعيين وهميين"، إنما هو تفسير ما هو محض "واقعي" بـ"ما وراء الواقع"! تفسير كان بمثابة "شعوذة ممانعة". معلوم أن اللجوء إلى الشعوذة، هو سلوك اليائس المفلِس.
ليس يسيراً السير في حقل ألغام "الممانعة"، فهو يتطلب الكثير من الفطنة والحذر، وخصوصاً أنها "ممانعة" بارعة في العبث بالحقائق الواقعية التاريخية، وإلباسها أردية لا زمنية ولا تاريخية، من قبيل إلباس صراع محض سياسي، رداء دينياً طائفياً (سنّياً-شيعياً)، وغير ذلك من المناورات التضليلية. لكن أحداً لن يكون في إمكانه تغيير أن 1+1=2، حتى في وسط الجنون والعبث اللذين وصلا إلى أقصاهما.
طويلاً طُرِحَت "الممانعة"، كمسَلَّمة لا تحتاج إلى برهنة، غير أن الثورة السورية، كثورة هدّامة للمسَلَّمات والطوباويات، بيّنت أنها تحتاج إلى برهنة، وإلى الكثير من إعمال العقل والتفكّر، كما أفسحت المجال من أجل وضع "الممانعة" في سياق تاريخي واقعي، يفصح رويداً رويداً عن الفارق المهم بين "ممانعة" تحتاج دوماً إلى "عدو شرعي وهمي"، تختص بها أنظمة شمولية قمعية واستطالات لها، وممانعة حيوية صحّية، تختص بها الشعوب.
عن جريدة النهار.








تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

نظرية المؤامرة

25-شباط-2017

حين أتحدث في الجلسات الحميمة عن نظرية المؤامرة يواجهني أصدقائي بابتسامات ساخرة، ويتهمونني بأني مريض بشي أسمه فوبيا المؤامرة.. فأنا أرى أن كل ما يحدث لنا الآن وما حدث لنا...
المزيد من هذا الكاتب

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

وُريقتان

02-كانون الأول-2014

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

اعطني مزبلة ... كي أكون ديكاًـ حسين بصبوص

11-شباط-2017

مرحى ..ثابر إلى الأمام يا بطل

04-شباط-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow