Alef Logo
دراسات
              

الاستبداد السياسي في الميثولوجيا القديمة ـ ج1

مجيد محمد

خاص ألف

2013-05-21

تأليه الحاكم في الشرق"

"كل سلطة مفسدة، والسلطة المطلقة، مفسدة مطلقة""لورد أكتون"
"موقف الطاغية، هو موقف ذلك الذي يقطع الشجرة لكي يقطف ثمرة ...!"
"مونتيسكيو"

أشار توماس هوبز إلى أن حالة الفوضى هي الحالة الطبيعية في حياة الإنسان، في حين أن المجتمع المنظم والاجتماعي هو "مجتمع صناعي"، خلقه الإنسان بإرادته. معارضاً بذلك فكرة أرسطو التي ظلت سائدة في تاريخ الفكر السياسي طوال العصر القديم، والوسيط، وصولاً إلى عصر النهضة.
كانت فكرة أرسطو تذهب إلى "أن الإنسان مدني بالطبع"، وأنه يتجه للعيش في إطار الجماعة (السياسية، الاقتصادية، الإثنية، ...إلخ) بالفطرة. فعارض هوبز كل هذا الإرث الأرسطي، وأعتقد بأن الإنسان لا هو حيوان سياسي بفطرته، ولا يميل إلى الجماعة المنظمة. لكن التنشئة الاجتماعية هي التي تشكل شخصيته ليصبح صالحاً للحياة في المجتمع السياسي.
وقد ظهرت العديد من النظريات التي تفسر السلطة بالإطار الفلسفي أهمها:
1- النظرية الثيوقراطية: وهي نظرية تبرز إطلاق يد الحاكم في السلطة باسم شخصيته المقدسة.
2- النظرية التعاقدية: قامت على أساس النظام الديمقراطي الحديث، لا سيّما العقد الاجتماعي عند "لوك وروسو".
3- النظرية التطورية: التي أخذت من تطور العائلة (الأسرة) مثالاً في تفسير نشأة السلطة.

تأليه الحاكم في الشرق
"ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقاماً ذا علاقة بالله"
عبد الرحمن الكواكبي
الحكم الثيوقراطي
ينشأ الحكم الثيوقراطي عندما ينقسم المجتمع السياسي إلى فئتين متمايزتين، حاكمة ومحكومة، وهذا التمايز بين الفئتين جاء نتيجة اعتقاد القدماء بأن الحكام لابدّ أن يكونوا من طبيعة غير طبيعة البشر، أي من طبيعة إلهية، فالحاكم إله على الأرض أو هو ابن الإله!. ومن هنا جاء سمو إرادته؛ فهي سامية لأنها إرادة إلهية عليا، ثم تدرج الأمر فيما بعد إلى أن الله يختار الحاكم اختياراً مباشراً ليمارس السلطة باسمه على الأرض.
فتم تأسيس السلطة أولاً على أساس إلهي، لأن السلطة مصدرها الله يختار من يشاء لممارستها، وما دام الحاكم يستمد سلطته من مصدر علوي فهو يسّمو على الطبيعة البشرية، بالتالي فإن إرادته تسّمو على إرادة المحكومين؛ فهو منفّذ المشيئة الإلهية.
ثم تطورت هذه النظرية لتأخذ أشكالاً متعددة:
- في الأصل كان الحاكم من طبيعة إلهية، فلم يكن مختاراً من الإله، بل كان الله نفسه. وقد قامت الحضارات القديمة في مصر وفارس والهند والصين على أساس هذه النظرية.
- تطورت النظرية مع ظهور المسيحية، ولم يعد الحاكم إلهاً أو من طبيعة إلهية، ولكنه يستمد سلطته من الله. وهذا ما يسمى بالتفويض الإلهي المباشر. حيث لا وجود لوسطاء بين الحاكم والله، فيحكم بمقتضى الحق الإلهي المباشر.
- في العصور الوسطى، ونتيجة للصراع بين الكنيسة والإمبراطوريات، ظهرت فكرة جديدة، تقتضي بأن الله لا يختار الحاكم بطريقة مباشرة، وأن السلطة وإن كان مصدرها الله، فإن اختيار الشخص الذي يمارسها يكون للشعب. وهنا ظهر الفصل بين السلطة والحاكم الذي يمارسها.

مصر القديمة
كان الملك في مصر القديمة يعتبر إلهاً منذ بداية النظام الملكي فيها، ولم تكن هذه الإلوهية رمزية أو مجازية؛ تشير فقط إلى سلطته المطلقة، ومكانته السامية، بل هي تعبّر حرفياً عن عقيدة؛ كانت إحدى السمات التي تميّزت بها مصر الفرعونية؛ وهي عقيدة تطوّرت على مرّ السنين، لكنها لم تفقد شيئاً من قدرتها وتأثيرها.
ولمّا كان أحد الفراعنة يعتلي العرش، كان على الناس أن يفرحوا ويبتهجوا؛ لأن أحد الأرباب أقيم رئيساً على كل البلاد. إذ سوف ترتفع المياه في النيل ولا يهبط منسوبها. ويرافق اسم الملك شارات ترمز إلى "الحياة والصحة والقوة". وحتى بعد الوفاة يبقى فرعون يحدب على مصر ويعطف عليها، وهذا حقٌ له أكثر من أي إنسان آخر، أن يُخلّد ذكره ويبقى حيّاً إلى الأبد.
وكان الملك المستبد في مصر يتصف ببعض السمات:
- شخصية إلهية مقدسة، وبالتالي فهو أقدس من أن يخاطبه أحد مباشرة، فمن كان بشراً عادياً فهو لا يستطيع أن يتكلم مع الملك، وإنما من الممكن أن يتكلم في حضرة الملك!.
- هذه الشخصية الإلهية تتمتع بعلم إلهي، ولا تخفى عليه خافية. "إن جلالته عليم بكل شيء بما حدث وبما يقع، وليس هناك في هذه الدنيا شيء لا يعلمه، إنه توت إله الحكمة في كل شيء، وما من معرفة إلا وقد أحاط بها".
- كل ما يتفوه به صاحب الجلالة "الملك" يجب أن يُنفذ، بل لابدّ أن يتحقق فوراً, لأن مشيئة الملك وإرادته هي القانون.
- هذه القداسة المطلقة لشخص الملك أفنت الحاجة إلى وجود قانون مكتوب، أي نصوص قانونية مكتوبة ومفصلة، إذ لم تكن هناك حاجة إليها ما دامت كلها متمثلة في شخص الإله الملك.
- القضاة يحكمون حسب العادات والتقاليد المحلية؛ التي يرون أنها توافق الإرادة الملكية.
- الملك هو همزة الوصل الوحيدة بين الناس والآلهة – فهو الكاهن الأكبر وهو الذي يعيّن الكهنة لمساعدته – وهو وحدة قادر على تفسير ما تريده (ماعت Maat) إلهة العدالة.
بابل
استندت السلطة السياسية في بلاد ما بين النهرين إلى مصدر إلهي، فالنظام الملكي هبط من السماء، والملك هو حاكم المدينة، وهو الكاهن الأعظم، وهو نائب الآلهة ومندوبها. ويتفاخر ملوك بابل بالأصل الملكي، ولا يفتأون يذكرون الناس باختيار الآلهة لهم، وعندما يختارالملك ابناً ليتولى الحكم بعده، يحرص على أن يعرض هذا الأختيار على الآلهة لتقره. وبعد المصادقة على الاختيار يقسم الابن يمين الولاء والخضوع والاحترام لأبيه، ليدخل بعدها إلى بيت الوراثة ويدرّب على مهام منصبه المقبل. ومع ارتقائه العرش تُجرى له احتفالات دينية، ويختار الاسم الملكي الخاص به، ويقلّد الشعارات ورمز السلطة الإلهية.
من الناحية القانونية ملك بابل يعتبر وكيلاً لإله المدينة، لذا كانت الضرائب تُفرض باسم الإله. وأثناء التتويج كانت تخلع عليه الكهنة سلطته الملكية ويأخذ بيد "بعل" ويخترق شوارع المدينة في موكب مهيب ممسكاً بصورة "مردوخ". وأسمى الفضائل في بلاد ما بين النهرين عامة، وبابل خاصةً هي الطاعة التامة. فالدولة تقوم على أساس الطاعة والخضوع للسلطة.
فارس
كان يطلق على الإمبراطور لقب "ملك الملوك". وهو صاحب السلطة المطلقة في طول البلاد وعرضها، فكانت الكلمة التي تصدر منه كافية لإعدام من يشاء من غير محاكمة ولا بيان للأسباب. وكان في بعض الأحيان يمنح أمه أو كبيرة زوجاته حق القتل القائم على النزوات و الأهواء، دون نقد أو لوم حتى من كبار موظفي الدولة. كما أن الرأي العام كان ضعيفاً عاجزاً عجزاً مصدره الحيطة والحذر. حتى إذا أقدم الملك على قتل ابنه البريء رمياً بالسهام، أشادوا بمهارته العظيمة في الرماية. وكان السجود طقساً من الطقوس المتبعة في بلاد فارس، فكانوا يألهون الملك، حتى أن الاسكندر المقدوني عندما غزا بلاد فارس، مزج بين الطقوس المقدونية والفارسية، ليبتدع أسلوباً خاصاً به.
الصين
كان التنظيم السياسي في الصين القديمة يقوم على أساس أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء، فهو يحكم وفقاً للحق الإلهي الذي يخوله سلطة مطلقة. فهو ابن السماء وممثل الكائن الأعلى. ولذلك كانت مملكته تسمى "تيان - شان" أي التي تحكمها السماء، وترجم الأوربيون هذه المقولة إلى المملكة السماوية.
وقد كانت حكمته هي القانون، وأحكامه هي القضاء الذي لا مردّ له، فهو المدبر لشؤون الدولة، ورئيس ديانتها يعيّن جميع موظفيها، ويمتحن المتسابقين لأعلى المناصب ويختار من يخلفه على العرش.
وكان يعاونه مجلسان في إدارة وتصريف شؤون الإمبراطورية، مجلس الأعيان ويَختار أعضاؤه من الأفراد الارستقراطين. ومجلس الوزراء وأعضاؤه ستة يُختارون من خيرة رجال الدولة.
تأليه الاسكندر لنفسه في الشرق
عندما شهدت مدن الإغريق عصر الطغاة، ذاق المواطن الكثير من الظلم والاضطهاد والمعاناة. لكن لم يحدث أن طلب أحد الطغاة الإغريق من الشعب أن يسجد له. فالنظام الملكي الإغريقي لم يكن بالقسوة التي كان عليها النظام الملكي الشرقي. ويصح أن نقول بأن المدينة اليونانية كانت جمهورية في مقابل النظام الملكي الشرقي. ولكن بعد غزو الاسكندر للشرق انهزمت المدينة اليونانية الجمهورية وانتصر النظام الملكي.
فنتيجة لاتساع الدولة وازدياد عدد السكان، انتقل مركز الثقل في العالم اليوناني نحو الشرق. وكان التطور أمراً محتوماً حينها، ولكن بأي اتجاه سيكون هذا التطور؟ ظل الرجل اليوناني يخضع للقانون الوضعي الذي يصنعه البشر، ولم يخطر له أن يكون الحاكم إلهاً، أو أنه يمثل الإله على الأرض. لكن بعد غزو الاسكندر للشرق التحم العالمان الغربي والشرقي على اختلاف نظامي الحكم فيهما. فالنظام الملكي الشرقي لا يقبل بمبدأ الحرية السياسية الذي كان سائداً في المدن اليونانية. وأصبح المواطن تابعاً الآن، وحلّ القصر محل الجمعية الشعبية أو "الجمعية الوطنية"، وكانت النتيجة أن أصبحت السلطة الملكية مطلقة، وأصبح الملك هو الشريعة الحيّة التي لا تقيدها شيء، وأصبح الملك غير خاضعٍ لأيّة رقابة فإرادته مطلقة. وظهرت العديد من العبارات التي تؤيد ذلك مثل: "إن ما يقره الملك هو عادل أبداً".
نقل الاسكندر من جملة ما نقله عن الشرق فكرة التاج، حتى أصحبت مرادفة للملك، وكذلك لفظ العرش، واستخدمه كل خلفائه. وأصبح الملك في المرحلة الهلنستية غير مقيد، فهو المشرّع الوحيد للبلاد، والقائد الأعلى للجيش. وأطلق الاسكندر على نفسه لقب "سيد آسيا"، وكان يعني بها الإمبراطورية الفارسية. ثم تسمى باسم الملك، علماً بأنه لم يتداول بهذه الألقاب ولم يطبعها على العملة التي كانت تخص المقاطعات اليونانية.
ومن ثم بدأ بآخذ عادات الشرق وثيابهم، وتزوج منهم، حتى وصل إلى أعلى عادة لديهم وهي تأليه الحاكم. فأراد أن يعترف به الشعب الآسيوي وحتى اليوناني أيضاً ابناً لـ "زيوس – آمون".
المراجع
إمام، عبد الفتاح إمام: الطاغية، عالم المعرفة، 1994، ط2.
خاص ألف




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

علم الأسلوب المثالية الألمانية والتقاط الحدس

18-آذار-2017

السنن النفسية للأمم أصل العروق

22-تشرين الأول-2016

نماذج جنسية في القصة العربية

25-تشرين الثاني-2013

بلاغة الخطاب وعلم النص

10-تشرين الثاني-2013

السنن النفسية للأمم أصل العروق

02-تشرين الثاني-2013

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow