Alef Logo
دراسات
              

الثوابت و المتحولات في الأدب و الثقافة

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-05-17

في مجال الظواهر الأدبية، و بالأخص تحليل الخطاب الأدبي، تنتشر أخطاء و هنات ، تشمل غير أخطاء التصنيف أخطاء في التعرف على ماهية حدود الأنواع إن لم نقل الأجناس.
على سبيل التوضيح أذكر أن رواية الديناصور الأخير ورد اسمها، في بحث رصين، في نطاق الأعمال الإبداعية التي كتبها الروائي العراقي فاضل العزاوي مؤلف آخر الملائكة و القلعة الخامسة و غير ذلك. مع أنها كانت إحدى ترجماته الكثيرة و ليس من تأليفه.
و قل نفس الشيء عن رواية خمسة أصوات لغائب طعمة فرمان.
من المعروف أكاديميا أنها رواية أصوات . و هذا كما أعتقد من الشبهات الناجمة عن عدم توفر النص باعتبار أنه صدر عام 1967 . إن لم يكن ناجما عن قراءة العنوان فقط و ليس كل هذه الرواية الشفافة .
إن خمسة أصوات عمل شفاف رسم حدود التجربة الاجتماعية و تفاصيل الواقع السياسي لمدينة بغداد في فترة حالكة و حزينة مهدت لأقسى أزمة في تاريخ المنطقة. و حولت الصراع من بحث عن هوية وطنية للبحث عن معنى الهوية بحد ذاتها.
لقد عملت الرواية على تفكيك علاقة المدينة و البيت بالإنسان، وإعادة تعريف الغاية من الوجود المشكوك بمعانيه. بعبارة أخرى : كانت تحاول البحث عن مصادر الأزمة ، هل هي الفرد أو المجتمع. السلطة الضعيفة و غير المرتبطة بالمواطن أم الأطماع الاستعمارية المشهورة. إلى آخر ما هنالك....
و هذا وحده يؤكد أن خمسة أصوات، بعكس الإشاعة المتداولة في سوق النقد الأدبي، عمل بوليفوني بامتياز. و أستعمل هذا المصطلح بكل حمولته التي أسس لها الإغريق بدءا من أيام أرسطو، ثم قام بتطويرها في سياقها السياسي الروسي ميخائيل باختين.
إن خمسة أصوات عمل يتكلم و لا يكتب. نص يتحرك عموديا و لا يتسع في مستويات ألسنية من الوصف و التحليل فقط. و ترافق ذلك مع معطيات خطاب- صوتية. معطيات تحدد خلفيات و مراجع الشخوص من خلال حراكها التعبيري. أو من خلال ذاتيتها.
لقد كان صوت كل شخصية بمثابة ضوء على الأسرار التي تنطوي عليها، و ليس على العقدة أو حبكة الرواية. لقد كانت الأصوات نشاطا هدفه تنوير اللاشعور. و ربما كانت أسلوبا تنمويا لتركيب السيرة الذاتية لكل شخص على حدة وفق مبدأ الضرورة، حيث يمكن للإشارات أن تستكمل الجمل و المفردات، و حيث أن الفراغات أو البياض الصوتي هو الذي يفصل بين التراكيب.
و هكذا رسم لنا فرمان مشهدا عاما لعاصمة عربية تطحنها مشاكلها، و تقودها لحافة الانهيار.
***
غير أن النموذج المثالي لرواية الأصوات هو قصة قبل السهرة لصدقي إسماعيل و التي تنظر لأزمة المجتمع العربي و كأنه أزمة أوديبية لا مفر منها. حيث أن رب العمل يحتل رمزيا دور ابن الأسرة المدلل، و اليد العاملة تلعب دور الأب و مصدر الخدمات الضرورية.
و في هذا الجو الذي يصنع دراما لمثلث ناقص ضلع، تغيب عنه الأم، و لا نعرف بالضبط من هو رمزها، و ما هي ماهيتها الحقيقية، يحتدم الصراع في دائرة مغلقة.. و ينتهي بجريمة يحاسب عليها قانون الأب البديل، أو الأب الصاعد، و هو رب العمل..
إن هذه القصة على بساطتها و حجمها المضغوط، تتيح لنا الفرصة لإعادة تصميم العلاقات و إعادة تركيب الواقع. و ذلك من غير تفاصيل روائية و إنما ضمن إطار من وجهات نظر.
و لذلك هي أهم من ميرامار لنجيب محفوظ التي تورطت في نفس اللعبة .. و لكن أعادت تركيب الحبكة مرتين، بالنشاط اللغوي و بتفاصيل الحكاية. الأمر الذي ساعد على مضاعفة شريطه اللغوي و حجم ذاكرة الشخصيات، حيث بدأت تنطوي على تصورات مسهبة و طويلة تتألف من محاكاة للواقع زائد ظل أو خيال.
لقد تورط نجيب محفوظ في رواية الحبكة عدة مرات دون توسيع دائرة الإضاءة. و بعد ميرامار كتب المرايا. حيث كانت التفاصيل تسهب في حضور المصموت عنه ألسنيا. مما وضع روايته في حالة من الشبهات و الشكوك التي لا يمكن أن نتفق عليها، و التي يتكرر تصويرها في ما أسميه مرايا متعاقبة لها بعد واحد فقط، الأمر الذي تسبب بإعادة بناء صورة مكررة ، و أدى في النهاية إلى تفسير عبثي عن الجوهر الغائب و الصامت بالقوة.. أو الجوهر المسلوب الإرادة و المستسلم لأقداره و مصيره، على طريقة سعيد مهران بطل اللص و الكلاب أو حتى على طريقة صابر بطل الطريق.
و أرى أن ملحمة البورجوازية الصغيرة كما صورها نجيب محفوظ هي مكيدة دبرها القدر ضد أفراد ترفضهم طبقتهم، لأنهم أصلا لا يفهون فكرة الانتماء، و ينحدرون دائما في طريق المغامرات و البطولات النرجسية التي عفا عليها الزمان.
***
و تنسحب نفس الحالة على العلاقة المفترضة بين نيتشة و جبران، و بالتحديد بين ( هكذا تكلم زرادشت ) و ( النبي ). فقد ربط النقد الأدبي منذ 1950 و حتى اللحظة الراهنة بين العملين، مع أنه من الصعب أن تجد علاقة خطاب أو تشابك سياق - معنى بينهما.
و الحقيقة أن نيتشة بشّر بعمل درامي قريب جدا من سيرة معكوسة للسيد المسيح، حيث أن خلاص البشرية لا يكون بواسطة المخلص أو الفدائي الذي يحمل شعار الواحد من أجل الجميع، و هو نصف شعار الفرسان الثلاثة، و ليس بطريق تحليل متوازن للواقع، و لكن من خلال تعالي الإنسان على شروطه تمهيدا للصعود فوق الرب، و التمرد على القدر الأعمى.
إن نيتشة لم يبشر بموت الإله فقط، و لا بأمراض و خيلاء المدرسة الرومنسية فحسب، و إنما أراد أن يضرب العقل الإغريقي الكلاسيكي، في الصميم، و أن يضع حدا لفكرة القدر، و فكرة اللوح المحفوظ أو الجوهر الواحد، تمهيدا لتمرير فلسفة مادية، تعتقد أن القدر يصنعه قانون العمل، و بعبارة أخرى: إن الواقع طريقة نرى و نفسر بها أنفسنا فقط.
و ليست هذه هي فكرة جبران، الذي كان مستعدا للتعامل مع الطبيعة على أنها انعكاس لطاقة الروح البشرية الخلاقة، و ضمن رؤيا توحيدية تثق بالإنسان لأن روح الله تفيض عليه من لانهائيتها و نورها، من رغبتها باكتشاف صورة للروح غير المحددة و غير المعروفة..
إن العلاقة بين نيتشة و جبران تساوي العلاقة الميتة بين الجسد الذي لا يفنى لأنه متكرر و الروح التي لا تفنى لأنها غير محددة..
***
لقد تراكم سوء التفسير على امتداد عقود، حتى تغلبت الإشاعة على الحقيقة. و لم يعد من المجدي تكرار ما هو معروف و سائد، إلا بعد التفكيك.. هل أقول إلا بعد التمحيص لأكون مباشرا و واضحا؟؟...
فالضائع بين السطور مثل الضائع في أسباب التنزيل أو ضرورات الترجمة. و هذا يتطلب العودة للمربع واحد للتمييز بين الخط الأسود و الأبيض.. و بلغة تحليل الخطاب للتمييز بين الثوابت و المتحولات.

نيسان 2013

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow