Alef Logo
يوميات
              

قرد .. صف ع اليسار

أحمد بغدادي

خاص ألف

2013-05-15

نفضَ أعواماً من الغبار عن بنطاله ومشى تجاه المرآة كي يرى عدد الثقوب الممكنة في قميصه أو في قلبه، أو عدد الصفعات التي وجهتها الحياة إلى وجهه. أنهى ما كان عليه من تفتيشٍ في جيوبه، واستدار إلى الطاولة كي يجمع بقايا القطع النقدية، التي يمكن أن تغطي ثمنَ سجائره وأجرة الحافلة التي ستقله إلى مكان عمله حيثُ جهود الزنود والكفوف المشققة، والأكتاف المعطوبة...!
كالعادة.. عندما أغلقَ بابَ غرفتهِ الصغيرة التي يستأجرها من رجلٍ في الخمسين، لكن يبدو عليه أن عمره خمسين قرناً لكثرة التفكير في النقود، ولفرطِ بخله وحرصه القاتلين، كان ينتظره قاعياً على أول درجتين في مدخل البناء؛ ألقى عليه التحية.. فأجابه الرجل بعد أن نهض واتجه إليه: ( معك لآخر الشهر مشان تفرّغ الغرفة، أو ترفعلي الأجار.. لأنو الدولار ارتفع يا إبني ).
أجابه الشاب بعد أن ابتسمَ ابتسامةً مجبولة بالسخرية: ( وأنا عم .. شو دخلني بالدولار، يادوبني عم دبّر راسي بــ300 ليرة وشوي باليوم من ورا العتالة، وكل الأسعار صارت نار)؟!!....
وضعَ الرجل البخيل كفّـه على جبينه وأردف: ( هي إنتَ قلتها بعظمة لسانك .. كل الأسعار صارت نار .. مشان هيك يا بدك ترفعلي الأجار، أو أنا في جماعة من إدلب مستعجلين رح يجو بعد كم يوم ورح يدفعولي بالغرفة هي فوق أجارك ألفين ليرة).
تنهّـدَ الشاب وأضاف للرجل أنه سوف يحاول أن يجد عملاً آخر في الليل كي يستطيع أن يلبي رغبته...
.................
....................
يوجد الكثير من الغرف في المنطقة التي أقطنها، لكن في غرفتي ذكريات جمّة، بكائي وضحكاتي، ظلال أصدقائي والشمس التي لا تمر إلا دقائق من الشباك الصغير، قطتي التي تعوّدتْ على المكان وعلى تقاسيمه وأركانه، صوت الأطفال المشاغبين كل يوم أمام باب البناء.. الرطوبة التي أكلت عظامي وأحالتني إلى شبهِ كائن... هنالك أمور رغم قساوتها ومساوئها تبدو أحياناً للمرء بعض من جوانبها جزء منه، أو هو يكون جزء منها. فكل أمرٍ سيئ تقابله رغبة مُـلحّة فيه، وكل أمر جيّد ليس في متناول اليد في أكثر الأحيان.
تمتمَ كل هذا في صدره وهو يمضي إلى الشارع العام كي يستقل حافلة توصله إلى عمله، طبعاً بعد أن أوسعَ نسلَ ذاك العجوز شتائم تليق بهِ وبأسلافه قاطبةً.. متأسفاً على بعض أبناء وطنه الذين يأكلون بعضهم البعض أثناء الثورة، عوضاً عن أكلِ الطاغية لأكبادهم، مستغلين ظروف الناس وقلّـة حيلتهم أمام صلافة الحربِ وبشاعتها.
عندما ركبَ الحافلة، أنقدَ السائق 10 ليرات أجرته، لكن السائق شهقَ بعد أن عدّل مرآة السيارة ونظرَ إليه شزراً وصرخ: ( ما كان حدا يفهم يا عالم إنو الدولار صار فوق .. فوق .. وصّـل للــــــــ....، الأجرة صارت 15 ليرة واللي مو عاجبو ينزل، تنكة البنزين بالسعر الفلاني .. ربطة الخبز بـ75 ليرة، فاتورة الكهربا زادوها رسوم، رسم نظافة، رسم جيش، رسم أبناءنا في الجولان، رسم الأيدز، رسم إدارة محلية..
بس اللي ما فهمتو لحد الآن هو رسم مواطن شريف ...)!!!
.........
......... تململَ الشاب، وأضاف على صراخه وشكواه 5 ليرات كي يغلق هذا المذياع الآدمي الذي وصلَ صوته إلى زحل.
قبلَ الحاجز الأمني بعدة أمتار، حكّ بعض الشباب رؤوسهم، ومنهم الشاب ذاته. فأشار السائق بإصبعه إلى الوراء أنْ أخرجوا بطاقاتكم الشخصية للتفتيش.
توقفت الحافلة أمام الحاجز، فأخذ رجل الأمن البطاقات مع تفقد العدد، وكأنهم أمام حاجز في فلسطين، أو أشد صرامة.
نبحَ رجل الأمن باسم الشاب بعد أن مدّ رأسه داخل الحافلة، أين فلان..؟
أجابه الشاب .. أنا .
ابتسمَ وأضاف: ( تعا يا عين أمكَ .. نزيل يا حبيب .. والله لخلي الشياطين الزرق ما تعرف طريقك ...).
صفعة .. وتلتها ركلة مع سقوط ثلاثة أسنان إثرَ ضربة قاسية بكعب البندقية على وجه الشاب..!
وأمرَ بعدها الحافلة بمتابعة المسير...
/
" كل شيء ممكن في وطني " ............. قالها حجرٌ على جانب الطريق.
/
ــ ( شو دخلني أنا .. شو سويت يا سيدي ؟!)
نطقها الشاب وهو ينزفُ تاريخاً من الألم ...
ــ ( إنتَ ما ساويت شي .. بس مكتوب هون تاريخ ولادتك ريف الشام .. المنطقة كذا، وكذا. إنتو كِـلْـكِـن إرهابيــه وخونه ).
صمتَ الشاب بعد أن طأطأ رأسه كالمعتاد في وطنهِ وأجاب بهلعٍ يرفقه حذر وتوجس: ( إسأل الله .. شو ذنبي أنا إذا ولدت بالمكان الفلاني؟!.. وبعدين أصابعك كلها مو متل بعض ).
ثوانٍ من إجابة الشاب حتى قفزَ معتوهٌ آخر من وراء الرجل وصفعَ الشاب صفعة أردته على الأرض قائلاً له: ( عم تسب الله وإنتَ أخونجي تكفيري )...
نهضتْ عوالمٌ من الأسى والضياع مع نهوض الشاب أمام الشجاعين!!!!!!!!!!!!!، صارخاً، باكياً ( نحن أولاد وطن واحد، ليش عم تعملو هيك فينا!، روحوا حرروا حالكن من الحقد والطائفية وبعدين تعالوا مشان نحرر معكن الجولان إذا ضل جولان يعني ).
.........................
.........................................................
صوت معدني طنّ في إذن المشهد .. حركتان لتذخير البندقية.. ومن ثم .....................؟؟؟!.
.
.
قرد ... صف ع اليسار ...
جثة حمراء.. مرمية على يسار شارعٍ مظلم خارج المدينة ...
.
.
ــ مين قتلوا يا حبيب ؟
ــ الإرهابية سيادة المساعد ...
ــ برافو عليك .. روح نشرب متـّة ونسمع كم غنيّــة
بحضي زعجني هالحيوان.
.
.
ــ صحيح .. سيدي، علبة المتة ارتفعَ سعرها ..
ــ ليش يا ........
ــ مو ارتفع الدولار.................. سيدي !.

/ خاص ألف /











تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الضحك على الله

16-أيلول-2017

سحبان السواح

الظاهرة ليست بالجديدة، ولكنها تفشت في السنوات العشرالأخيرة وهي ظاهرة الحجاب، وتدخل الأهل لفرضه على بناتهن، وزوجاتهن، وأخواتهن، وكل من له معهن صلة قربى. والظاهرة يمكن أن نسميها العارية المحجبة. وقبل...
المزيد من هذا الكاتب

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

على غير العادة

16-أيلول-2017

إن لم تأت

02-أيلول-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

أن تكون سوريّا

09-أيلول-2017

قول في الفيلسوف

02-أيلول-2017

نصف مليون مريض نفسي فقط في سورية

26-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow