Alef Logo
مقالات ألف
              

الشاه الصغير

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-05-14

من لم يعش تلك اللحظة النادرة المسماة بالثورة الإيرانية التي قادها "الخميني"والتي غيّرت مصير العالم الإسلامي لعدة عقود قادمة, فلن يعرف مقدار الفرحة التي عاشها جيلنا لمعايشة ثورة على طاغية يشبه تاريخه الشخصي ممزوجا بتاريخ أبيه تاريخ الرجل الذي قفز إلى الحكم في سورية ممزوجا بتاريخ ابنه, فأورثه سورية ــ من يصدق ـــ في غفلة عن الوعي الشعبي, وسيلاحظ أن الشبه كان مثيرا للدهشة, حتى ليتساءل المرء إن كان كاتب السيناريو واحداً, أم أن الظرف الموضوعي الذي أنتجهما, والتاريخ المملوكي المعشش في ثنايا الذاكرة التاريخية لكليهما قد وصل بهما إلى المصير نفسه والقدر نفسه, وجعل كلاً من الوارثين يعتقد أنه الشرعي لاينازع في شرعيته, أفلم يرث مملكة لاينازعه فيها أوعليها منازع, يتشابه القدران حتى لتعتقد أنّ لاعبا ليس شديد البراعة هو من صنع هذه الأقدار, فهي أشبه بنسخ الكربون, فالأب...لكلا الرجلين ضابط مغامر يقفز إلى الحكم"وهذاتقليد مملوكي" ويستطيع عبر حدس تآمري عال أن يحكم ربط الخيوط التي تضمن اختفاء الخصوم من ساحة المنازعة, ويربط الأصدقاء بشبكة مصالح تجعلهم يستميتون في الدفاع عنه, دفاعا يختلط فيه الدفاع عن مصالح النصير الشخصية بالدفاع عن القائد, بارتباط إقليمي صغيرما, بطائفية ما, بقبلية ما, بالعلاقة التي ربما كان فيها شيءمن كاريزما شخصية.
ولكن ما هي خطوات هذا السيناريو؟ أولاً يقوم اللاعب , بإنشاء حزب سياسي " البعث" في الحالة السورية و...حزب البعث المعاصر لاعلاقة له بحزب البعث الذي أنشأه ميشيل عفلق وصلاح البيطار, فقد اعتقل حافظ الأسد معظم البعثيين السابقين لحكمه, والرافضين لانقلاب الرؤى في ايديولوجيا الحزب المحسوب على اليسار كما كانوا يطلقون عليه, وكان البعثيون السابقون قد سربوا خططهم لخفض الرواتب والأجور في سورية, فأثاروا خوف وغضب الكثيرين, وكانت حجة النظام ما قبل الأسد أن الميزانية التي أنهكتها الإنقلابات الداخلية والحرب الخاسرة التي خاضها الحزب ضد اسرائيل وكان من نتائجها ضياع الجولان لم تعد تحتمل مثل هذه الكمية من الإنفاق.
الضابط الانقلابي المغامر لم يخفض الرواتب والأجور كما كان السابقون قد أعلنوا, بل قام برشوة بعض شرائح المجتمع حين خفض أسعار السكائروالعرق, ولكنه بعد سنوات قليلة فقط سيجعلهم يخرجون الإبرة التي رشاهم بها مسلّة ضخمة ستمزق مخارج السوريين جميعا, وسيدخل السوريون مرحلة الإنفاق السري ودون علمهم على بناء دولة المخابرات بنفقاتها الهائلة التي لن تكون ميزانية الدولة كافية لتمويلها, فكان لابد من الاعتمادعلى المساعدات الخارجية عربية وأجنبية, وهذا ما سيبدأ رحلة التضخم المريعة والتي سترفع سعر الدولارمقابل الليرة السورية من ــ375ـ ق .س للدولارإلى اثنتي عشرة ليرة, ثم إلى عشرين, ثم خمسين ليرة, وسيقود هذا الإرتفاع الاقتصاد الذي أضعفته السياسة المغرقة بالبيروقراطية وتدخلّ الأمن في كل صغيرة وكبيرة إلى التضخم المريع, فالرواتب ماتزال رقميا على حالها, ولكن قوتها الشرائية ستكون قد انهارت ,وعندئذ تبدأ الخطوة التالية...تبدأ رحلة العطايا السلطانية, أي زيادة الرواتب بنسبة تتراوح بين عشرة بالمئة, وعشرين, وثلاثين, ولكن التضخم المفتعل سيكون قد ابتلع ثروات وأجورالسوريين, وأحالهم إلى فقراءلا رجاء لهم إلا عطايا القائد الملهم, وستكون نتيجة هذه الإجراءات كلها تدمير الطبقة الوسطى وتجويعهاــ بالمعنى الحرفي للكلمةــ أما على الجانب الفارسي, فسينشئ الشاه الملهم العام ـ 1975ـ ولنقارن بين الزمنين , فالسوري فعلها العام "1970"ــ أما الفارسي فسيفعلها العام ــ1975ـ وسينشئ حزبا جديدا يختصر فيه الحركة السياسية الإيرانية, وسيجعل الإنتماء إليهاِ شرطا للعمل لدى الدولة مالكة كل مقاديرالمجتمع, وسيجعل اسم هذا الحزب "راستاخيز" والغريب أن كلمة راستاخيز الفارسية تعني بالضبط كلمة "البعث" العربية. أكان هذا التوافق الزمني في إنشاء الحزبين والتوافق في البرنامج السياسي صدفة, أم أنّ السيناريست كان ساذجا أو مستهترا باللاعبين بحيث لم يهتم بالتجديد في ابتكاراته, ويجمع الحزبان الولاءات من حولهما, ويستطيع قائدا الحزبين بهذا الحزب السيطرة على الحركة السياسية للبلد, ليس هذا فحسب, بل سيستطيعان تحويل الحزب إلى أداة أمنية أخرى يستطيعان عبرها إحسان التحكم بمصائر البلدين, ونعود إلى إيران ذلك البلد الثري بالنفط, وبالرجال المهرة, وبالثروات الزراعية, والسمكية, والآثار الأرضية, والدينية, وبالتاريخ الإمبراطوري .
ولنعدإلى قراءة التاريخ, ففي بدايات القرن العشرين كان هنالك ضابط ايراني شاب هو رضا بهلوي, وهو أبو بطل روايتناالشاه الصغير, و كان الأب ضابطا في لواء القوزاق في زمن حكم المملكة القاجارية, ولكن الضابط الشاب سئم من عجز الملك, وهوان إيران الدولي, وهي من يحفل تاريخها بأمجاد الإمبراطورية الأولى في العالم مرات, والإمبراطورية الثانية ــ فالأولى لروما أو بيزنطة ــ مرات, ولكنها الآن دولة فقيرة متخلفة, وثمانون بالمئة من سكانها فلاحون فقراء أميون, وهم الآريون الذين يشاركون الألمان في العرق!, الألمان الذين يكادون يتسيّدون العالم علما وفكرا, وانتصارات لولم يخذلهم القدرفي الحرب الأخيرة, ولكنها كبوة وسيقومون منها!, وكان يرى مصطفى كمال الذي سيعرف فيما بعد باسم أتا تورك"أبو الأتراك", وقد انتصر أخيرا على الغرب, ووحّد البلاد, وقطع علاقاته مع التاريخ العثماني من تكايا وخلافة وطرق صوفية, واعتكاف في المساجدإلخ, وهاهو يقيم اليوم دولة عصرية ربما استطاعت عبور مأزق وعبء التاريخ, والدخول في العصر. رضا بهلوي هذا تنقل في المناصب بين وزير للدفاع, ورئيس للوزراء, وفي العام 1925سيقوم بخلع الشاه القاجاري في انقلاب عسكري, ثم يجبر البرلمان على انتخابه شاهاً جديداً.هل يذكرنا هذا بانقلاب السوري على قادته السابقين العام 1970.
كان الشاه الجديد يعاني من كل العيوب التي سيعاني منها الإصلاحيون العسكريون في الشرق الإسلامي إذ كانوا يرون في الدين الإسلامي العائق الأول أمام إنجاز إصلاحاتهم التي ستحمل شرقهم المتخلف إلى ماحمل "الميكادوبلاده اليابان"وهي التحدي التاريخي لكل الشرق في نهضتها, فكان أول ما قام به الشاه تحجيم دوررجال الدين "الملالي الشيعة "ناسيا شيئا شديد الأهمية, وهو أن رجال الدين السنة في تركياالذين أطاح بهم أتا تورك ـ كانوا دائما ضعفاء ـ, وكل قوة حصلوا عليها يوما ما كانت إلا عطية من السلطان الزمني, وكان ما يفتخرون به دائما المقولة الشهيرة" لاكهنوت في الإسلام " هذه المفخرة نفسها كانت نقطة ضعفهم, فحيث لاتوجد مؤسسة دينية تحمي رجال الدين وتغنيهم عن مدّ اليد إلى السلطان يرجون عطاياه, فليس أمام رجال الدين إلا أن يضربوا بسيف السلطان الذي يطعمهم خبزه! لذلك حين أقدم أتا تورك على تحجيم رجال الدين السنة لم يكن أمامهم ما يحاربون به وله, فنجح اتا تورك.
رضا, الشاه الجديد الذي حاول أن يبشر بالعلمانية فوجئ بالملالي"رجال الدين الشيعة" وهم المستغنون تماما عن خبز السلطا ن بالزكاة الكبيرة التي كانت تقدّم لهم من الطائفة فرضاً دينياً, فوجئ بهم وهم يقفون في وجهه بعنف, فلم يستطع أن يكررتجربة أتا تورك, ولكنه استطاع تغيير اسم البلد من فارس وهوالإسم التاريخي للبلاد إلى إيران أي بلاد الآريين تيمنا بألمانيا الآرية, وككل البلاد التي عانت إما من الاحتلال الغربي المباشرأو من التدخل الفظ للغرب في شؤونه, فانحاز رضا بهلوي إلى ألمانيا, وضمّ الأقاليم التي كانت تحت حكم فارس, مع إدارة ذاتية خاصة بها, عربستان ولورستان وبلوشستان, فضمها إلى الدولة الجديدة إيران, وهاهنا يبدأختلاف أقدار الرجلين, فالسوري خسر الجولان للعدو, والإيراني أضاف أقاليم جديدة للبلد, وكان إعلان الجنرال السوري الوقوف في وجه العدو لتحرير فلسطين المبررالوحيد لرضوخ الشعب وتنازله عن حقوقه الديموقراطية التي تركتها له فرنسا قبل رحيلها.
غضب الحلفاء لانحياز الشاه إلى ألمانيا, فهاجمته بريطانيا وروسيا العام 1941 وخلعتاه عن العرش, ثم أرسلتاه منفيا إلى جنوب أفريقيا وهي مستعمرة بريطانية أخرى,...وعيّنوا "الوريث"الإبن محمد رضا شاهاَ تحت الحماية البريطانية.
كان محمد رضا بهلوي ابن العز, فلم يحتج إلى استنفار كل قوة له من مكر ودهاء وخطط خارجية وداخلية, وتحالفات مع قوى إقليمية وعالمية لتثبيت حكمه كما فعل أبوه من قبل, فالشاه الجديد وليد القصور والمتقلب في الترف مؤمن بأن كل ما يرفل فيه ما هو إلا حق شرعي لاينازع, وهكذا لم يبذل جهدا حقيقيا للدفاع السياسي عن عرشه بمصالحة الطبقة الوسطى.
كانت إيران واحدة من الدول الشديدة الأهمية في إنتاج النفط, وكان العالم بعد زوال كابوس الحرب الكونية الثانية, ونجاح أميركا في امتلاك الذرة, وفي تسيّد العالم حين منعت هزيمة العالم الحر, فمالت إلى مكافأة نفسها وهي من كانت تعيش التقشف البيوريتاني منذ نشأتها, فانفلتت لديها متعة الإستهلاك غير المسبوق, وكان الاقتصاد الحربي قد تحول ثانية إلى الاقتصاد المدني فليس من عدو لأميريكا تخاف أو تستعد لحربه, فانتعشت صناعة السيارات بشكل غير مسبوق, وأخذت الدول الغربية الخارجة من فاقة وعوز الحرب في تقليد أميريكا في الإمعان في الاستهلاك, وكان لابد لهذا الجوع إلى السيارات من ثمن, وكان هذا الثمن هو العوز الهائل إلى النفط, فانتعش سوق النفط, وتراكمت الأموال لدى الشاه الإيراني ولي النعم.
كان الشاه الابن قد أصبح بعبع الشرق الأوسط بمخابراته التي كانت تجعل النوم صعبا على حكام دول الطوق المحيط بإسرائيل حليفته الأولى, وعلى حكام الخليج الذين كانوا يرون جشعه الإقليمي إلى كل دولة فيها حسينية ومئة شيعي" حجة التدخل منذ اسماعيل الصفوي"فجيشه ربما كان أقوى جيوش الشرق الأوسط وهو الحليف الأول,و هو سيد" السافاك" رعب كل إيراني موجود في آخر الدنيا أو في إيران نفسها, ورعب رجل الشارع الخليجي في عاصمة بلاده.
الطوق الإيراني الإسرائيلي, والسافاك كانا سلاح إرهاب الشاه لدول المحيط, ولكن المثل الذي يقول:ترقب السقوط حين تعتقد أن مشروعك قد اكتمل, وهذا ماكان, فلقد اتخذ الخطوة التي كان الملالي ينتظرونها, فلقد غيّر التاريخ الإسلامي الهجري إلى التاريخ الفارسي ما قبل الإسلام, فصارت سنة 1395هجري فجأة سنة2535الملكية, ثم قرر الاحتفال بالعيد ال 2550 ملكي لإنشاء مدينة برسي بوليس عاصمة فارس القديمة, وكان احتفالا أسطوريا لابد أن يذكرنا باحتفالات اسماعيل باشا خديوي مصر بافتتاح قناة السويس, وهو الإحتفال الذي سيكون السبب لسقوط الخديوي ونفيه إلى أوربة, ثم إفلاس مصروضياع استقلالها حين لم تعد تستطيع وفاء ديون حفل الخديوي الأسطوري.
التاريخ الصارم لم يرحم الشاه المتكبر, حليف إسرائيل, وصديق بريطانيا وأميركا اللذين أعاداه إلى الحكم بعد انقلاب "مصدق" الوطني المدافع عن حق المواطن العادي في جزء من ثروات وطنه, فتدخلت القوات ا لمتحالفة في طهران, وطردت محمد مصدق, وأعادت الشاه إلى عرش الطاووس, وفجأة يأتي القدر من حيث لا تخمن, فقد كان هناك "ملا"اسمه الخميني قد اختار له منفى في باريس حيث أخذ يعدّ في صمت لثورة القرن التي ماكان أحد يؤمن أن تقوم, ولكنها قامت ونجحت, وهرب الشاه من إيران باحثا عن ملجأ ولاملجأ, وأخيرا وجد الملجأ في مصر السادات حيث عاش بضعة أشهر قبل أن يموت, ولم يحصل على جواب سؤاله المرير: كيف حصل كل هذا.
هناك دائما نوعان من الرجال في الصف الأول من الحكم ,المغامر, والدكنجي, أما المغامر فيمكن له كسب كل شيء مثل ماو تسي تونغ, أو خسارة كل شيء مثل صدام حسين, وأما الدكنجي الحيسوب "الخلد ماتحت الأرض"فهذا لايربح الكثير ولكنه لايخسر, ولدينا من الحكام من هذا النوع الكثير أيضا, والشاميون عموما هم من الدكنجية أي ممن لايغامرون فيربحون, ولكنهم لايخسرون, ومنهم ياسر عرفات و حافظ الأسد الذي مات دون محاسبة في سريره, واستطاع أن يورث المزرعة !! إلى ابنه.
التشابه الأخيربين الضابطين المغامرين رضا بهلوي, وحافظ الأسد كان في استطاعتهما توريث ابنيهما مملكة لم يتعب أي من الوارثين في بنائها, فأما الفارسي الابن فأضاعها في سفه الترف, وأما الثاني, الطاغية غير الفارسي فقد ثار عليه المسلمون المستضعفون كما فعل الخمينيون من قبل, ولكن ثورة الملالي التي فرحنا لنجاحها, وظننا أنها الأمل حتى لكأنها ثورتنا الخاصة, هاهي تدور مئة وثمانين درجة لتصبح عدوة لثورة المستضعفين, وعدوة لثورتها ضد المستكبرين كما أعلنت دائما, وهاهي تنقلب على ثورة الخميني لتصطف إلى جانب الطاغوت, وضد المستضعفين الذين أعلنت أنها ما قامت بالثورة إلا لنصرتهم وتحطيم الطواغيت.



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow