Alef Logo
دراسات
              

في الوعي .. والاستمناء الفكري

معاذ حسن

خاص ألف

2013-05-01

هل لدى الطبيعة شيءٌ ما تقوله لنا عن أنفسنا؟ .. ثمّ ما معنى أن نعرف نفسنا بنفسنا، ولماذا أخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ ؟!!
إن الافتراض بأن الإنسان كائن عاقل، لا يعني بطبيعة الحال، أن الناس علماء.. يقضون ليلهم ونهارهم في مختبر وسط حوامل أنابيب الاختبار ودوارق ترشيح المواد الكيمائية، أو منهمكون في الندوات الفكرية والأدبية. لكن الإنسان في الصورة العامة هو حامل للأفكار، أو لثقافة ما تمّ إنتاجها عبر أفراد مميزين، أو نتاج الصيرورة التاريخية لبيئته التي أخذت شكلاً وهويةً في زمنه المحايث.
لكن كلمة الأفكار بحدّ ذاتها تحمل في طياتها لبساً كبيراً، فهي قد تكون أوهاماً أو أحلاماً أو حتى موروثاً بليداً متحجراً.
يعيش الإنسان وفقَ الكثير من الاحتمالات الظرفية، فهذا الصحيح، والمناسب والمتوافر، وهذه الحالات الظرفية المؤقتة هي بالضرورة تشكّل دافعاً أساسياً في تبنيه للأفكار أو حتى في إنتاجه.
فالإنسان نسيج ذاته في نهاية المطاف...
حتى أن إشكالية الذات والموضوع، تبقى أهم عقبات التفكير العلمي ما بين الموضوع وشكل الذات التي تتناوله. فقديماً قال سقراط:
ــ بأن الحقيقة في الوسط .. ونحن دوماً من حولها. بمعنى أن مواقعنا واختلاف إدراكاتنا ستمنعنا دوماً عن الاتفاق على شكل هذه الحقيقة. تولد مع الإنسان ميول مختلفة تلعب دوراً بانصباب اهتماماته وتوجيهها في خياراته ضمن الحياة والموقع الذي اتخذه لنفسه داخل هذا العالم. وتأتي طبيعة التفكير التي تأخذ بطريقة ( إما .. أو )، في أولى خيارات البشر في التفكير؛ عدا أن هذا السعي الدائم نحو المطلق واختزال المفاهيم يأتي في جوهر الطباع البشرية.
إن كل ما نقوله أو نفعله، أو نفكّر فيه، ليس نتاج عمليات البناء الفردية الخاصة بنا فحسب، بل هي أيضاً نتاج تفاعلنا مع الآخرين ... طالما ما من أحد يعيش منفرداً في هذا العالم. وينزع الناس الآخرون إلى التأثير في بناءاتنا بأربع طرق أساسية هي: قد يغيرون طريقة رؤيتنا للواقع الطبيعي ( الفيزيائي )، ويدخلون واقعنا كموضوعات في مجالنا الفينومينولوجي، ويملكون هم أنفسهم مجالاتٍ فينومينولجية خاصة بهم يجب علينا أخذها بالاعتبار لدى تفاعلاتنا معهم، وأخيراً، لديهم بناءاتهم الخاصة نحونا. وباختصار، إن الفكرة الكلية لبناء الواقع، تغدو أكثر تعقيداً عندما نضع في الاعتبار إمكانية وجود أكثر من نظام بنائي واحد. فعبارة مثل ( أعتقد أنني أعرف ما كنت تفكر فيه، بصدد ما كنتُ أفكر فيه أنا)، ليست عبارة مضحكة أو سخيفة كما يبدو لدى سماعها لأول مرة. لكنها نتاج الطريقة الأولى في تفاعلنا مع الآخرين، والتي تكون بمثابة المقاربة أو الاعتياد على طريقة قراءة الآخر للأمور.
توجد رؤية معينة للعالم، تقول بأن كل ما هو مجهول في هذا العالم سوف يصبح ذات يومٍ منكشفاً ومعلوماً، فاللامعقول، إذن.. هو ما يتصوّر على أنه نقطة مقاربة مجردة وعارية من كل طبيعة حقيقية. وما هو حقيقي، هو المعقول، أي ما يخضع لقابلية إعادة الإنتاج، وللتجريب والفهم العلمي.
إن ممارستنا للعلم تعرفنا على قيمة طرح الأسئلة الدائمة، ووضع أجوبتنا الخاصة موضع تساؤل دائم. وإن بوسعنا الانتقاء بين مراسمة العلم كرأس مال، وبين طرح الأسئلة المستمر من أجل الإدراك. وإن نتقدّم في العالم كما لو أننا نسير على هذا ( الموس ) رافضين كل نظرية نهائية، وكل بناء طوباوي، وكل منظومة، تنفي غيرها ومنغلقة في التفكير. وأن ( نصبح نحن أنفسنا سؤالاً )، ونحن نشعر بهذا الشكل أننا مرتبطون بذواتنا أو بالآخرين. فهذه ممارسة محفوفة بالمخاطر الجسام، إلا أنها تفتح بابَ فسحةِ حرية وتسامح. معقول ولا معقول، مادة ووعي، مادة وروح، غائية ولا غائية، نظام وفوضى، صدفة وضرورة، إلخ ...
هذه الكلمات أكل عليها الدهر وشرب، باهتة، ومنتقصة القيمة، مؤسسة على رؤية كلاسيكية للواقع وغير متوافقة مع الوقائع. وتثير مزدوجاتها المكونة من نقيضين محاكاة لا نهاية لها، وانفلات انفعالات عنيفة. وقد يكون الأجدى اختراع كلمات جديدة كل الجدّة ومفاهيم جديدة كل الجدّة، كي نستطيع الاقتراب من ثراء حقيقة، هي، في آنٍ واحد، أكثر تعقيداً وأكثر توافقاً مع الرؤية الكلاسيكية.
إلا أن اختراق مفاهيم جديدة، يقود دائماً إلى طريق مزروع بالفخاخ، وإن أسوأ التشويهات، وأسوأ الاستعادات، يمكن أن تبرز في هذا السبيل. والطريقة الوحيدة لتلافي هذه التشويهات والاستعارات، هي على ما يبدو، بحثاً يعتمد على الطابع التداخلي لمختلف العلوم والمذاهب، ويتصّف بالصبر والنفس الطويل، ومنفتح على أفضل الكفاءات، ومؤسّس على الدقة العلمية. فإن ولادة العقلانية الجديدة ستكون، حتماً، عسيرة.

كل ما أوردت ذكره أعلاه، هو إشكالية في مجال العلم وأخصائيه، فكيف يكون الوضع لدى الناس العاديين، أو المتلقي المراهق فكرياً؟!.
وعند كل هذا، أقصد التوكيد على تفاوت الإدراك واختلاف المستويات الذهنية والفكرية لدى البشر. إن هذا الوعي الإنساني، هذا الوعي المتعقّل، المتفرّد، حيث نستطيع أن ننظر إلى أنفسنا بأنفسنا، وأن نكوّن مفهوماً عن أنفسنا وعن مستقبلنا، وعن وجودنا، وعن موتنا حتى، وقد يكون هو خطيئتنا الأولى، رافقتنا منذ بداية وجود البشرية. وهي شرّنا، وعظمتنا أيضاً.
وجدَ المخ، والفكر، والحياة النفسية التي أستطيع أن أقول إنها وجود وواقع؛ وما يترتب على اجتماعنا من عمل هو أن علينا تحقيق الوحدة، بين حقيقة الوعي الإنساني هذه، والحقيقية الفيزيائية؛ قد تمّ تجاوز الحواجز الخمس، بفضل فكرنا التجريدي. نستطيع القول، أن الأفكار المجردة، كفكرة العدالة مثلاً، تمتلك قوة خارقة، حيث أنها قد انبنت في معظم الأحيان، انطلاقاً من فكرة العدالة هذه، الثورات، وعلم الاجتماع. فالعقل الإنساني والحالة هذه، كانا قادرين على خلق كيان جديد، كيان بفضله استطاع الإنسان أن يدرك العالم.
إذ كان حتى ذلك الحين يدركه بحواسه الخمس، وهذا ما أوضحه بشكلٍ ممتاز ( بازاراب نيكوليسكو). لكن الثورة التي نشاهدها الآن، تتمثل في كوننا تجاوزنا، بفضل عقلنا التجريدي، الآن، حواسنا الخمس.
لكن يبقى مفهوم الشخص يكوّن وجهاً يظل مفيداً، ويشكّل، بصورة عامة، موضوع الندوات الثقافية. والواقع أننا، من الناحية الاجتماعية، نكاد لا نوجد باعتبارنا ( شخصاً). فنحن دائماً داخل كائن اجتماعي، بين ذوات متداخلة. وداخل المنظومات المؤسساتية أيضاً. ولكن في طبيعة الحال لا توجد حدود. حيث يجب التمييز بين الكائن، الكائن الذي يتمتّع بالحياة، وبين الشخص. فالأمران مختلفان، لأن شخصاً إنسانياً يكون وحيداً من وجهتي نظر. فهو وحيد على المستوى البيولوجي. وكل الناس يعرفون أنه يوجد تعدد أشكال كبير، لدرجة لم تعهد من قبل. وأنه لن يوجد أبداً كائنان متماثلان على وجه الأرض ( حتى لو كانا توأمين، ذلك لأنه يحصل بينهما في وقتٍ لاحق تعديلات تحدث في مولّد الجينات بعد الولادة).
من جهةٍ أخرى، كل إنسان وحيد أيضاً على المستوى الثقافي، لأنه انعكاس للتفاعل بين مولّد الجينات الخاصة به وبين البيئة.

فالشخص الإنساني هو، والحالة هذه، وحيد، وهذا ما يتوجّب علينا احترامه احتراماً مُطلقاً؛ ففي أي حين نستطيع التحدّث عن شخص ؟!
إنها مسألة أسابيع، أيام، نستطيع مناقشتها. ويقول الكثير من الناس أن الشخص الإنساني يبدأ في اليوم الذي يُـلقح في البويضة حيوانٌ منوي.
ويقول آخرون: لا ... لا توجد حساسية قبل مرور أسابيع كثيرة.
إن مولّد الجينات الإنساني لا يكون ( سويّـاً ) أبداً . من جهة أخرى، نعرف تماماً أنّ مورّثاً جينيّاً غير صالح كلي وليس سيئاً كليّاً . وسوف يغدو في لحظة محدّدة مفيداً، وفي لحظةٍ أخرى، ومحيط آخر، سوف يغدو سيئاً إلى أقصى الدرجات. وهنا أيضاً لا يوجد تعريفاً للحالة السوية، حتى على المستوى الوراثي. وتطرح المسألة نفسها، على المستوى الاجتماعي.
يجب ألا يتّخذ المرء مواقفَ قطعية، وإلا سوف نتوصل إلى درجة معيّنة من مبحث النسالة، " قال عنها عالمٌ حائز على جائزة نوبل : ( بأنه يفوح منها عفن غرفة الاختناق بشدة ).
وعند العودة إلى أنماط التفكير وآلية استقبال الأفكار بين الناس، أودّ هنا أن أذكر آلية ــ العزو ــ في آليات التفكير، والتي غالباً ما ترتكز على البناء النفسي للإنسان.
وسأطرح مثالاً عن ذلك: " عندما تدخل منزل أحد أصدقائك، ينهض شخص غريب ويغادر المنزل فوراً. وفي اليوم التالي، يقوم الشخص نفسه بمغادرة حفل لمجرد دخولك هذا الحفل مباشرةً، وبعد يومين تصادف أصدقاء لك في الشارع، ولدى اقترابكَ منهم يقوم ذات الشخص بالمغادرة على نحو مفاجئ. ولنفترض أن هذا الشخص قد انهمكَ في سلوكٍ من هذا النوع ضمن أوضاع أخرى عديدة".

قد يأتي شخص ما ويعزو سلوكه الغريب إلى العجرفة، المحتمل هنا أن يستجيب على نحو سلبي، الأمر الذي قد يؤدي إلى مجابهة حامية بينهما. وقد يأتي شخصٌ آخر يعزو هذا السلوك ذاته إلى الخجل أو مشاعر الدونية، فمن المحتمل هنا أن يستجيب على نحو تعاطفي، مما قد يؤدي إلى مجابهة ودّية بينهما.
وهنا ليس المهم أيهما على حق، ولكن ما هي أسباب ودوافع هذين الشخصين في عزو هذا الغريب لهذه الحالة أو تلك؟!
ما بين أن العالم، هو انعكاسٌ لهذا الوعي البشري، أو ما بين أن هذا الوعي هو انعكاسٌ لصورة العالم المادية؛ أو أنّ الأفكار هي سباقة دائماً على الواقع، أو أنّ الواقع هو منبع هذه الأفكار.
يبقى هذا الوعي الإنساني في الوجهة العامة هو شرنا وعظمتنا في آنٍ واحد.


هوامش:
ــ علم النفس الضمن / دانيال وجنر / روبين فالتشر
الصورة ل daniel wegner
/ خاص ألف /

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

20-حزيران-2015

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

09-أيار-2015

على حبل المهرج

03-تموز-2014

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow