Alef Logo
مقالات ألف
              

تيمور لنك الحي

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-04-27

ويقول تيمورلنك لابن خلدون أثناء حوارهما الطويل في برزه, وكان قد عرض عليه الرحلة معه إلى سمرقند لكتابة تاريخه, واعتذر الديبلوماسي العجوز بتقدمه في السن, وعجزه عن السفر, وهل أستطيع سفراً, ورحلات جديدة, وقد جاوزت السبعين؟ فتنهد الذئب العجوز, وقال, وكأنه يختصر خبرة الأيام, أو حزن الشيخوخة لسفًاح لم يحصل على السعادة أو الفرح بعد كل االدم الذي سفكه والمدن التي أحرقها: التاريخ.... التاريخ هو العدو الذي لن تستطيع قهره, فحين تدب فيه الحياة تكون قد أصبحت تحت التراب حيث لا رهبة لك, ولا رغبة فيك .!!
بهذه الجملة القصيرة اختصر واحد من جبابرة الأرض تاريخ رحلته الطويلة التي امتدت لأكثر من سبعين سنة منذ مدينة "كش" التي ولد فيها في سمرقند العام "1336م" والتي ولد فيها لعائلة خاملة الذكر, فاضطره الفقر للعمل لصاً, ودفع ثمن لصوصيته إصابته بسهم أطلقه عليه حارس قطيع الغنم الذي كان يسرق منه, فجعله أعرج لما تبقى له من العمر, ولذا حمًلًه أعداؤه اسم "اللنك" أي الأعرج بديلاً عن اسم" الكوركان" الذي كان يفضله والذي يعني الصهر, فقد كان قد أصهر حين فتح المدن إلى أسرة الامبراطور"جنكيز خان" بعد خمولها السياسي, وإن لم تفقد شرفها الجنكيزي, فتشرف بالانتساب إليها, أما التاريخ الذي كان يشكو منه لابن خلدون, فكان تاريخ تهرب المؤرخين من إنصافه رغم الإغراءات الكثيرة والتهديدات, وكان إصراره على الخروج من حفرة الفقر والخمول اللذين ولد فيهما قد دفعه إلى غزو المدن بعصاباته التي لم تلبث أن تحولت إلى جيوش غزا بها آسيا الاسلامية أو الوسطى ثم الهند, ثم انتقل إلى العالم الإسلامي في غرب آسيا فاتحاً ومدمراً من خوارزم إلى إيران, فالهند, فالعراق, فالأناضول, فالشام, ولم يتعطف بغزواته على الدول المسيحية إلا على جورجيا التي غزاها مدمراً, أما العالم الإسلامي فقد اختصه بزياراته المشؤومة, وهكذا تغلب على خجله من فقر عائلته وخمولها بنهب مدن العالم وإحراقها.
كان خوف تيمور من محاسبة التاريخ له, ورغبته في الإصطفاف مع جنكيز خان والاسكندر قد جعلاه يصطحب في ركابه كل عقول المدن المنكوبة التي دمرها وأحرقها, والحق أني لا أفهم غرامه بالحريق !! أكان حالة مرضية مما يهتم بها علماء النفس, أم كان تشفياً وانتقاماً من المدن التي طالما طردته وطاردته وتكبرت عليه؟ وعلى أية حال فتيمور كان قد خطط لإقامة مشروعه "الحضاري" كما كان يحب أن يشير إليه التاريخ بإنشاء عدد من المدن حول سمرقند سماها في ذهنه على أسماء المدن التي اشتهى تدميرها, فسمى مدينة باسم دمشق, وسيسكن فيها العلماء الذين سيحملهم من دمشق فيها, وسيسمي أخرى حلب, وسيسكن فيها العلماء الذين سيحملهم من حلب, وأخرى أصفهان, وبغداد, ومصر. وكان الحلم في أن يتحمس واحد من هؤلاء العلماء إلى كتابة ما يبيـِّـض تاريخه ويضعه في صف واحد مع جنكيز خان والاسكندر.
و... صدقت مخاوف تيمور من أن التاريخ هو العدو الذي لن تستطيع النيل منه, فهو عادة لايتحرك للعمل إلا بعد عجز الملوك والطغاة عن معاقبة من يتجرأ على مقامهم السامي, وكان انتقام التاريخ هذه المرة قد أتاه مع شاب صغير لم يكن أمامه أية فرصة للنبوغ في المدينة التي ولد فيها وهو المولود لأسرة فقيرة في مدينة طرفية أخملها الهجر والبعد عن طرق التجارة المثرية, وكان اسم هذه المدينة دمشق, وكان العصر عصر انحطاط المماليك, أولئك الناس الذين كانت انتخاباتهم للرئاسة تتم عبر مؤامرات القصور, أو الجرأة في قتل السلطان مواجهة, وكان في هذا نوع من انتقاء الأفضل, وفصد للدماء الشيخة, وللضعيف بين الملوك, ولكن السلطان الذي كان يخيف تيمور باستعداداته العسكرية والمخابراتية "برقوق" مات, وكان قد ظن أنه سيغلب القانون المملوكي في صراع الذئاب, وتمليك المنتصر بإدخال قانون الوراثة وتثبيت الملك في بيت برقوق, فكان من سوء الحظ أن مات برقوق, وجاء الوارث فرج ومايزال الطفل في الثالثة عشرة من عمره, وعليه أن ينازل الذئب الأعرج الذي قضى أكثر عمره يذل الملوك ويحرق المدن.
خدع تيمور الطفل المملوكي فرج, فتخلى الأخير عن دمشق, وهرب إلى مصر, تاركاً المدينة لمصيرها, وكان المصير المعتاد من.... حريق, ودمار, وقتل ذريع, واصطحاب تيمور للعقول والأيدي الماهرة معه إلى سمرقند ليعمروا الوطن الجديد "دمشق" الجديدة!.
كان من بين من حملوا قسراً من دمشق إلى سمرقند فتى في عمر السلطان الهارب إلى مصر, وكان فتى ممتلئاً بالأحلام الممكنة لطالب علم استفاد أهل حارته من حسن صوته, فاستأجروه مؤذناً لمسجد الحارة, وكان أكثر ما شده إلى هذه المهنة فرصة الخلوة النادرة في مدينة امتلأت بأناس بلا أحلام, وكان أشد ما يكرهه هؤلاء اللاحالمون الحالمين الذين يشعرونهم بضآلتهم وفقر حياتهم, فوجد البعد عنهم بالخلوة أعلى المئذنة, كان يحلم بأن يصبح عالماً كبيراً, ولكن ما العالم الكبير كما كان يراه. إنه في أن يضع تلخيصاً لتفسير القرآن, أو في أن يضع كتاباً فيه مختارات من الأحاديث النبوية, كالأربعين حديثاً النووية للإمام النووي, أوفي تأليف أرجوزة يجمع فيها علوم البلاغة..... وكانت الخيارات كثيرة, ومثيرة للأحلام عند فتى شاء سوء حظه أن يولد في الزمن المملوكي, وفي المدينة التي عزلتها الصحارى, وتدميرالمماليك للموانئ البحرية على المتوسط عن حركة العالم.
ووصل تيمور, الرجل الذي كان يحلو له أن يدعو نفسه: أنا.. لعنة الله التي أنزلها لتخليص الأرض من عفنها, وكان تخليصها من "العفن" بإحراقها! و"تخليصها" بقتل ناسها وحمل كل ما هو جيد فيها إلى سمرقند, وكان بين المحمولين أحمد بن محمد بن عبدالله ذلك الفتى الذي سيجد كنوز العلماء والعلم الإسلامي والعالمي كلها وقد جمعت في مكان واحد, في سمرقند, فعكف على النهل منها وما كان يحلم بجزء منها, هذا الفتى هو الذي سيصبح العالم, والمؤرخ, والمنتقم من تيمور, والذي كان تيمور يؤمن أنه من سيقوم من التراب بعد غياب تيمور عن الأرض ومن عليها. إنه "ابن عرب شاه" واضع كتاب "عجائب المقدور في أخبار تيمور" الكتاب الوحيد المعاصر لتيمور, والكتاب الوحيد الشاهد عن قرب على تيمور, والثمرة الأهم لتجميع العلم والعلماء في سمرقند.
كان على تيمور حتى ينتصر على خمول منبته أن ينتصر على علّمّين سبقاه إلى الدنيا فملآها فخراً: "تيموجين" الذي سيصبح امبراطور العالم والذي سيحمل اسم "جنكيز خان" أو سيد العالم وهو من مدً امبراطوريته من كوريا وحتى بولونيا, و.. الاسكندر الذي استطاع أن ينسي الشعوب والحكام الذين تلوه أنه من دمر ممالكهم وأخضع ملوكهم, وكانت المعجزة الحقيقية التي صنعها فترك بصمته على التاريخ هي أنه لم يعلن نفسه طاغية كسابقه "داريوس" بل قدَم نفسه ناشراً لفلسفة معلمه وعلم معلمه, ورسالة معلمه أرسطو "العقل". كان قد قدم إلى العالم القديم ومعه حلم مصالحة الشعوب من بعده, فلا غزوات, ولا عدوان, ولم يكتف بالنظري في دعوته, بل طلب من ضباطه وجنوده أن يتزوجوا ــ بعد انتصاره على داريوس ـ من بنات الفرس, فيوحدوا الشعبين والحضارتين, فتزوجوا, ثم قام بتعيين عدد من الضباط الفرس ضباطاً في جيشه راجياً أن ينسي المهزومين مرارة الهزيمة, ويقنعهم أن الأبناء القادمين لن يكونوا فرساً ولا مقدونيين, بل أبناء "العقل" الأرسطي, والامتزاج الحضاري, والغريب أن التاريخ الشرقي قد احتفظ بذكرى طيبة, وربما كانت الوحيدة في التاريخ, ذكرى أن يحتفظ المهزوم بالذكرى الطيبة للفاتح المنتصر, وقد حفلت كتب الأدب والتاريخ العربيين بصور رائعة عن الملك الحكيم, وقد وصل احترامه في التاريخ الإسلامي إلى حد اعتباره المعني في القرآن الكريم باسم ذي القرنين, النبي الذي سيطلبون منه أن يبني لهم سداً يحجز مابين البربرية "يأجوج ومأجوج" والحضارة, فبنى لهم السد, وأنقذ الحضارة من برابرة آسيا إلى أن انهدم السد, وخرجوا مع هولاكو الشاماني, وغازان وتيمور المسلمين اللذين لم يغير الإسلام من بربريتهما شيئاً, فعاشت أرض الحضارات أسوأ أيامها مع غزوات هذين المسلمين التي استمرت متقطعة لأكثر من قرن ختمت أخيراً بغزوة سليم العثماني.
مات تيمور ولم يجد مؤرخاً يغفر له جرائمه, ويضعه إلى جانب جنكيز خان والاسكندر, فالرجل لم يترك للعالم إلا ذكريات الحرائق والأبراج من جماجم, ملأ بها أسوار دمشق, وحلب, وبغداد, وأصفهان, ودلهي, وصحائف التاريخ التي لم تذكر عنه إلا تاريخ التفنن بالقتل, والتفنن بالحريق, والتفنن بتدمير المدن, والروايات الشريرة التي أطلقت قبل ما يقارب القرن في شماتة عن انتقامات تيمورية من ماض لم يرتكب فيه أهل الحاضر "حاضر الانتقام التيموري" ما يبررهذا الانتقام, والأنكى أنً أهل المعاصرة "اليوم" غير مسؤولين عن جريمة ارتكبت قبل أربعة عشر قرناً, وليس لديّ من مثال مشابه لما يجري اليوم من حماقة تدميرية للمدن والإنسان إلا حدث جرى في القرن العشرين "عام 1939" وكانت فيه سورية محتلة من فرنسة, فاحتل النازيون فرنسة, ونتج عن استسلام فرنسة بقيادة المارشال بيتان لألمانيا انقسام فرنسة إلى فرنستين, فرنسة فيشي البيتانية, وفرنسة الحرة بقيادة ديغول, كما نتج عن هذا الانقسام أيضاً انقسام الفرنسيين المحتلين لسورية إلى فرنسيين فيشيين موالين لبيتان, وفرنسيين أحرار موالين لديغول والحلفاء.
وأنتقل الآن إلى المقارنة, فلو افترضنا أن متحمساً بيتانياً أقدم على قتل ديغول في مدينة الرقة مثلاً - وهذا القتل جريمة ولا شك- ثم أقدم حاكم دمشق الفرنسي الديغولي حين استولى على دمشق على قصفها وتدميرها انتقاماً لمقتل أيقونتهم ديغول على أيدي مقاتل بيتاني انطلق من دمشق, فكيف يكون الرأي في هذا الانتقام من مدينة لاذنب لها إلا أنها كانت محتلة من قبل قاتل "الأيقونة", من مدينة كان أهلها في ذلك الحين يدينون بدين مغاير لدين القاتل, ويتكلمون بلغات مغايرة للغة القاتل, ومع ذلك يأتي أحمق من آخر الدنيا لم يستطع الانتقام من القاتل, فانتقم من البريء... أليس هذا ما يقوم به اليوم مقاتلو الباسيج ومن والاهم في سورية !!
خيري الذهبي
khairyalzahaby@hotmail.com

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow