Alef Logo
يوميات
              

وفي ذكرى الجلاءِ يُذْكَرُ يوسُف

طلال الميهني

خاص ألف

2013-04-16

قَالَها ذاكَ الأبُ الموجوعُ: "ليلى ابنتي الوحيدة، أتْرُكُها أمانةً في أعناقكم، أرجوكم لا تنسوها". قالها، وقد امتزجتْ حُرْقَةُ القلبِ في بريقِ العَزْمِ في عينيه. كان اسم ذاك الأب يوسف العظمة، أبو ليلى، وزير الحربية في الدولة السورية عام 1920. هذا ما يَسْرُدُه علينا ساطع الحصري وأحمد قدري، وغيرهم من رجالات العهد الفَيْصَلي، وهم يؤرخون للأيام الأخيرة للملكة السورية التي لم تعمر سوى شهورٍ قليلة. وقد لَخَّصَ هذه اللحظات العصيبة، وفي صورةٍ مُحْكَمَةٍ، الباحث العراقي الراحل علي الوردي في مُلْحَقِ كتابه الموسوعي "لمحاتٌ اجتماعيةٌ من تاريخ العراق الحديث".
- "أواثقٌ من قراركَ يا يوسف؟" سأل الملك فيصل.
- "نعم جلالتك". ردَّ يوسفُ بحزمٍ، وسلّم عليهم، وودّعهم، ثم هرع إلى ليلى ليحضنها، ويُقَبِّلَ جبينها، ويلتقط من ذات الأعوام الثلاثة ذاك النسيم، علّها تُخَفِّفُ عنه يقينه بأن هذا الوداع وداعٌ أخير، وبأنه إلى بيته، وأهله، وليلى لن يعود. وبألمٍ ابتعد يوسفُ عن ليلى، ويَمَّمَ وجهه صَوْبَ المعركة، ليستشهد في ميسلون، ويعيش في كلِّ قلبٍ سوريٍّ أصيل.
لا يخفى أن تلك المرحلة من التاريخ السوري قد شهدتْ خَلَلاً في وضع الدولة الناشئة، واضطراباً عميماً وفوضى، وتخبطاً في مواقف رجالات ذلك العهد من القوى الكبرى، ومعاهدة سايكس-بيكو، ومفهوم الوطنية السوية، والانتداب الفرنسي، وإنذار غورو، وغيرها من الأحداث التي كان لها أكبرُ الأثَرِ في رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة.
إلا أن يوسف العظمة قد أخذ موقعه الوَثِير في قلوب السوريين، لتغدو قِصَّتُه مأثرةً وملحمةً ميثولوجيةً، ومثالاً صارخاً على "ممارسة الفداء"، ونقطةَ علّامٍ تتجاوزُ تشويش المراحل، وقساوة التاريخ، لتجمع الاختلافات في حلمٍ أصيلٍ بمشروعٍ وطنيٍّ سوريٍّ. ما زالتِ اللحظةُ الأولى التي قرأتُ فيها عن يوسف العظمة ماثلةً قُبَالَتي، برهبتها، بهيبتها، وبعمق الكبرياء المُتَجَذِّرِ فيها، ليتحوَّل هذا الرجل، بِشُمُوخِهِ وشَمَمِهِ، إلى رمزٍ؛ رمزٍ للسيّد السوري المدافع عن سيادته وسيادة أرضه، رمزٍ اختلطتْ فيه كل الأشياء الجميلة، وآلتْ به، كلُّ الأشياءِ، إلى أشياءٍ جميلة. قد يقول البعض أن يوسف العظمة قد تخلّى عن واقعيّةِ القراءةِ السياسية المتأنية، وقد يقول آخرون بأنه قد تساهل مع حسابات العسكري المحترف. وقد يكون في ذلك شيءٌ من الصِّحة، بَيْدَ أنه لم يَرْتَهِن، في الوقت ذاته، إلى شعبويةٍ خطابيةٍ جوفاء، ولم "يُتاجر" بدماء الجنود والمُتَطَوِّعين الذي انطلقوا معه إلى ميسلون؛ بل على العكس فقد كان صادقاً مع نفسه قبل أن يَصْدُقَ مع الآخرين، بإصراره على تقدم الصفوف، حاملاً إيمانه بأن لا مَفَرَّ من مَوْتِ العاشقين، ليُمَثِّلَ حالةً فريدةً في التاريخ السوري الحديث، وتعبيراً صادقاً عن صُوفِيّةِ "الوطنية السورية" وهي تخطو خطواتها الأولى نحو التشكل والتجسيد.
في كلِّ جلاءٍ يُذْكَرُ يوسف، وتُذْكَرُ مع يوسف الأمانةُ التي تَرَكَها في عنقِ كلٍّ سوريٍّ: "ليلى" و"سوريا". لكن ماذا تُرانا فعلنا بالأمانة يا يوسف؟
أما ليلى بنت يوسف العظمة فقد توفيتْ، حسب إحسان الهندي، في تركيا في الخمسينيات بعد ان أنجبتْ ولداً هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وتتعارض رواية الهندي مع ما ورد في مقالٍ منشورٍ لموفق أبو طوق، نقل فيه عن الفنان ياسر العظمة (وهو قريبٌ للعائلة)، بأن ليلى قد توفيتْ في أواسط التسعينيات في تركيا وأنها لم تتزوج. ومن المعلوم أن الملك فيصل قد أجرى لها راتباً شهرياً استمر حتى وفاته عام 1933م. ويقال أن حكومات ما بعد الاستقلال قد جَدَّدَتْ لها مرتبها الشهري لينقطع قبيل الوحدة مع مصر. ونقلاً عن كوليت الخوري، فقد عَثَرَتْ بين أوراق فارس الخوري على رسالةٍ بعثت بها ليلى إلى الحكومة السورية لتنهئتها بعيد الجلاء الأول في عام 1946م. وقد تلا فارس الخوري هذه الرسالة في البرلمان السوري حينذاك ووقف الحاضرون تصفيقاً لها. وهنا تَصِلُ ليلى وقصتها إلى نهايتها، وتَسْكُتُ الألْسُنُ عن البَوْحِ الحزينِ.
ثم يأتي الحديث عن سوريا؛ عن الوطن الذي آمَنَ به يوسف، وضحّى بروحه من أجله، وتَرَكَهُ أمانةً بين أيدينا. هنا تختلطُ علينا المعاني، لتختنق في الحلْق غصّاتٌ وآهات، فلا نلفي في جعبتنا خَيْراً نُخْبِرُ به، أو بُشرى نُحَدِّثُ عنها، أو فَرَحاً نرسم به بسماتٍ نُوَزِّعُها. فنَسْتَنْطِقُ أنْفُسَنَا برهةً ونسألها، لنلوذَ بِصَمْتٍ اعتدْنا عليه، ونُطْرِقَ خَجَلاً من روح يوسف التي ترقبُ من بعيدٍ وتشتمنا، أو تلعننا. أو لعلّها تبكي علينا مع الثكالى والأيتام المكلومةِ، مع دموع الرجال التي فُجِعَتْ، وقطراتِ الدم التي سُفِكَتْ، مع كل صخرةٍ تَئِنُّ، وكل بيدرٍ محروق، ومع كلِّ ما بقي مُنْتَظِراً في طابور الجنون الأحمر.
في هذه الأيام الكالحاتْ، ألْهَجُ، في جوف الليل، بدعاءٍ ليوسف بالرحمة والغفران. ووسط هذا الانكسار الأليم، وفي خِضَمِّ بؤس اللحظة ومرارتها، يبرعمُ في قلوبنا أملٌ ما فتئ ينمو، أملٌ ما بَرِحَ يهْمِسُ ويُدَنْدِنُ، أملٌ ما زال حيّاً رُغْم الخرابِ والنعيب، يتراقص هنا وهناك، ويصرخ بنا بأننا، يوماً ما، سنتعلمُ من يوسف العظمة ... سنتعلم كيف كان يجب أن نكون ... إذ لم يستشهدْ يوسف كي نَمُوتَ نحن، بل كي نبني الحياةَ، ونَحْيَى، ويَحْيَى الوطن ...

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

25-كانون الأول-2013

نحن والغرب: صورتنا بين المرسوم والرسام

10-آب-2013

ملحمة البؤس السوريّ: استعراض فجّ ونفاق مبطِّن

29-حزيران-2013

وفي ذكرى الجلاءِ يُذْكَرُ يوسُف

16-نيسان-2013

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow