Alef Logo
مقالات ألف
              

المعنى المتحول للإسكندرية في الرواية

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-04-15

اقترب فن الرواية من مدينة الإسكندرية بعدة طرق. حتى أصبح لدينا صور مختلفة، بل قل متضاربة من هذه المدينة ، تناوبت على تفسير وقراءة جمالياتها بعدة أساليب: من تقنية مونولوج الأصوات في ( ميرامار ) لنجيب محفوظ، مرورا بتيار الشعور في رباعية لورنس داريل، وانتهاء بتحليل الشخصيات ومضمونها النفس اجتماعي في ( لا أحد ينام في الإسكندرية ) لإبراهيم عبد المجيد.
ولكنها اتفقت جميعا على نقطة واحدة : إعادة تركيب صورتها بالاستناد لوضعها الحالي وليس كشاهد حي على الحضارات الميتة. وأستثني من ذلك عملا يتيما، على الأرجح، وهو ( عزازيل ) ليوسف زيدان الذي خص الإسكندرية بالربع الأول منه. وهذا يعني أن المدينة لم تعد في نظر الروائيين أحفورة من الماضي، تحتاج لإعادة تعريف، كما هو شأن معظم الأعمال عن تدمر في سوريا القديمة. وربما هذا هو الفارق الأساسي في الروايات المكتوبة عن وادي النيل ومثيلاتها التي تناولت مشكلة بلاد الشام ووادي الرافدين.
فالبورجوازية العسكرية استلمت مقاليد السلطة في مصر، منذ فجر الخمسينات، وأعادت كتابة تاريخ هذا البلد بما يتناسب مع رؤيتها لعلاقة المحسوس بالمحسوس. وحسب طبيعتها المكيافيلية في تفسير الوقائع.
وفي مقدمة الأعمال التي رسمت صورة الإسكندرية، كما فسرتها لنا ثورة يوليو، أذكر رواية ( ذلك الصيف في إسكندرية ) لبرهان الخطيب ( 1). وفيها يتحدث عن قصص حب مكبوت ورحيل وفراق وذكريات مريرة، ولذلك يكون السؤال المهم الذي لا بد منه : لماذا هذه المدينة بالذات، ألا يمكن أن نحب وأن يفشل غرامنا في أية مدينة ساحلية أخرى؟.
يجيب برهان الخطيب على هذا السؤال في رسالة خاصة بقوله: من يضيق به العالم يتأمل البحر، ومن يضيق به الكون يتأمل نفسه. إلا أن الإسكندرية في روايتي ليست تعويضا لنكوص عاطفي ، ولكنها حافز لتخطي المثبطات. وروحها الخالدة، ولا سيما في فترة الستينات، لعبت دورا كبيرا في رفع معنويات الضعفاء، وتسويغ الواقع ليكون محتملا ( 2).
لقد اهتمت " إسكندرية" برهان الخطيب، بلا مواربة، بالتبدلات التي غيرت من طبيعة المجتمع وسيرورة التاريخ القريب والمنظور. لذلك أرى إنها تأملات في الذات. وكان المكان فيها عبارة عن فضاء، ناهيك أن تفاصيله أضاءت العالم النفسي لأبطال الرواية. فهو مكان من غير خلفيات حضارية ، حتى البحر لم يختلف كثيرا عن الصورة التي رسمها له حنا مينة في رواياته عن إسكندرونة.
ولنلاحظ التشابه في قانون الحضور والغياب بين المدينتين.. كيف أن الرقيب لعب دوره في اللاشعور، وبدأ من لحظة إعدام المدينة الأصلية، تحديدا منذ بدأت السلطات العثمانية ثم المصرية باستئصالها عن أصلها الهيليني، كما فعلت بسائر موانئ شرق المتوسط.
وللأسف لقد أدت الحرب العالمية الثانية، فيما أدت إليه، لخروج تلك المدن من مجال دورة الحضارة الخاصة بها، والدخول في طور تصعيد يعيد إنتاج الدورة التاريخية لمراحل سابقة على لحظة التأسيس، حينما كانت المدينة مجرد مكان ننتمي إليه، و بلا صفة و من غير نخبة عضوية ( و لنأخذ العبارة الأخيرة بمفهوم غرامشي عن المثقف العضوي ). بمعنى أنها فقدت سماتها الشخصية وفضاءها الروحي، وبالمقابل لم تربح شيئا ( 3).
إن أول درس تقدمه لنا هذه الرواية أنها ليست عن مكان مخصص بل عن أشخاص. وكان اهتمامها بماضي الشخصيات وحالتهم النفسية أكبر من الاهتمام بوجه المدينة، فما بالك لو تحدثنا عن ماضيها الدفين.
ومع أنها تنتمي لأسلوب الواقعية الجديدة، فهي تحاول أن تعيد ترتيب أوراق هذا الفن بطريقة الفصول، عوضا عن طريقة التسلسل والأصوات.. والفرق بين الأسلوبين أساسي. لأن الأول يعتمد على التكرار والتتابع، بينما يعتمد الثاني على المحاكاة لجزئيات من الواقع الفني.
أضف لذلك أن الأسماء هي التي كانت تتبدل وليس الحيثيات. ولم تتقاطع الشخصيات في مصائرها وأقدارها، وإنما وصلت لنفس النتيجة المحزنة التي لا ثاني لها وهي الفراق، أو بلغة مباشرة: نهاية قصة الحب المستحيل. وكأن الحكاية تتضمن سيرة هذه المدينة المغدور بها، المفروض عليها أن تدخل في بند الغيبيات أو المنافي والشتات.
بينما بالمقارنة مع ( ميرامار )، وهي مونولوج من عدة طبقات، وليس رواية أصوات كما هو شائع، تتوازى الأسماء مع عقدة الحكاية. إن ( ميرامار) لا تلغي شخصية الإسكندرية، وقد تركت لها جزءا من ثيابها القديمة. لماذا لا نقول تركت لها ورقة التوت. وأخص بالذكر العلامات القليلة المتبقية من ماضيها اليوناني واليهودي. وهكذا رسمت مصير عدة طبقات من المجتمع، وعبرت عن تأثير ثورة يوليو على ما قبلها. وقد وفر ذلك للدراما أداة حقيقية سمحت لها بالتطور وتوسيع الحكاية. وليس تمديد محاورها أفقيا. لقد كان هناك في رواية نجيب محفوظ صراع وتوتر بين الماضي الهيليني للمدينة والحاضر الذي غلبت عليه صفات تمصير التاريخ أو صفات إعادة تأليف المدونة.
**
ولكن انحياز برهان الخطيب لتاريخ المدينة المتحول لم يترك العمل من غير صراع. وبالعكس أدى لتعبئة المضمون، ولتحويل الشخصيات إلى طرف في المعركة. فهو يقول لحبيبته ( انه وقع بغرامها لأنها من بلد عبدالناصر - ص66). ثم في مرحلة تالية يتكلم بشيء من التهكم عن سلم الأخلاق ويحاول استنباط تعريف لمعنى العيب وجدوى الثورة ( التي يعتقد أنها خراب - ص119). وحين يورط نفسه بالحديث عن المعالم السياحية للمدينة ولا سيما الشاطئ لا يرى فيه غير ( الريح القوية وأوراق الصحف الممزقة- ص 12)، وكأنه لا يتكلم عن الساحل، ولكن عن مقهى شعبي. باختصار لقد أهمل الحضاري واكتفى بالاجتماعي. وإلا لماذا لا نجد ولو إشارة واحدة للمعابد اليونانية والأديرة التي انطلقت منها حملات التبشير شرقا ونحو الشمال حتى أنطاكية المحاذية أيضا لشواطئ المتوسط.
وبالنظر لهذه المعطيات يمكن قراءة ( ذلك الصيف في إسكندرية ) قراءة عمودية. ويمكن التعامل معها كنص له أفق اجتماع - سياسي غير مباشر.
و كان من السهل على القارئ فك الرموز. ولا سيما صورة الغريب أو الوافد الذي يختلف عن أمثاله من الأغراب وعناصر الأقليات كما رسمها داريل ونجيب محفوظ .
إن الوافد في عمل برهان الخطيب قريب من شخصية الروائي، وربما يحمل بذور أفكار تنتمي لخطاب ما بعد النكسة، وهو خطاب توعية ينطوي على أهداف تحررية مكسورة ومهيضة الجناح مثل قصة حبه الفاشل. ولذلك أغفلت الرواية الطبيعة النوعية للمدينة، وحولت رسالتها الحضارية للتبشير بموقف سياسي من الحاضر.
وإنه بالرغم من دخولها في الفضاء الحيوي للمرافئ والشطآن سرعان ما تنتقل لمجتمعات الداخل وكأننا في القاهرة، أو أية مدينة في الشرق الأوسط. وتختصر إستاطيقا المكان في أحياء شعبية فقيرة ومزدحمة تعكس حالة التخبط والشلل بعد فشل تجربة الوحدة وهزيمة عام 67. كما في كلامه عن الصبيان ولعبة كرة الجوارب (ص46)، ومداخل الأبنية (ص 66)، ومنعطف السلم (ص66).
لقد كان اختيار مدينة الإسكندرية، في هذه الرواية، لعبة فنية الغاية منها التعميم وليس التخصيص، والاقتراب من موضوع شائك هو دور مصر في معركة النهضة والبناء، وما يترتب على ذلك من تحديد للعلاقة بين النخبة والشارع. وهذا برأيه هو الخلاصة الاستراتيجية للحياة " التي تفرز لنا الصواب من الخطأ " دون تدخل منا (ص118)، على حد قول بهية عشيقة حازم. وهذا شرط لـ " نجعل حياتنا أفضل" (ص119).
ويمكن تشبيه الموضوع بما فعله عبدالرحمن منيف، في واحدة من أفضل أعماله، وهي روايته الثانية ( شرق المتوسط ). فالرواية بلا اسم محدد للبلد ومن غير إشارة واضحة لمدينة معينة، وتركت الأمر للفضاء الدلالي بكل حمولته .. سواء هجاء الواقع الفاسد أو التفاصيل المؤلمة عن موت الشخصيات واستبدالها بأفراد. وينطبق ذلك على ( شتاء البحر اليابس) لوليد إخلاصي، ولو أن الغايات والوسائل مختلفة لحد ما. مع أنها رواية عن الإسكندرية تدور الأحداث في جو من الرعب، وكأنك في أحضان قلعة من القرون الوسطى. وتغلب على الجو الافتراضات أكثر من الحقائق، مع لغة مونولوجية تخاطب بها الشخصيات نفسها. لقد غاب من الرواية شرطان أساسيان: الإحساس الخاص بالمكان، ثم الحوار والشخصيات. ولم يتبق غير فضاء الرعب من الحداثة، والذي يضطرنا للتعرف على موضوعاتنا بطريقة مواربة، كلها مجاز واستعارة.
***
إن هوية الشخصية الروائية لا تكتمل، إلا إذا عملت في مناخ يشتغل على قضية، خلاف الأفراد الذين ينتمون لواقع كتلوي صامت، بلا وجه ولا صفات. وبما أن ( ذلك الصيف.. ) تبشر بقضية اشتغل عليها خطابنا المعاصر، لفترة لا تقل عن خمسين عاما، فهي رواية شخصيات وليس رواية مكان يحدد الأفراد اتجاهه.
ولو نظرنا لمثيلاتها، ولنبدأ برباعية الإسكندرية، نلاحظ كيف أن بطل كل حكاية يختلف عن غيره، ويرتبط بشبكة من العلاقات مع شخصيات لها علاقة متميزة بالمدينة. وأدوارهم لا تتحدد من خلال نقاط الارتباط في الحكاية، ولكن من خلال العلاقة مع المكان. وكانت النتيجة صورة مركبة للإسكندرية حيث تكاملت عدة حضارات. وحيث تجد " وراء الحبكة حبكة مضادة "(4).
إن الرباعية عمل عن الشرق الحافل بالدسائس والمكائد والأحابيل، ولكن بأدوات غربية، في مقدمتها تيار الشعور. ولذلك لم تترك بلاغة وفصاحة المكان شيئا للبداهة والخرافة، واستبدلتهما بغموض وتردد المشاعر. وهذا مفهوم في ضوء انتماء داريل ذاته. فهو فنيا يتكلم عن حوض المتوسط، ولكن بخلفيات فرضتها تربية وثقافة بحر الشمال. وعليه أعتقد أن روايته كلها مجرد افتراضات فنية بمضمون سياحي. وتساعد على اكتشاف قوانين المدينة من داخل المدلول الحضاري لمعناها، وبلغة لها مستوى ذهني واحد، وبمنأى عن مشكلة ديكارت في أصل الشك بالحواس. لقد كانت الدائرة، في الأجزاء الأربعة، غير محسوسة، وتتحدث عن نفسها بلغة ما يسميه سقراط التصورات، وهي مرادف من درجة ثانية للرغبات والأوهام الجاهزة.
ويمكن التوصل لنفس النتائج في (ميرامار ) نجيب محفوظ. فهي، أيضا، رواية تتحرك بمستوى أصوات لسان واحد. ومهما تعددت الشخصيات لا يتغير صوت الراوي لأنها نماذج وأنماط، يديرها ذهن تفرد بالتحكم بكل أدوات وعناصر الرواية، من صفات وأفعال. حتى أن الأحداث لا تدعمها حركة داخلية على المستوى النفسي، وتنتقل من حلقة لأخرى بفعل مشيئة الروائي وليس الرواية.
***
إن رواية برهان الخطيب لا تندرج في الظاهرة المعروفة، التي يسميها إبراهيم عبد المجيد ( غواية الإسكندرية )(5).
بل هي قراءة في ما آلت إليه الأمور، في مصر، بالنظر لماضيها ومحيطها العربي. وهي أيضا ليست بحثا عن سحر الإسكندرية المفقود، وإنما مجرد شاهد على المرحلة ومكان تدور فيه الأحداث. وإن النوستالجيا، وهي في الرواية من العيار الثقيل، ترشحها لتكون ( جدلا ) نموذجا عن الرومنسية السوداء، التي عادت إلى أوروبا لإحياء المدرسة الرمزية المظلمة، ولإعادة النظر بأباطيل الماضي وسقطات الحاضر ( 6). وأرى أن أبطالها قدموا لنا صورة محلية من ( ميرسو ) بطل ( غريب ) كامو.. بعدوانيتهم تجاه أنفسهم، وبمازوشيتهم الغريبة التي تتفنن بتعذيب الذات لحرق الماضي المؤلم والزاخر بالأغلاط والمنغصات، وبالاغتراب عن البنية الاجتماعية والشخصية. وفوق ذلك كله بالانفصال الحضاري والروحي عن عالم مفتاحه ليس بأيديهم.
و لو أنه لا بد من المقارنة بعمل عن مصر، لأن الشيء يعرف بما هو، وليس بضده، فإنها أقرب لـ ( ثرثرة فوق النيل )، حيث أن النهر يأخذ دور شاهد صامت على ما يحدث في البلد من إخلال بالتوازن النفسي للمجتمع، تمهيدا للنهاية الدرامية، التي لها معنى مأساة كما في الأعمال الخالدة لشكسبير.

هوامش:

1- أوراسيا للنشر في استوكهولم ودار النبوغ للنشر والتوزيع في لندن. 1998.
2- رسالة خاصة بتاريخ : 4-4-2013.
3- لمدينة الإسكندرية تاريخ حافل. و تصادف أنها على مفترق الطرق بين الكنعانيين الذين سكنوا في غرب سوريا، و شعب مصرا أو مصرايم الذين سكنوا في دلتا النيل. و لهذين الشعبين أصل واحد و هو الملوك الرعاة أو الهكسوس الذين احتلوا شمال مصر، و خلال مائة عام تفرقوا لحضارتين لكل منهما لغة و تقاليد مختلفة. انظر: تاريخ سوريا القديمة لأسد الأشقر. ص 155.
4- رباعية الإسكندرية لداريل- ترجمة أمير زكي- أخبار الأدب - 25 آذار - 2012. نقلا عن مدونة : boring books .
5- انظر موقع بص وطل ، تاريخ 26 تموز 2011. عرض كتاب غواية الإسكندرية لإبراهيم عبد المجيد لحسام محمد دياب.
6- الرومنسية السوداء، مقال منشور في جريدة العرب بلندن، لأبو بكر عيادي. تاريخ 29 آذار 2013. وطبعا لا أقصد هنا المعنى الدقيق للكلمة والمرتبط مباشرة ببودلير ولوتريامون، ولكن أشير للمعنى الذي استخدمه ناثانيال هوثورن في روايته المعروفة ( الحرف القرمزي)، حيث أن من يقترف الخطيئة هو نفسه المفترض به أن يعمل على غسل الذنوب.

آذار 2013

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow