Alef Logo
مقالات ألف
              

زهرة الجولان السوداء

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-04-06

العلاقة بين السوريين والجولان كانت دائماً مربكة, مرتبكة, وهذا الارتباك استمر منذ الاستقلال, أو منذ خسارة فلسطين, فقد كان لا بد للوصول إلى الجولان من إجراءات أمنية مشددة وحواجز تستمر منذ سعسع وحتى الحمة, هذا المنتجع الذي أهمل طويلاً, أهمل متروكاً ل"الطبيعة" منذ بدء الخليقة, ولاختراق هذه العزلة كان لا بد للراغب في زيارة الجولان, أو الحمة من الخضوع لإجراءات تمتحن أهليته, ووطنيته, وعدم رغبته في خيانة الوطن لصالح العدو الصهيوني, واستكمالاً لهذا العزل منعوا إقامة المشاريع الصناعية, أو التصنيع الزراعي فيها, كما صنعت مجموعات المصنعين في الجزيرة السورية, معمار باشي, وأصفر ونجار, ونظام الدين, حين نقلوا بتصنيعهم الجزيرة السورية من حالتها البرية إلى أن تصبح كما سماها الاقتصاديون "كاليفورنيا الشرق", وعلى العكس فقد ترك الجولان يعيش على الهامش, فهو سوري, وليس سورياً, وكأنه الأمانة ينتظرون تسليمها إلى الموعود بها.
كان الجولان مكاناً للخوف, فهو القريب من العدو الصهيوني, وكان السوري يخاف من نفسه الأمارة بالسوء, فالقرب من العدو مغر بالخيانة, وربما من أجل حماية السوريين من شرور أنفسهم منعوا الزيارات والسياحة إلى الجولان إلا للموثوق منهم وفي أضيق الحدود.
كان السوري لشدة ما ألحوا على ضعفه, وأنه مشروع جاسوس لايمنعه من الخيانة إلا رجال الأمن المنتشرين على الطريق ينبهونه, ويكادون يقولونها, وأنه إن دخل إلى الجولان دون إذنهم, أو موافقة أمنية منهم, فربما انسل إلى إسرائيل مستسلماً للضعف الأصيل فيه وباع أسرار الوطن. وأذكر في طفولتي ومراهقتي الأولى رؤية الإعلانات والصور المعلقة على الجدران, والأماكن الهامة وعليها أذن صهيونية كبيرة تترصد الأبرياء الذين لايعرفون َبضعفهم أمام العدو الغادر يترصد انهيارهم وشعار كبير يعلن: كل مواطن خفير.. "أو مخبر".
ثم كانت حرب العام" 1967" والتي كان من أهم نتائجها ليس ضياع الجولان بسبب من ضعف سوري لم يستطع مقاومة الرغبة بالتسلل إلى العدو, ونقل أسرار صنع الفلافل إليه, هذا السر الذي سرعان ما استغله العدو, ودمر الاقتصاد الوطني بحيث لم يستطع الوقوف على قدميه منذئذ, لا لم يكن ضياع الجولان هو المهم, فالمهم هو القدرة الأسطورية التي أبداها النظام التقدمي, ف.. لم يسقط , ولم يسقط التقدم, بل رزح على صدورنا للخمسين سنة التالية, فأنقذنا من شرور ضعفنا الذي كان يمكن أن يدمر البلد, و.... أخيرا اكتشفنا الغرض الحقير الذي كان العدو يعمل من أجله.. إنه إسقاط النظام التقدمي الذي استطاع النظام إفشاله, والذي لم نعرف من تقدميته بعد ضياع الجولان إلا الحرس القومي الذي أكمل مهمة النظام التقدمي, فصار يتحرش بالناس في المدارس والحارات يمتحن تقدميتهم وإخلاصهم للنظام التقدمي, ومن تردد, أو تلعثم فقد فضح نفسه, وأظهر خبيئته الخائنة.
لم تطل لحسن الحظ فترة الامتحانات هذه إذ سرعان ما اكتشفوا أن نزعة الخيانة والارتماء على أسوار الجولان لنقل أسرار الوطن.. عفواً أعني "اسرار النظام التقدمي" ليست وقفاً على الرعايا الذين لم تطهرهم التقدمية فقط, فقد بدأت حملة التصفيات الدموية بين رجالات التقدم دون أن يتسرب واحد من مشاريع الخيانة "عفواً, أعني الرعايا" إلى العدو يحمل الأسرار العظمى إلى العدو, ولماذا يرهق نفسه ويمضي إلى الجولان والعدو بين ظهرانينا يحمل اسمه الصريح "كوهين".
سقط الجولان, وتراجعت الجبهة من معاقلها في الجبال المطلة على سهل الحولة وبحيرة طبريا إلى الأراضي السهلية ضعيفة القدرة على الدفاع عن النظام التقدمي, ضاع أكثر الجولان, وضاعت الحمة, ولم يعد السوريون مضطرين إلى الأيمان المغلظة يؤكدون فيها أنهم لن يرتموا في أحضان العدو, ولكن اعتبار الجولان أرضاً مريبة, مثيرة للشيهات, مثيرة لنزعة السوريين الخفية لخيانة النظام التقدمي لم تختف, فقد ازدادت الحواجز الأمنية, وازداد عدد الأذون المطلوبة لمن لم يكن من سكان الأراضي الحدودية, وصار على السوريين الراغبين في الوصول إلى طرنجة ,أو جملة ,أو كودنة ,أو اوفانية, -هل سمعتم بهذه الأسماء السورية من قبل؟- صار عليه أن يحصل على عدد من الأختام والتواقيع أكثر من قبل رغم أنه لم يعد باستطاعته الوصول إلى الحمة, لكن إثبات وطنيته وصلاحه, وعدم رغبته في الجاسوسية صار أكثر صعوبة.
كنت أعرف هذا كله سماعاً, وعبر تجربة واحدة في مراهقتي في زيارة لي إلى الحمة, زيارة لم تترك لدي أي انطباع هام عن إهمالها, وبدائيتها, وقلة خدماتها, فقد كنت كسوري لم ير ما هو أحسن معتاداً على هذا الهجر والإهمال, أما حين التحقت بالخدمة العسكرية, و... ضابط ارتباط مع قوات الأمم المتحدة, أو "الايسماك" والتي تعني "لجنة الهدنة المشتركة بين السوريين والإسرائيليين, فقد عرفت من جديد ما هو الجولان, ولم أكن مضطراً إلى القسم اليومي, وكلما عبرت الحواجز أن أقسم وأرتجف خوفاً من ضعفي الأصيل أمام الارتماء أمام الصهاينة كاشفاً لهم عن أسرار صنع الفلافل التي لن يتقنها سواي.
الجولان
للمرة الأولى أرى الجولان عن قرب, أراضيه, حيواناته, طيوره, نباتاته البرية, وحتى أكون أكثر تحديداً, فأنا أرى للمرة الأولى سورية الوحشية, الطبيعية, الجميلة, وكنت قد رأيت الجزيرة السورية قبل ذلك, ولكنها لم تكن تشبه الجولان بأي شكل, كانت أرضاً حمراء ندر أن تنبت فيها النباتات البرية, فهي إما محروثة استعداداً للبذار, وإما محروثة للتشميس بعد الحصاد حتى تقتل البذار البرية, أما الجولان, وهو ما كان حظه أن يصبح منطقة عازلة معزولة بين متحاربين, فاستفاد من حظه حتى الحد الأقصى, وامتلأت سهوله إن رأيتها ربيعاً بالأقحوان البري المرصع بشقائق النعمان, وأنا لا أتكلم عن رقعة هنا أو رقعة هناك, بل أتكلم عن سهول لاتستطيع اجتيازها بصرياً, فهي سهول إثر سهول تمتد وتمتد حتى الأفقين.
كان هذا افتتاني الأول بالجولان وسهول الأقحوان وشقائق النعمان, التي إذا ما تداخلت معها متفحصاً رأيت بينها أنواعاً من الزنابق البيض سأعرف فيما بعد أنهم يسمونها بالعيصلان, وكان يحق لك أن تخوض بينها غير خائف من سحقها, فهي سرعان ما تنتصب متحدية لتقول: أنا البرية لاتموت, وفي ذلك الحين بدأت فهم المقولة المتعجرفة التي أطلقها يوماً "تيمور لنك": حيث تمر خيلي لن ينبت الغشب من بعد! وفهمت سر هذا الجمال, فلم تمر خيول الجند من هنا.
أخذت العزلة والجمال المحيطان بي, والاستبطان الطويل الذي كان يؤرقني طويلاً أفكر: ما الذي جعلهم يؤمنون, ويجعلوننا نؤمن بأن المواطن العادي ممن ليس من أنصار النظام الوطني التقدمي هو مشروع جاسوس لا ينتظر إلا الفرصة المناسبة ليقفز إلى الجانب الآخر من الحدود ثم يعلن نفسه الجاسوس الذي كان الكامن وهاهو أخيراً يعلن عن نفسه في خيانة الوطن الذي اختصروه بالنظام الوطني التقدمي !!! وبدأت الكلمات نفسها تفرض نفسها طالبة التحليل: الوطن, الخيانة, النظام التقدمي, الجاسوسية.
كانت الكلمات البعثية الكبرى تقرقع متصادمة في رأسي, ولكن جمال الجولان سرعان ما أخذ بالتحول إلى "جوانات" تمنع عظامي من القرقعة, وأخذت العزلة والهدوء والصمت المحيط في جعلي أنسى صورة الأذن الضخمة و: كل مواطن غفير, والخوف من ضعف النفس والقيام بخيانة النظام التقدمي... وصار الوطن هو هذه السهول الجميلة من الأقحوان وشقائق النعمان.ا
وفي واحدة من جولاتي التي بدأت إدمانها أتأمل سكران بكل هذا الحسن وقعت على الزهرة الأعجب التي لم أرها من قبل قط, زهرة تشبه كأس زهرة الزنبق المنزلي شكلاً, ولكنها تفوقها حجماً بخمس أو سبع مرات على الأقل, وكان لونها بنفسجياً داكناً أقرب في دكنته إلى السواد. كانت فتنة غريبة, فتنة غير مألوفة في جمالها, وغرابتها, ووحشيتها, كانت أشبه بنزوة من نزوات فنان لم يراع أصول الجمال المتفق عليها, فهاهو يلجأ إلى الوحشية ليخلق منها الجمال.
من بين الزملاء ضباط الارتباط كان هناك واحد يقاربني في الخوف من ضعف النفس والإقدام على خيانة النظام التقدمي وللهرب من وسوسة النفس الأمارة بالخيانة استسلم لهواية قديمة لديه, فصار يصور الزهور التي يراها منثورة أمامه في البلد الذي كان محرماً عليه قبل أن يصبح من أنصار النظام, ألا يخدم ضابطاً في الجولان؟!! وحتى لا يتهم بما كان يمنع نفسه من التفكير فيه حصل على إذن بتصوير الزهور, وكان هذا الزميل أول من فكرت بمشاركته رؤية هذه الجميلة المتوحشة. كان قد أراني مرة مجموعة صوره, فأراني صورة لزهرة تشبه الفراشة, وزهرة تشبه رسوم السجاد العجمي, وصورة لزهرة تشبه اليعسوب " فرس النبي", وقال إنه في سبيله لطبع كتاب عن زهور الجولان.
قلت: سأريه هذه الزهرة العجيبة, ولاشك أنه سيطير فرحاً لرؤيتها, قطعت جذع الزهرة بموسى اعتدت حملها, وحملتها إلى المعسكر, فوضعتها في كأس ماء كبيرعلى الطاولة, ومضيت أكمل جولتي.
في اليوم الذي فوجئت بتلك الزهرة العجيبة بحجم إبريق شاي عائلي اصطدمت بشيئ ما كنت أظن أني سأصطدم به أبداً, تعثرت بعش بوم جولاني أبيض, طبعاً لم أتعثر به, وربما كان استخدام هذه الكلمة خاطئاً, فأنا لم أتعثر به, بل فوجئت بطائر أبيض يطير على مقربة مني, فأقعيت لا أريد إفزاعه, وكنت أتفحصه أريد أن أعرف: ما هو هذا الطير, أهو حمامة بيضاء؟ ولكن الحمام لا يطير منفرداً, وإذن, أهو لقلق؟ ولكنه أصغر وأقصر ساقين من اللقالق, رفعت منظاري المقرب, وتسللت إلى حيث رأيته من قبل لأفاجأ بوجهه المسطح, بوم! وأبيض! ونهاري؟ وكان هذا واحداً من عجائب الجولان.
ظللت على قرفصائي أراقبه ربما لساعات, كان جمالاً صافياً, لم يكونا زوجاً واحداً بل كانا زوجين, وقدرت أنهما أبوان وصغيراهما. كنت أظن البوم يعشش في الشجر, وربما كان ظني صحيحاً, فأنا لم أر لهذه الأبوام عشاً, وكل ما رأيت مربض, أو مرابض من الحجر البركاني كان يعلو على قامات الزهور, كنت أراها تطير من مربض إلى مربض ثم تختفي عن ناظري, وبعد حين كانت تطير, وكان هذا كل شيئ.
جعت, فلقد اقترب المساء, وكان لابد من العودة. فجأة تذكرت الزهرة العملاقة, فرجعت مسرعاً سرعة أقرب إلى العدو. دخلت إلى البراكية أتأمل الزهرة فلابد من الاحتفاظ بها نضرة لأفاجئ بها صديقي المصور القادم غداً. دخلت البراكية, وصدمتني رائحة عجيبة, رائحة جيفة, فتخيلت أنها قطعة لحم سقطت من الثلاجة, فهبطت على ركبتي أبحث عنها, ولم أجد أثراً للحم, ولكن الرائحة قوية, وتخيلت للحظة أنها لفأر, وهبطت أبحث عنها تحت السرير, تحت الطاولة, خلف الثلاجة, ولكن لا فأر.
في أثناء تحركي العصبي أبحث عن مصدر الرائحة اقتربت من الطاولة حيث الزهرة في الكأس, فصدمتني قوة الرائحة. قربت أنفي من الزهرة غير مصدق, وكانت المفاجأة. إنها الزهرة, كدت أقيئ لفظاعة الرائحة, وحملت الكأس بزهرته ورميته ساداً أنفي خارج المعسكر.
في اليوم التالي جاء, في سيارة الدورية جاء, وبدون وقار, وبتسرع الأطفال حدثته عن زهرتي السوداء العملاقة, فتنبه متوتراً, وفح: أرني إياها , فحدثته عن رائحتها المنتنة, فلم يهتم! كان كل ما يهمه هو أن يراها. مضيت به إلى خارج المعسكر, ولكني لم أجدها , كانت قد اختفت, كان متحمساً لرؤيتها: ألا تذكر شيئا عن المكان؟ فجأة ذكرت أني رميتها وكأسها. قال: نبحث عن الكأس. كان هذا أسهل, فسرعان ما رأينا الكأس وفي حلقه كانت.. الزهرة, أو ما تبقى منها, كانت قد ذبلت وانكمشت حتى لم تعد زهرة, لم تكن قد انكمشت فقط بل تجعلكت حتى لم يعد ممكنا التعرف عليها.
قال في أسف: ليتك لم تقطفها ! ثم أضاف في حزن: الزهور البرية لا تنقل, ولا يعاد استزراعها. قلت في تسرع: ولكن رائحتها النتنة.. قال: إنها طريقتها في الدفاع عن نفسها.
قضينا اليوم نبحث عن زهرة أخرى ليصورها, وكأنما أدركت غرضنا فقد اختفت تماماً, ولم أرها بعد ذلك قط. خفت أن أحدثه عن طيور البوم الأبيض الجولاني فيهرب كما هربت الزهور السود, وصار من عاداتي السرية التسلل إلى مربضه الحجري كل عصر أتفرج على جمال الجولان الذي لم يعرفه السوريون, فقد منعهم من ذلك نزعتهم السرية إلى خيانة النظام التقدمي كما أصر على ذلك حزب كان رعبه الدائم هو خيانة الشعب السوري لتقدم لم يروه إلا في ثرواتهم التي تراكمت وتراكمت حتى الانفجار.
خيري الذهبي
khairyalzahaby@hotmail.com

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow