Alef Logo
دراسات
              

الله ... الأزلي في عقل الفاني 3/3

معاذ حسن

خاص ألف

2013-04-05

لم أتطرق منذ بداية الدراسة إلى معالجة العنوان بشكل مباشر، بغرض استفزاز الموضوعية في بحوث المقدسات وعرض جوانب جديدة في تناول المفاهيم ذات الطابع القدسي كــ" الله ".
الله... الأزلي في عقل الفاني، من هذه التسمية لابدّ من استقطاب سؤالٍ على قدر من الأهمية.
( كيف يفهم المتناهي اللامتناه أو كيف له أن يحتويه ). سأعود إلى هذه السؤال بعد طرح الاستفهام التالي: هل هبطت الحياة من السماء؟؟.
إنها فكرة جديرة بالمناقشة أن تكون جميع الحيوات الأرضية ذات منشأ سماوي، لا نعني في هذه الحالة المعنى الميتافيزيقي لنشوء الحياة على الأرض، وإنما المعنى الحرفي تماماً.
إن إمكانية أن تكون الحياة على الأرض ذات مصدر غير أرضي يناقشها بجدية كاملة منذ عدة سنوات العلماء ووكالات الفضاء، وبالأخص الأمريكية.
حصلت الفكرة القائلة بأن الحياة قد تكون جاءت من السماء، أو بتعبير أدق: من أعماق الفضاء الكوني على اهتمامات جديدة نتيجة البحوث التي أجراها علماء الأحياء الدقيقة ــ الأمريكيون في السينين الأخيرة ـ أجريت البحوث بالتكليف من ـ ناسا ـ التي تعهدت بأن لا تؤدي هذه الدراسات الفضائية إلى انتقال البكتيريات أو أية أحياء دقيقة من كوكب إلى آخر.
وفي الحديث عن انتقال الكائنات المجهرية والجرثومية، لا بد من ذكر التجارب البالونية والصاروخية التي تجريها ناسا لدراسة الشروط السائدة بمساعدة كائنات دقيقة. تم تصميم ( أفخاخ باكتيرية ) أجري بواسطتها تمشيط الطبقات العليا من الغلاف الجوي للأرض تمشيطاً منهجياً شاملاً. فكانت نتيجة رحلة الصيد هذه حتى بالنسبة للمختصين مفاجئة، حيث تم العثور في جميع المجالات الحيوية على مختلف الكائنات الحية وبكميات لم يتصورها أي باحث مختص. على ارتفاع 15 كم يوجد في كل ألف متر مكعب من الهواء وسطياً مئة كائن حي دقيق من مختلف الأنواع. على ارتفاع 25 كم لم يزل يوجد 15 ، فهذه التجارب برهنت على أن الغلاف الجوي لكوكبنا ليس نظيفاً حتى ولا على ارتفاع 50 كم، وإن سرعة انتقال هذه الجراثيم من بين الكائنات الدقيقة أكبر بكثير من سرعة الصواريخ التي صممها البشر حتى الآن. بينما تحتاج مركبة فضائية حديثة من طراز " مارينر" لقطع المسافة القريبة نسيباً بين الأرض والمريخ إلى حوالي ثمانية أشهر، يمكن أن تفعلها هذه الجراثيم خلال أسابيع قليلة.
لذلك نستطيع أن نتوقع أن تكون مجموعتنا الشمسية بكاملها، باستثناء الزهرة وعطارد، قد استعمرت من قبل الكائنات المجهرية الأرضية منذ زمن طويل في جميع تلك المواقع التي تكون الحياة ممكنة فيها.
وبالاستناد إلى انتقال الكائنات والميكروبات عبر الفضاء، يقول العالم ـ آرينيوس ـ أنه وجد مخرجاً من هذه الدوامة بفرضيته القائلة ــ إن الحياة قد بدأت على الأرض الفتية بمكروبات من الفضاء الخارجي. وسوف نرى أن أعماق الفضاء الكوني قد شاركت فعلاً في نشوء الحياة على الأرض. إما أن تكون الحياة قد هبطت من السماء قبل 3 أو 4 مليارات سنة دفعة واحدة على هيئة كائنات حية جاهزة كاملة التطور، وإن كانت بدائية بصيغة وحيدات الخلية. فهذا أمر يعتبر بحكم المستحيل لأسباب عدّة.
إن جميع المؤشرات والآثار والحجج تأكد مرة تلو الأخرى بأن نشوء الحياة لم يبدأ بحدث ظهر فجأة وأدى بدون مقدمات إلى تشكّل ظاهرة جديدة تماماً على سطح الأرض. فلقد مرّ ما لا يقل عن مليار أو لربما ملياري سنة حتى تحول التطور الكيميائي إلى تطور عضوي. إن نشوء الحياة على الأرض قد حصل من خلال عملية تطورية شديدة البطء ذات تسلسل دقيق ومنسجم وخال من القفزات وصحيح بصورة مذهلة.
ما أود الإشارة إليه في هذا السياق هو محاولات العلم في اكتشاف أسرار الوجود، وحتماً في الاعتماد على التجريب والابتكار والعقلانية التي جعلت السفر عبر الفضاء واكتشاف حتى العمر الزمني للكائنات والحياة ممكناً بالشكل العام.
فنحنُ لا نستطيع إنكار وجود إنسان نيادرتال أو إنسان الهوموسبيان بعد ما توصل إليه العلم من حقائق هذا الوجود، وهنا إن عدنا إلى هذا النوع، سندرك حتماً أنه لم تكن هناك أفكار عن الله أو حقيقة الخلق والوجود، فزمن الأنبياء وتاريخ الميثولوجيا يقع ضمن توثيق البشر المتفق عليه أساساً. وبالعودة إلى السؤال الذي يرتبط بعنوان الدراسة ( هل يفهم المتناهي اللامتناه أو كيف له أن يحتويه) ولأن هذا السؤال يحتاج بشكل واضح إلى درجة عالية من المنطق. فلا مانع أبداً من استخدام قانون في علم الرياضيات من حيث أنها تدخل حتى في هندسة الكون وكافة تفاصيل الحياة بشكلٍ واضح حتى لأكثر الناس بُعداً عن الرياضيات.
يقول القانون: إن أي رقم على اللانهاية يساوي الصفر، فالسؤال هنا مغلوط أساساً. وحتى لو فرضنا عند هذه النقطة أن جميع البشر اتفقوا على فكرة وجود الله، فأنهم حتماً سيختلفون على شكله وماهيته وأيضاً في مراده ممن يؤمنون بهِ.
مرة أخرى نحن لا نذهب هنا لتكريس فكرة وجود الله أو إلغائها، فالمحاكمة العقلية ذات سياق مختلف عن قرار الإيمان وثقافته. وهنا أتذكر جورج برنارد شو كشخص غير مؤمن أو متدين يخلص إلى نتيجة: إن الدين هو القوة المحركة الحقيقية في العالم. أو حين يسأل توينبي ( من هم أعظم المحسنين للبشرية عبر الأجيال)؟
ويجيب : ( يجب أن أقول أنهم كونفوشيوس، لاو تسو ، بوذا، أنبياء إسرائيل ويهوذا، زردشت، عيسى، محمد، سقراط).
هذه الإجابة يجب ألا تفاجئ أحداً. إن الدين هو أصفى نافذة يمكن لطاقات الكون التي لا تنضب أن تصبَ من خلالها في الكيان البشري.
ما الذي يمكنه إذاً أن ينافس الدين في التأثير على المراكز الخلاقة في كيان الإنسان وإلهامها؟
وعندما يتحرك الدين من هذه المراكز إلى الخارج نحو الأساطير والطقوس، فإنه يزودنا بالرموز التي تنقل التاريخ إلى الصفحة الأخرى، أيضاً إذا ما تناولنا بأن النجاح الدنيوي غير قادر على إرضاء الإنسان وإشباعه بالشكل الكامل، فهو أن منجزاته مؤقتة وسريعة الزوال.
الإنسان يدرك جيداً أن الثروة والشهرة والرئاسة تنتهي بموت الجسد، وكما يقول عامة الناس حتى في الغرب: ( لا يمكنك أن تأخذها معك إلى القبر ).
هذا الإدراك ــ من قبل الإنسان بأنه لا يستطيع الاحتفاظ بتلك الأمور إلى ما لانهاية، هو الذي يمنعها من أن تحقق له الإشباع الكلي الكامل.
إن الإنسان يدرك بفطرته الخلود والأبدية ولذلك يأسف بغريزته لرخص قيمة نجاحه وتوثيقه الدنيوي عند الموت.
وكما يقول تولستوي في اعترافاته: ــ إذا لم يعد قادراً على الإيمان بقيمة المتناهي " المحدود" سيؤمن باللامتناهي أو يموت. مع أن لا أحد منا يسعده استحضار فكرة كون المستقبل سيتابع مسيرته دونه.
قد يحب القديس العالم، بل هو يحبه فعلاً أكثر من محبة المدمن له. إنه يحبه لأنه يرى انعكاسات لمجد الله الذي يعبده.
كيف ينمّى هذا الحب لله في نفس الإنسان؟.. لا شك أن المهمة لن تكون سهلة. القوة الشديدة التي تجذب بها أشياء هذا العالم ومفاتنه انتباه الإنسان بشكل لا يتوقف، يجعل من العجيب حقيقة أن يتمكن كائن غيبي، لا يُرى ولا يُـسمع، أن يكون منافساً لها. ويبين هذا الدعاء لأحد الكهنة في معبد لقرية هندية ثقل الحواس في روح الإنسان بتواصله مع الله ( يا رب .. اغفر لي ثلاث خطايا، ناجمة عن حدودي البشرية. إنك في كل مكان، لكني أعبدك هنا. إنكَ من غير شكل ولا جسم، ولكني أعبدك في هذه الأشكال. إنك لا تحتاج إلى الثناء والمديح ولكني أقدم لك هذه الصلوات والتحيات. ربي اغفر لي ثلاث خطايا ناجمة عن حدود البشرية).
في حقيقة الأمر، إن العبور من الدنيوي إلى القدسي؛ من الزائل والوهمي إلى الحقيقي والأبدي،
من الموت إلى الحياة، من الإنسان إلى الألوهة. مطلباً بشرياً واضحاً ويساوي الوصول إلى ( المركز) لأنه جزء من تفكيرنا، ويساوي وجوداً كان بالأمس دنيوياً ووهمياً يعقبه الآن وجود حقيقي دائم وفعال.
لئن كان فعل الخلق يحقق العبور من عالم لا تجل فيه إلى عالم التجلي، أو بالاصطلاح الكوزمولوجي، من العماء chaos إلى الكون cosmos ؛ لئن كان الخلق في امتداد موضوعه، قد يحقق انطلاقاً من " مركز "، ولئن كانت ــ بالتالي ــ جميع أنواع المكونات، من المادة الصماء إلى الكائن الحي، لا نستطيع بلوغ الوجود إلا في نطاق قدسي بامتيازـ عندئذ تتضح لنا على نحو رائع رمزية المدن المقدسة (مراكز العالم)، وكذلك الميثولوجيا والمعتقدات التي غالباً ما تحكم تأسيس المدن، والمفهومات التي تسوّغ الطقوس في بنائها. أيضاً إذا ما اطلعنا على قراءة الميثولوجيا والأديان لمفهوم الزمن، فإنها تتحدث عن المستقبل والمرجعية وعودة الموتى والأنبياء. فمثلاً ــ لقد حدث هذا في ( زمان )، في زمن تاريخي تلقى موسى الشريعة في مكان معين، وفي ( تاريخ ) معين. طبعاً، هنا تتدخل النماذج البدئية، بمعنى أن الحوادث، هذه النماذج المرتقية سوف تتكرر، لكنها لا تتكرر إلا عندما تكتمل الأزمنة، أي زمن بدئي جديد.
فمثلاً.. نبوءة أشعيا، تقرر أن معجزتي عبور البحر الأحمر ونهر الأردن سوف تتكران في ذلك اليوم. وأيضاً فقد كانت المسيانية ( عودة المسيح في آخر الزمان ). أن تبلغ إلى تكملة القيمة الاسكاتولوجيا ــ الأخروية ــ للزمان. المستقبل سوف يجدد الزمان، بمعنى أنه سوف يعيده إلى نقائه وكماله الأصليين. ( في ذلك الزمان ). لا يقع في البدء وحسب، وإنما في نهاية الأزمنة أيضاً.
ومن السهل علينا أن نتبيّن في هذه الرؤى الرحيبة ذات المشهد الغارق في القدم الذي يجري فيه تجديد الكون سنوياً عن طريق تكرار الخلق وتكرار دراما الملك المؤثرة. فالمسيح يتخذ لنفسه ــ على درجة عالية، طبعاً دور الملك الأسكاتولوجي، الممثل للألوهة على الأرض، الذي كانت مهمته الرئيسة تجديد حياة ( الطبيعة )، كلها دورياً.
تذكرنا آلامه بآلام الملك، لكن النصر كما في المشاهد القديمة ـ كان دائماً للملك في النهاية ــ والفرق الوحيد هو أن النصر الذي يحرزه الملك على قوة الظلام والعماء لم يعد يحدث بصورة منتظمة في كل سنة، بل يقذف في ( ذلك الزمان ) المستقبلي.
خلاصة القول، إن هذه الدراسة هي أقرب ما تكون من الاستقراء ولا سيما في موضوع ضخم وشائك كهذا، يجب أن تفضي لتوسيع المدارك وليس للتشبث بمواقف وآراء. فإذا اتفقت الأديان على المعرفة وكذلك العلم أيضاً. فهذا يعني أن الخوض في المقدسات لا يقنص من قبول وجودها أو احترامها.
هوامش:
تاريخ النشوء / هويمارفون ديتفورت
أديان العالم / هوستن سميث

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

20-حزيران-2015

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

09-أيار-2015

على حبل المهرج

03-تموز-2014

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow