Alef Logo
مقالات ألف
              

المماليك من القفقاس وحتى مرسيليا

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-03-29

كان السؤال الذي يلح علي دائماً, فيربكني هو: ما العطب الموجود في الحضارة الإسلامية الذي جعلها تنتج كل هذا الكم الهائل من الطغاة, وتكرر السؤال: ما الذي جعل الدول العربية ما إن تحصل على استقلالها عن الاحتلالات الغربية, فتصنع نوعاً من النظام السياسي يشبه ما تركه لها الغرب المستعمر, نظاماً ديموقراطياً, فيه الأحزاب السياسية المتنافسة سلمياً على الوصول إلى الإدارة - الحكم, وفيه انتخابات, وبرلمان, ورئيس, أو ملك يشرف على الحكم, ولايتدخل في يومياته, ولكنه يطرح وجوده الجليل على البلد, ملكياً كان هذا الحكم, العراق, الأردن, المغرب, مصر.. أم جمهورياً, سوريا, لبنان, تونس...
وكان السؤال يأخذ شكلاً فكرياً أحياناً, فيقول: لماذا لجأ المفكر السياسي "وهو مفكر سياسي هاوٍ على أية حال "ما إن يتنطح للحديث في السياسة حتى يصرخ طالباً المثال الأمثل "المستبد العادل", وكنت أتساءل: وكيف يستقيم الاستبداد الذي لا ضابط له مع العدل, وإن اجتمعا حيناً أو مرة, فهل يصبحان دائمين والاستبداد حالة قهرية معتمدة على القهر, والجند, والمخابرات, وسرقة حقوق المواطن, هذه الحقوق التي علمها لنا الغرب فأفسدنا !!! أما العدل فهو شيء طيب يمكن للمستبد العادل أن يتحلى به لفترة, أو لأمد طويل, فالأمر له, ويمكن أن يطرحه وراءه عائداً إلى المستبد المستبد حالما يتهدد حقه الإلهي في العرش, ولكن مجرد طرحه حلماً سياسياً يترك فيه العدل خياراً للمستبد يعكس مدى الضعف السياسي لدى من طرحه, أو يعكس عجزه عن ابتكار, أو تقليد ما وصل إليه الغرب من ضبط سياسي للطاغية والمجتمع.
وبقراءة بسيطة للتاريخ السياسي في العالم يمكن لنا أن نعرف بعض جواب للسؤال الذي افتتحت به مقالتي هذه, ففي القرن الثالث عشر الميلادي "1215م" أصدر الملك جون ملك إنكلتره" الماغنا كارتا" بعد حرب أهلية بين الملك وأنصاره, والنبلاء والكهنة وأنصارهم, وفي هذه الوثيقة المبكرة في تاريخ العقود الاجتماعية في العالم, بل ربما كانت الأولى, حددت حقوق وواجبات الملك, وحقوق وواجبات النبلاء, وحقوق وواجبات الكنيسة التي كانت كاثوليكية مستندة إلى مركزية الفاتيكان أي قبل انفصالها زمن هنري الثامن وإقامة الكنيسة الانكليزية "الانغليكانية".
في القرن الثالث عشر أيضاً أصدر القائد المغولي الكبير جنكيز خان "السيه ياسه" والتي كانت تدعى في الأدبيات العربية أحياناً "اليسق", أو الشرائع الثلاث, وهي التي صارت المرجع الديني والسياسي للعنصر الطوراني حتى سقوط الدولة العثمانية, وفي القرن الثالث عشر الميلادي هذا كان هولاكو يحتل دمشق التي كانت قد استسلمت رعباً مما حصل لبغداد, فلم يدمرها, ولكنه سلم الحكم فيها للمرة الأولى منذ ستة قرون لمسيحيي دمشق, فقد كان البلاط الهولاكي شبه مسيحي على المذهب النسطوري الذي كان قد انتشر في معظم آسيا تقريبا, وكانت زوجته دوغوز خاتون مسيحية نسطورية, وكان القائد الأهم في جيشه "كتبغا" والذي سيتركه في بلاد الشام مسيحياً نسطورياً, أما هولاكو نفسه فكان شامانياً, أي من عابدي مظاهر الطبيعة مثل معظم القادة الغول.
فلما بلغ هولاكو وفاة "الخاقان" أي الحاكم الأكبر للمغول كان لا بد له من العودة للمشاركة في الانتخابات "الأرستقراطية" طبعاً لاختيار الخاقان الجديد, فترك كتبغا مع قطعة من جيشه الكبير مضافاً إليه الرعب الذي انتشر في العالم كله من الجيش المغولي طبعاً, و... كانت معركة عين جالوت التي قتل فيها كتبغا ومعظم الجيش المغولي, و... بدأت أسطورة المماليك.
كان صلاح الدين قد قصم ظهر الصليبيين "مغول الغرب من النورمان والفايكنغ" حديثي المسيحية قي معركة حطين, وكانوا قد قاموا بما سيقوم به المغول بعد مئة وخمسين عاماً تقريباً, أي بتحطيم الحضارتين الكلاسيكيتين السابقتين, "بيزنطة" القسطنطينية, و"بغداد", أي كل من جانبه, ثم وبعد حوالي قرن سيظهرعلى المسرح بطل جديد هو العبد الخوارزمي قطز .
كان الملوك الأيوبيون يستعينون بالعبيد محاربين جيدي التدريب, فكان قطز الذي استولى على بقايا الحكم الأيوبي المتعثر في مصر بعد قتل آخر الحكام الأيوبيين "طوران شاه" ثم يكمن للجيش المغولي "سيد الكمائن " مع الجيش المملوكي في عين جالوت فيقضي على الأسطورة المغولية, وينقذ الشرق الإسلامي من أذاهم, ويبدأ العصر الأكثر إدهاشا في التاريخ, أمة تشتري عبيداً من أقصى الأرض ليصبحوا حاكميها, وطغاتها, وأرستقراطيتها العرقية التي حولت المواطنين إلى طبقة دنيا لاتزاوجهم ولاتسمح لهم بالاقتراب من سدة المنتهى "الحكم"0.
فجأة يقفز إلى المشهد عبد آخر, إنه بيبرس البندقداري الذي يعمد إلى قتل قطز غدراً غداة معركة عين جالوت, ثم يهرع إلى مجلس المماليك "الأقوياء الجدد" غير المتمكنين, وغير المصدقين بما وضعوا أيديهم عليه, فليس من سابقة لما فعلوا, وعندئذ تتقدم "السيه ياسه" جواباً فيقتحم القاتل بيبرس السرادق معلناً: لقد قتلت السلطان !! ولا يفاجأ كبار المماليك بهذا, بل ربما كانوا قد علموا به من قبل, فلقد أجابه كبيرهم "بلبان": من قتله؟ فيعيد بيبرس الإعلان: أنا من قتل السلطان ! فيقول بلبان: تفضل ياخوند, فالعرش لك !
في انكلترا أوجد الإنكليز "الماغنا كارتا", وفي براري آسيا البعيدة أوجد المغول "السيه ياسيه", أما المماليك, فقد أوجدوا قانوناً جديداً أحضروه ولاشك معهم من براري آسيا, فقطز كان خوارزمياً, أما بيبرس فقد كان قفجاقياً, وكان القانون يقول: اقتل الملك, فتصبح الملك !
منذ ذلك الحين سيسود الشرق قانون جديد: اقتل السلطان, فتصبح السلطان.
وبدأ تاريخ الشرق المملوكي: اقتل الملك, فتصبح الملك... فما المماليك إذن؟ الحق أنك إذا ما درست تاريخهم وانقلاباتهم, وانتصارهم على قلاع صليبية, وحظهم العجيب في ظهورهم على السطح بعد الانتصار الاستراتيجي الذي أحرزه صلاح الدين وارث عماد الدين و نورالدين ؟ فلابد لك من السؤال, فما المماليك إذن, وما التراث الذي خلفوه وراءهم, وقانونهم ليس فيه إلا اقتل الملك لتصبح الملك, فأين الماغنا كارتا, وأين السيه ياسه, وأين حتى "وأمرهم شورى بينهم"؟ ... وبهدوء تكتشف أنهم لم يكونوا إلا مجموعة من الذئاب الجبلية القوية ينصبون أقواهم وأشدهم شراسة كبيراً لهم, حتى إذا ما خلع أنيابه مرور الأيام, وهشم أظافره كر الليالي قفز عليه ذئب شاب طامح مستغلاً ضعفه وشيخوخته, ويمزق الشاب العجوز كما مزق العجوز عجوزاً آخر من قبل. ومع ذلك فقد حاول بعض المماليك حين طال بهم الأمر في الحكم صنع أسرة حاكمة, أي أن ينقل حكمه إلى ذريته, وقد يستطيع ذلك بالاغراء والمصاهرة حيناً, وبالترهيب والقتل أخرى, ويستولي الابن على الحكم لأمد, سرعان ما يستيقظ شرط قطيع الذئاب القديم فيهم, فينقضون على الابن المترف ربيب القصور, وتمزقه الأنياب الذئبية, ويقفز ذئب شاب قوي إلى الحكم.
الإعلام والبروباغندة
حرص بيبرس - الذئب القادم من القفجاق والذي سمع ولاشك بكتاب اسمه الشاه نامه, حرص على أن يترك وراءه ملحمة يتحدث عنها وعنه الناس بإعجاب يجب ألا يقل عن إعجابهم بأبطال الشاه نامه, فطلب من كتاب مصر أن يضعوا له كتاباً لا يقل في بطوليته عن الشاه نامه, وبدأت العروض, بدأها ابن عبد الظاهر, فوضع له سيرة لم تعجب بيبرس سلطان مصر الذي لم يصدق في سريرته أنه قد صار سلطانا لمصر سيدة وسرة العالم الإسلامي منذ صلاح الدين فرفضها, ووضع له كاتب آخر هو ابن شداد سيرة أخرى "وهو مؤرخ آخر مغاير لابن شداد مؤرخ صلاح الدين", ولكن الكتاب الآخر لم يعجب بيبرس أيضا, وعندئذ تقدم كاتبان (سأترك توصيفهما للقارئ) هما الدويدار والدينوري باقتراح أن يضعا له كتابا يقرآنه عليه فصلاً ففصلاً, فما أعجبه أقراه, وما لم يعجبه محواه, و.... وافق السلطان !
كانا يقرآن عليه لأنه لم يكن يعرف العربية قراءة وكتابة, والمضحك أنهما جعلاه في هذا الكتاب يعلم المصريين الدين الإسلامي "في شخص عتمان بن الحبله " الرجل المتصوف, والمقرب من السيدة نفيسة شفيعة المصريين, والتي ستقول لهما حين يقعان في النوم "الأمر الذي سيذكرنا بأثينا وعابديها حين يطلبون مشورتها" ستطلب من عتمان الطاعة لبيبرس, ومن بيبرس الرحمة, وهذا هو العقد الوحيد الذي سنقرأ عنه في كل هذا الكتاب "الطاعة غير المشروطة" و... الرحمة من "السلطان الجديد", والرحمة أمر خياري تماماً, وسنذكره جيداً مع مطالبة سياسيي العصر المطالبين بالمستبد العادل. ثم جعلوا بيبرس يستولي على ثروات مصر المكنوزة والمعاصرة, فكلها متروكة له بالوصية من الكانزين !!!! أما الثروات المعاصرة فهو المنقذ لها من أيدي الفاسدين لإضافتها للمجهود الحربي !
وهذه الكنوز مطلسمة على اسمه لاتنفتح إلا على من قرأ نسبه الكامل أمام الجني الحارس ليفتح له أبواب كنوز مصر الأسطورية, ومن يعرف هذا النسب الشريف إلا بيبرس, المهم أن هذين الكاتيبن اللذين سيذكراننا بكتاب معاصرين سيشرعان استيلاءه على زراعات وصناعات وجمارك البلد كلها, والبدء في تقطيرها عطايا منه على أصحابها, والحق إنه كتاب مغر حتى لطغاة هذه الأيام في استكتاب مثيل له لو تمكنوا.

الفتوحات
كانت فتوحات بيبرس متواضعة إذا ماقورنت بحطين صلاح الدين, وبملاذ كرد التي انتصر فيها ألب أرسلان على الروم, وبالزلاقة التي انتصر فيها يوسف بن تاشفين على الأسبان, ولكن كل المذكورين لم يتح لهم دينوريهم أو دويدارهم ليجعل منهم بيبرس آخر, الرجل الذي بدأ حياته السياسية بقتل معلمه "قطز" وأنهاها بمحاولة قتل آخر وارث للبيت الأيوبي في دمشق حين أخبره المنجمون أن النجوم تقول إن ملكاً كبيراً سيموت هذا العام, فاستقدم الأمير الأيوبي المجوع لأيام ثم دعاه إلى العشاء لعله يكون الفداء, وقدم له كأساً من "القمص" مسمماً, والقمص شراب مسكر يصنع من حليب الخيل يحبه الأتراك, ولكنه أخطأ وشرب الكأس المسموم فمات, ونجا الأيوبي.
وصول نابوليون
كان الاصطدام المريع بين العسكرية الفرنسية العلمية وبين الفروسية الفردية الخارقة للمماليك البرهان على أن التنظيم, والخطط, والاستخبارات عن قوة الخصم أهم بما لايقاس من الشجاعة الفردية.
ولكن منظر المماليك في ثيابهم المزخرفة كالطواويس, ورشاقتهم, واندفاعهم بهر نابوليون, لذلك حين قرر بعد تحطم أسطوله في أبو قير أن يرجع إلى فرنسة اصطحب معه كتيبة من شبان المماليك حرساً شخصياً له بهر بهم ملوك أوروبة في رشاقتهم, وشجاعتهم, ودار بهم في أوروبة فاتحاً ومستعرضاً حتى وصل بهم إلى موسكو والتي بدأت نهايته منها.
نهاية الحرس المملوكي
يحدثنا العالم والمؤرخ علي باشا مبارك أنه عند وصوله إلى فرنسة في منتصف القرن التاسع عشر سمع الكثير من الحديث عن المصريين في فرنسة, فثار اهتمامه, وأمعن في السؤال عنهم حتى وصل إلى مرسيليا, وهناك تابع السؤال ليجد من يدله على مجموعة من العتالين, وسائقي العربات "الطنبرجية", وكانت أشكالهم أوروبية, فسألهم عما جعلهم يدعون أنفسهم بالمصريين, فقالوا إنهم بالفعل مصريون, ثم أضاف واحد منهم بصوت مختنق يحدثه عن سقوط حاميهم بونابرت, ومطاردة الفرنسيين لكل من ينتمي إليه, ولما كانوا لا يجرؤون على الرجوع إلى مصر بعد أن تخلوا عنها في محنتها أيام بونابرت, وبقوا في فرنسة ليهبطوا ويهبطوا حتى يلقاهم علي باشا مبارك في مستنقعهم في مرسيليا.
النهاية
قدم المماليك إلى مصر عبيداً, وقتلوا آخر ملوكهم طوران شاه, واستولوا على الحكم لما يزيد عن المئتين والخمسين عاماً أصلاء حصراً, ووكلاء عن الا مبراطورية الجديدة "العثمانية" لثلاثمئة سنة أخرى. استولوا على الحكم, وشكلوا أرستقراطية عسكرية منفصلة تماماً عن الشعب "القلاحين" كما دعوهم, ودخلت كلمة "فلاحين" بهذه الصيغة حتى اللغات الأوروبية, انفصلوا عن الفلاحين في تمييز عنصري يذكر بالانفصال العنصري البغيض للرس عن السلاف - الشعب الأصلي في تلك البلاد.
استغلوا ثروات المجتمعين المصري والشامي حتى القطرة الأخيرة, ولما لم تتح لهم الفرصة المتاحة لطغاة أيامنا بوجود مصارف سويسرية تودع فيها ثروات الأمم المنهوبة, فقد حولوا ثرواتهم الهائلة إلى استثمارات لما بعد الموت, فأقاموا مقابر خيالية في جمالها المعماري المسماة بالقرافة, ثم أقاموا المساجد والخانقاهات, وأقاموا لها الأوقاف حتى يستبقوا من يرسل لهم بالحسنات والدعوات الطيبات بعد الموت.
والآن وبعد هذه المقدمة عن المماليك ومافعلوا... تماسك طبقي عنصري ليس من السهل اختراقه, وظيفة عسكرية لا تقبل أحداً من الفلاحين بين صفوفها, بل هي لاتقبل إلا الأجلاب "المماليك الجدد" المستقدمين دورياً من الأرض الأم, الاضطهاد الاقتصادي غير المحدود لأهل البلد والدعاية الهائلة التي سنها أستاذهم بيبرس للترويج لشرعيتهم0.
والآن هل نستطيع القول إنا تعرفنا على جذر الطاغية العربي في ادعائه إنقاذ الوطن, وفي تأميمه, أي استيلائه على كل ثروات الوطن, وها نحن نرى كيف بحث الطاغية المعاصر عن أب يهديه إلى طريق الطاغية الحق, فوجده في المانيفستو الذي ندر أن تجد له مثيلا إلا في سيرة البطل المنقذ, والذي ظل الطغاة يتدارسونه حتى أوصلونا إلى الكارثة المعاصرة... "سيرة الملك الظاهر"
خيري الذهبي
khairyalzahaby@hotmail.com

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow