Alef Logo
مقالات ألف
              

الهوية الماضوية والعصر

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-02-25

في سورية , وهي البلد العربي الأعلى صوتاً في طلب العربية والعروبة, والصحراء "المنقذة " وهي نظرية-طرحها, ونادى بها مؤرخون ومفكرون سوريون منهم الدكتور ذوقان قرقوط وهو أستاذ جامعي ومفكر, ومدرس للآداب العربية هو أسعد علي, وزكي الأرسوزي, والغريب أن كثيرين تبعوهم في إيمانهم بأن المنقذ لهذا الإقليم الجميل بطبيعته والمظلوم بحكامه هو الصحراء, البراءة, النقاء, إلى آخر مالديهم من أوصاف تكشف حنينهم إلى العدالة وطفولتهم الصحراوية.

وهناك طرفة تتحدث عن واحد من هؤلاء الباحثين عن الجد الصحراوي المنقذ أنه صحب عدداً من طلابه إلى الصحراء محاولاً "إنقاذهم", وهناك اتجهوا إلى خيمة قريبة وصلوا إليها بعد عناء وعطش. نظر الأستاذ إلى طلابه في اعتزاز وهتف يحيي البدوي في الخيمة بلهجة خطابية: مرحباً يا أخا العرب!!! فنظر إليه البدوي في ثيابه الأوروبية "البدلة" و"الكرافات" والقميص الذي كان أبيض قبل الرحلة وإلى "الكرافات" أرخيت شدتها قليلاً فتدلت لجعل الرقبة والصدر يتنفسان في حر الصحراء الذي كان يشويهم, ورد البدوي في استغراب: ايش تكول ياخوي ؟

نظر الأستاذ إلى تلامذته في حرج, ثم تماسك وهتف مكرراً: مرحباً يا أخا العرب !, أدار البدوي ظهره لهؤلاء المتفرنجين بنظاراتهم الشمسية الغريبة وكاسكيتاتهم الملونة تحميهم من الشمس والذين لم يستطع كل هذا التنكر أن يخفي بلديتهم ومحليتهم.

هذا اللقاء الكاريكاتوري بين عقلين ومنطقين ورؤيتين مختلفتين... والأنكى من هذا كله, ونوعين مختلفين من الثياب يشيان بهويتين مختلفتين. هذا اللقاء ربما يعكس الأزمة الروحية التي لم يستطع البعث حلها, فقد حمل إلى سورية أفكاراً أوروبية المنشأ, ألمانية في معظمها, وحاول" تكفيتها" تنزيلها حفرا كالحفر على النحاس, على بلد يدين أكثريته بالإسلام السني, فنبش في التاريخ باحثاً عن مرحلة يقر الجميع على أنها الزمن الأزهى في تاريخ سورية, فوجدها كما سيجدها الإخوان المسلمون فيما بعد في الفترة الأولى أو القرن الإسلامي الأول, وربما كان هو السبب في صراعهما الدموي الذي خرب سورية منذ الثمانينات وحتى اليوم, فهما يعضان متجاذبين قطعة لحم واحدة, إنها مرحلة الخلفاء الراشدين, وقد يتسامح الطرفان فيمدانها بعض الشيء, أي إلى بعض الفترة الأموية, فالسلفيون من متشددي السنة يجعلون بداية الخلافة الأموية هي بداية "الملك العضوض" أي انتقال الحكم من "وأمرهم شورى بينهم" أي حكم السلف الصالح... إلى حكم الأمويين الذي استعار معاوية فيه الطراز البيزنطي في الحكم, فاستعار منهم أدواتهم الإدارية والبيروقراطية, واستعار منهم النمط الروماني في تكتيك بناء الجيوش الدائمة بديلاً عن الميليشيات المتقلبة, التي يمكن أن تكون شديدة الإيمان, شديدة الإخلاص, و... شديدة الملل, ميلشيات يمكن لها أن تتفكك بسهولة فأمرهم ورأيهم مرده إلى قناعة الرجل الشخصية وإيمانه بالقائد الذي يقوده حتى ليقول علي بن أبي طالب في إحدى خطبه بما معناه : تمنيت لو كان لي بكل عشرة منكم واحدا من جند الشام0000 وكان يعني المنضبطين, وليس منفلتي الميليشيات الذين يندفعون وفقاً لهواهم وقناعاتهم... وهكذا تغلب المحترف على رجل الميليشيا, وقد رأينا الصدام بين المذهبين العسكريين, بين جيش معاوية بيزنطي التنظيم دربه الشاميون المسيحيون من بني تغلب وبني كلب, فأدخلوا فن تشكيل الكراديس, والكراديس المقنفذة, وهي الكراديس التي تتحرك محمية بالرماح الموجهة إلى الخارج... وبين الميليشيات التي تخلت عن أميرها الشرعي علي بن أبي طالب وتفككت, وطالبته بالاحتكام إلى المصاحف, إلى آخر ما حدث في تلك الحرب الأهلية التي ستجر وراءها حروباً وحروباً, وتستطيل حتى يومنا هذا.

انشق الإسلام, فشق العائلات , وشق الأخ عن الأخ, وابن العشيرة عن العشيرة, وكان آخر ماوصل إليه فصيل انشق غاضباً عن المتحاربين, هذا الفصيل أسموه بالخوارج.

كان الصراع غير المعلن صراعاً بين بطنين من قريش, بطن يصرح بأن الإمامة في قريش, وبطن يقول بأن الإمامة حق لعلي, أما الفصيل الذي أسموه بالخوارج, فرأى رأياً آخر حين رأوا الحرب المدمرة تكاد تأكل كل شيء فاتفقواعلى قتل مسببي هذاالشقاق, معاوية وعلي وعمرو بن العاص, وترك الأمر للمسلمين يختارون إمامهم من بين الأصلح بين المسلمين ولو كان عبداً حبشياً, غير مكترثين بالصراع بين القرشيين أو الهاشميين والعبشميين فالكفاءة هي الحامل الوحيد إلى سدة الإمامة.

وكان هذا الخيار هو الأصلح في رأيي للمستقبل الإسلامي لو تم , أي الديموقراطية الكاملة, وليس الأوليغارشية الهاشمية أو الأموية, ولكن الخوارج لم ينجحوا لأمر أراده الله في التخلص من رؤوس الإسلام الطامحين إلى السلطة, وكان الضحية الوحيدة الرجل التقي أكثر مما يجب لرجل سياسي أي علي بن أبي طالب.

ونعود إلى سورية صاحبة الصوت الأعلى المنادي بالبعث العربي قافزين فوق ألف سنة حكم الإقليم العربي فيها أقوام جاؤوها من آسيا العميقة "العرق الطوراني" حاملين أسماء متراوحة بين سلاجقة ومماليك وتتار وجغتائيين, وأخيراً تركمان وعثمانيين, ثم, أخيراً جداً جاء الأوروبيون.

وكان السؤال الذي قفز فوقه البعثيون والقوميون عموماً, بخفة :هل مرت الشعوب العربية عبر هذه الألف سنة محتفظة بعذريتها القومية والفكرية, و.... الثيابية, أم أنها أصبحت الخليط من كل هذه المؤثرات, والأفكار, والأيديولوجيات, والثياب.

ونعود إلى صديقنا "مرحباً ياأخا العرب" والذي كان الاصطدام الأول بين طرازين من الثياب, أي بين الشكل الخارجي للثقافتين اللتين اصطدمتا تحت "أخا العرب", فالأستاذ وتلاميذه جاؤوا يحملون آخر نسخة من الثياب العالمية, وأعني البذلة الغربية التي اصطدمت مع طرز من الثياب التي لا أستطيع الجزم إن كانت محلية التصميم, أم أنها دخلت إلى المنطقة مع غاز ما.

لكنك إن عدت من الصحراء إلى المدينة فستجد فسيفساء ثوبية تعكس تاريخ الغزاة وتمسك السوريين بها وكأنها صلتهم الوحيدة بالعالم, وستجد متقدمين بالسن ما يزالون يلبسون القمباز ظانين أنه الهوية المحلية وهو ثوب كان يلبسه غازٍ فارسي كان اسمه قمبيز, ثم طواه التاريخ, ولكنه ترك لنا قمبازه, أو تجده يلبس الكلابية وهو طرز من الثياب اللاتينية التي كانوا يسمونها "كاميسا", والتي عربت ب قميص, وأنا أعرف أن بعض المعترضين سيحتجون بأن كلمة قميص عربية, ولديهم الدليل في مقولة "عثمان بن عفان رضي الله عنه" حينما طلب المتمردون إليه الاستقالة, فقال قولته المشهورة: "ما كنت بخالع قميصا قمصنيه الله" وينسى المعترض أن اختلاط التجار والزوار ورجال "الموضة" الحجازيين والشاميين في رحلة الشتاء والصيف قد نقلت إلى الحجاز والجزيرة العربية كثيراً من المستحدثات, ومنها مفردات لغوية, ومنها ثياب وسلاح. ثم ننتقل إلى الشروال وهو ثوب عملي يلبسه الكثيرون في الريف, ومن الواضح أن اسمه مشتق من الفارسية سروال, أومن سراويل , وستجده في صيغ كثيرة مثل سروال, وسربال, وسراويل , وستتساءل: وإذن فماذا عن الطربوش, هويتنا وغطاء رأسنا الذي يمثلنا ويدفع عنا الحر والقر, ولكنك ستضحك حين تكتشف أنه قبعة نمساوية تسربت إلى الدولة العثمانية المجاورة للنمسا في الأملاك, فلبسه النبلاء والباشاوات ثم تبعهم التجار والبيروقراطيون, وأصبح زياً وطنياً في مصر والشام والمغرب, ثم تخلت عنه النمسا, ثم لحقت بها العثمانية التي أصبحت التركية, ولكنه أضيف إلى موزاييك الثياب التي تركها العابرون والمقيمون في بلد سيسمى سورية..

أما المعطف الطويل, أو البدلة المحكمجية التي كان كبراء الدولة العثمانية في الولايات القريبة والبعيدة يلبسونها في القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين وهو نوع من بدلة الفراك الأوروبية استعرناه وتمسكنا به حتى بعد أن تخلت عنه أوروبا, واستبقيناه حتى وصل الاحتلال الفرنسي فحمل إلينا البدلة الأوروبية المعاصرة, وأنا أذكر في طفولتي مقاومة المحافظين, أي لابسي القمباز والبدلة الفراك للابسي البنطلون حتى اتهموا لابسي البنطلون في شرفهم ودينهم, وجعلوا دخولهم للجامع مكروهاً ومرفوضاً, فلابس البنطلون إذا ماسجد أبدى مؤخرته حين ينشد البنطلون فوقها. ألا يخجل من فعلته, واستطاع المتشددون لزمن لا بأس به تحريم دخول لابسي البنطلون إلى المسجد خوف الفتنة !!

ثم دارت الأيام, ومضى الكثيرون إلى دول النفط يعملون, ويتعلمون الذوبان في المجتمع عن طريق التماهي في الثياب, ثم رجعوا ومعهم الدشداشات التي صارت الزي شبه الرسمي لمؤدي صلاة الجمعة, وفي المنزل والجوار القريب.

وفرضت الثياب الأوروبية التي قدمت مع فرنسة نفسها, وفرضت أسماءها التي مانزال نستخدمها حتى يومنا هذا؛ جاكيت, بنطلون, صباط, كلسات, كلسون, كمباليزون, وقميص, ولا أنسى حواراً سمعته في زمن التحجب هذا حين لجأت النسوة إلى لبس التنورة الطويلة المسماة باللغات الأوروبية "الماكسي" أي الأطول أوالأعظم, فسمعت قريبة كهلة لي تقول: الله يكسي اللي لبسنا المكسي = الماكسي, فصارت كلمة ماكسي عربية أصيلة العروبة, أليست مشتقة من فعل كسا يكسو! رغم أن أنواع التنانير المعروفة في اللغات الأوروبية هي ميني, وميدي, وماكسي, ولكنه القميص الذي لبسه عثمان, فصرنا نراه عربياً.

والآن ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين, قرن المتغيرات الكبرى في العالم, وقرن الأمم الجديدة متجاوزة القومية, ومعيدة بناء الإمبراطوريات التوافقية, أو الدول المتحدة اختيارياً, وليس تحت ضغط حاكم قوي استطاع تجييش الجيوش وبناء الامبراطورية, الأمر الذي فعله الفرعون المصري رمسيس, والآشوري سنحاريب, والإسلامي معاوية, والعثماني سليم الأول, إلى آخر قائمة الملوك الذين صنعوا امبراطوريات قهروا فيها شعوباً لصالح شعوب ينتمي إليها الملك, فانقلبت عليها منذ القرن التاسع عشر أمم القوميات, وتسبب هذا الانتقال بين شكلي الحكم بالمذابح العالمية التي سميت بالحروب العالمية, وكان آخرها الحرب الكونية الثانية التي كلفت البشرية مايزيد على الخمسين مليوناً من أبناء البشر, هذه الحروب التي زرعت كراهية, وزرعت حقداً, وزرعت ثارات ما كانت البشرية في حاجة إليها بين القوميات.

وهاهو القرن الحادي والعشرون يدير ظهره لهذا النوع من العلاقات السياسية, ويعود إلى النظام الامبراطوري الاتحادي هذه المرة, امبراطوريات عابرة للقوميات, وعابرة ل"أخا العرب", وأخا الكرد, وأخا المسلم, وأخا المسيحي, كالامبراطورية في أميريكا "الولايات المتحدة", والامبراطورية الأوربية "الاتحاد الأوربي".

ويأتي المبشر بالصحراء المنقذة فيوقعنا بين يدي أعتى نظام أمني عرفه العالم الثالث تحت اسم القومية العربية التي لم تقدم لنا إلا أعتى الطغاة !

والآن, وهاهي الثورات في العالم العربي تعلن إسقاط الأنظمة الأمنية, أليس من المنطقي أن تسقط معها الأنظمة القومية لتبحث عن امبراطورية توافقية ائتلافية جديدة, امبراطورية عابرة للقوميات جديدة, امبراطورية كالاتحاد الأوروبي حيث لا طوائف, ولا أعراق, بل اتحاد توافقي ديموقراطي يحفظ للجميع حقوقهم.

خيري الذهبي
khairyalzahaby@hotmail.com


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow