Alef Logo
يوميات
              

وللريح أغنية

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2013-02-21

-1-
ولمّا أدركتْ قدومه ...
مَشتْ الهوينى وتخلفتْ عن الرفاق، أقفلتْ عينيها وأصغتْ بِكُلِّيتها. استنشقته، زفرته، تحسسته، فلامسها ولامسته. لّف بذراعه عودها النحيل، وانطلق مجدداً في العراء الفسيح ثوراً هائجاً، يطرق بمنخريه، ويستعرض الفحولة.
جاءها حَروراً، صَرصراً، هَجوماً، عاصفاً، راعفاً.
جاءها حَنوناً، بَليلاً.
جاءها نسيماً.
- يا ريحي .. يا حبي الأزلي
داعبَ لؤلؤ أُذنها، وأطبق بشفتيه جهاراً على ما ظهر منها. أسدلت شعرها الطويل الدامس فطار فراشةً على عُشب صدره. من تحت غلالتها دس يده، فتهالك، وعجز.
- احكِ لي، ولا تتوقف.
سمّرت ناظريها على قرية ثكلى، تُقارب في حدادها الأرملة السوداء. وفي الحال عربش الضباب في عينيها، وأحال مشهد الأحراش أمامها إلى ألواح محطمة، وَخَزتها، فانساح الندى على وجنتها.
- قُصّ لي عن حكايا التيه، عن الفقدان، عن قوم لازال يبحث عن أغنيته.
عن قوم هجر ألهة واتخذ ألهة، فلعنته الأولى ووقع في شرور الثانية.
أو عن نسر كسر جناحه فأتقن الوثوب ، والزقزقة.
هات يا ريحي، ولنحييّ بعض ما شاء أن يَفنى.
- القصدُ من هجران حبيب، البحث عن حبيب آخر.
- أوَتعني الأوطان؟ لا حاجة لنا للعبِ الكلام!
همس في أذنها بعضاً من الأسرار، وسبح إلى فضائه.
لسعتْ شفتيها بنار أسنانها، انسل منها خيطاً أحمراً حارقاً، وصرخت في إثره:
- دعني من الحكايا، ما من حبيبٍ ..... إلاكَ.
-2-
اترك لها
أغنية حزينة
اترك لها
أغنية جذلى
اترك لها قبلة بطعم السفرجل،
قبل أن ترحل
فتَحيا
-3-
الأغنية .. كانت في البدء
النوافذ الخشبية العالية مفتوحة على الملأ والنارنج، مفتوحة على الضوء المغسول، مفتوحة على أصوات الغائبين، على الحواري الثرثارة كذاكرة غراب، والأزقة العتيقة العابقة بالرطوبة وفوح الياسمين، مفتوحة على الشوارع السوداء البازلتية الحارّة، فمن توقدها الغاني كان نصيب ولادتنا.
النبيذ الحلو كمسحة راحتيكَ، ملأ فراغ الكلام، وشدَّ القُبل للسَلام. النبيذ الحلو كغزل أصابعكَ على الفرشاة، شدّنا لغَزْل الجسد ورسم الخطايا بحرارة الألوان، فطرحتنا المدينة، كل المدائن، خارج أسوارها ونبذتنا مارقين، أشقياء.
كسحليتين تسابقنا وسلطان الشمس، وحُمى الرمل. كسحليتين مُمجَّدتين وقفنا على الصخور، وبأنفة غريبة زرعنا أنفاسنا في الريح، لهونا بين الحشائش، ولَطّخنا ذيلينا بالطين. تسلّقنا سيقان الأشجار، ومن صدور التين والأعناب سرقنا السُّكر والتهمنا شفتينا.
ارتحلنا دروباً، ارتحلنا سهوباً وشموساً. ولجنا غاباتٍ وخمائل، وعبرنا صحارى وواحاتٍ، حتى أَهلكنا الرَواح والاتيان، أهلكنا السفر والتجوال، أهلكنا السؤال المِلحاحُ.
- إني عائدٌ لمدينتي .. لأغنيتي
أَفلتَ أصابعي من يده، وافترقنا.
جرفتني الريح إلى مُدنٍ قائظة، إلى أحياءٍ باردة، بين جدران خاوية. في فراغٍ ثقيل تأبطتُ ظلي ومشيت وحيدة، ركضتُ وبكيت، كُله وأنا وحيدة.
دنوت بمشعلي، وطرقتُ عيوناً ناحبة مهجورة ، عيوناً مُلتاعة زائغة ، عيوناً مُنكسرة، مفجوعة ، عيوناً منكوبة، مُحتَضرة.
هناك ..
هناك .. تنتصب الأغنية عارية
هناك سهولنا، هناك جبالنا، هناك بحورنا
هناك مراكبنا المرتحلة أبداً.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الأسد يرقص مذبوحا من الألم

14-كانون الثاني-2017

كلما اقترب موعد اجتماع الأستانة ، كلما رفع الأسد من وتيرة قصفه المجنون للمدنين، وكأنه يريد أن يقضي على أكبر عدد ممكن من السوريين، ومن الحضارة السورية عقوبة قاسية لأنهم...
المزيد من هذا الكاتب

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

البلوكات التسع

08-تشرين الأول-2015

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow