Alef Logo
دراسات
              

القلق الأبدي الموت .. الضيف الثقيل، الضيف الأخير

أحمد بغدادي

خاص ألف

2013-02-13

في المعتقدات والإسلام 1/2
"الموتُ يأخذ شكل الأشياء التي نموت بواسطتها"
***
منذ العصور القديمة إلى عصرنا هذا دأبت المجتمعات جلها إلى التعامل مع فكرة الموت ــ مادياً ــ أولاً، بالتفكّر العقيم المتعدد من حيث لغزه، والتأمل الطويل غير المجدي تجاه هذا الحدث الذي يؤرق كل إنسان على وجه الأرض ويأخذه إلى عوالم مجهولة لم يجربها كغيره على أنه اللحظة الفاصلة بين ما كان عليه وما سيكون عليه حينها؛ وأخذت المجتمعات القديمة إلى اتباع طقوس وعادات في مراسم الموت تختلف بين بعضها البعض حسب الثقافة والبيئة والديانة المُتّبعة. وإلى يومنا هذا، هنالك شعوب و( قبائل ) تعيش بذات العادات متبعةً أسلافها، محافظةً على ما كانوا عليه تجاه التعامل مع طقوس الموت وحيثياته وأبوابه في الحزن والعزاء والتعامل مع الميت من خلال طقوس حرقه أو رميه في البحر وغيرها أو وضعه في قارب يأخذه إلى أسلافه كما يعتقدون في رحلةٍ سرمدية إلى العالم الآخر ..
تغيّرت معظم العادات هذه بعد انتشار الإسلام في بلادٍ كثيرة في الماضي القريب وأخذت تتلاشى شيئاً فشيئاً مما دلّ على تأثير الدين وتفوقه على الموروث المتراكم مدى قرون لدى بعض المجتمعات المعروفة باتباعها هذه الطقوس وتعاملها مع الموت كحدثٍ له باع طاغٍ على المساحة العقلية أكثر من الأحداث الأخرى ــ المعيشية ــ وغير ذلك من مسببات الحياة.
فالتعامل مع فكرة الموت شيء صعب جداً، يتغير التفكّر فيه على حسب الوعي الثقافي والديني والاستيعاب العقلي بين الجماعات والأفراد على شكل خاص.
من هو الموت؟ .. ما هيته؟ .. مذاقه؟ .. سؤالٌ بعيدٌ عن الديانات، بعيد من حيث التعمق فيه لدى الفرد ــ الآدمي ــ فقط، بلا انتماء أيديولوجي . هل هو الحُـلم السرمدي الذي لا ينتهي وتتقلب فيه العتمة والأضواء على شكل صور مبهمة لا يفقهها الميت والحي في آنٍ واحد ؟!!
أم الرحلة القسرية لكل شخص على وجه الأرض تأخذه مرغماً دون أن ينتبه أو يتجهّز لها ككل مسافر؟!!.
يصطحب الموت أو فكرته الآدمي إلى عوالم مجهولة توصله إلى حد التجمّد الفكري ــ الجنون المؤقت ــ أسئلة لا أجوبة عليها ولا حتى الخيال يستطيع أن يحدد جزءاً بسيطاً يلمس به المتفكّر بصيص نورٍ ضمن كلاحة المسألة وتعقيداتها المتداخلة ببعضها كحلقات داخل حلقات لا تنتهي متشابكة بقوة لا يرى نهايتها بصرٌ ولا يدٌ تمسك أواخرها ..؟!

الموت القلق الأبدي
في كتاب لغز الموت للدكتور مصطفى محمود يقول: ( الموت لا يعني أحداً ... وإنما الحياة هي التي تعني الكل).
ويضيف: ــ من الذي يموت إذاً؟..
الميت..؟
وحتى هذا .. لا يدري مصيره. إن الجنازة لا تساوي إلا مقدار الدقائق القليلة التي تعطل فيها المرور وهي تعبر الشارع !.
و هي عطلة نتراكم فيها العربات على الجانبين .. كل عربة تنفخ في غيرها في قلق . لتؤكد مرة أخرى أنها تتعجل الوصول إلى هدفها .. و أنها لا تفهم .. هذا الشيء الذي اسمه الموت. ما الموت و ما حقيقته..؟ و لماذا يسقط الموت من حسابنا دائماً . حتى حينما نواجهه.
ومن طرحه علمياً أيضاً كما نعرف جميعاً أن ملايين الخلايا في أجسادنا تموت يومياً وتحيا غيرها دون أن نحسّ أو نحمل لها قيمة معنوية في ذواتنا ونفكر في أننا نفنى كل يوم ونتجدد لمرحلة ما في العمر محددة بعدها لا تعوض أجسادنا تلك الخلايا أو الكريات الحمر التي هي جزء منا يموت كل يوم وتدفن فينا لتخرج غيرها...
فالحيوانات المنوية تأتي بالملايين وتموت بالملايين ليبقى حيوان واحد يلقّح البويضة، ولنفرض أن التكوين الجيني لهذا الحيوان لم يكن نحن، أي أن حيواناً آخرَ غير الذي لقحَ البويضة عاش ومات الحيوان المُـختار للتلقيح قبل تلك العملية ...!
فمن منا سيكون عليه هذا الجنين ؟!!
فتكويننا هو عبارة عن موت متسلسل ــ يومي ــ في كل شيء يخصنا ولا يخصنا...!
هو فضيلة كونية وقلق بشري أزلي .. فضيلة لاستكمال دورة الحياة في كل جوانبها وميزاتها الموجودة أو التي يوجدها الإنسان..
هو اليد الخفية التي تجتث كل شيء لتزرع عوضاً عنه تماهياً مع الأول .. مُـقلّــم الحياة من أطرافها ضمن نسب متفاوتة على المدار اليومي بخصوص كل شيء ــ إنسان، حيوان، نبات ــ
فهذا الموت المؤقت في دواخلنا له معيار الموت الأكبر ــ النهائي ــ .. فالأفكار تحيا وتموت، والمشاعر، واللحظات أيضاً، وكل شيء أمامنا في الطبيعة يموت ويتجدد أمام أعيننا ولا نلفت له بالاً ولا انتباهاً أو نفكّر للحظة أن شيئاً يموت أمامنا هو جزءٌ لا يتجزّأ منا وهنا تكمن الإشكالية الدائمة في فلسفة تسلل الموت إلينا دون أن نشعر به حتى !!.
إن الموتَ بمعناه الأزلي للبشري هو هاجس دائم وصراع تاريخي داخل العقول على مدى العصور، فماهيته لا تُـدرك ولا شكله حتى، فمن هنا يأتي القلق السرمدي عند الخليقة من ناحيته، فهو المخترع الأول للقلق ومسوقه بوجهٍ واحد دون أن يبدي وجهاً آخر له.. ليس له سقف ولا قاع ولا جوانب! متسع أكثر من المدى وعميق أكثر من الكرة الأرضية بكثير بكثير!، عنده يقف الزمن وتتوقف اللحظات ويجمد الوقت وتُـصلب الحياة على صليب المبهم، وهذا ليس فيه لبس.
الموت في المعتقد الديني ( الإسلامي )
كما يعرف جميع المسلمين صغاراً أم كباراً علماء أم غير ذلك أن لذكر الموت أبواب في الإسلام من ناحية النظرة الخاصة به ومعتقدات لا تتزحزح منذ ظهور الإسلام وتوسعه في العالم إلا إذا كان هناك اجتهاد من قبل عالم ما بما يفيد أو لا يضر السنة النبوية تجاه أحاديث الموت أو الخروج باجتهاده عن النص القرآني.
فالدين الإسلامي يصوّر الموت على أنه حدثٌ لزومي جليٌ كما صورته الأديان الأخرى والجماعات الملحدة، غير أن الإسلام أتى على ذكر الموت وتفصيله ونتائجه بالنسبة للمسلم وللكافر.
فهو المخرج السعيد للأتقياء والسجن المظلم للأشقياء من المشركين الكفار. الفراش الوثير والمضجع المثير والجائزة الأولى التي تضيء القبور وتوسّــع اللحود وتزرع الفرحة على الشفاه والخدود، هذا بالنسبة للذين عملوا عملاً صالحاً واتبعوا هدى الله وتعليمات القرآن والرسول الأعظم ( ص ).
أما المشركين كما ذكرنا أُعدّ لهم الموت القاسي في سكراته وما بعده لهم جمراته وويلٌ في القبر ويوم الحساب .
فإن أخذنا الموت في الإسلام من الناحية الدنيوية عند الملتزمين دينياً فلا نستطيع أن نزيد على ما قلنا من حيث التفكير بما بعده من جوائز وجوارٍ في الجنان وغلمان وأكلٍ طيب ومسقى لذيذ، وهذا يفيد أن القلق عنده كآدمي موجود لكن ليس بالصورة والنسبة التي يفكر فيها الآخر غير الملتزم بالمعنى " الفكر الديني ".
في فضل ذكر الموت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثروا من ذكر هادم اللذات ) حديث أكثروا من ذكر هادم اللذات أخرجه الترمذي وقال حسن والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وقد تقدم ومعناه نغصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونهم إليها فتقبلوا على الله تعالى.
ففضل ذكر الموت عند المسلم ــ المؤمن ــ يقود إلى جفاء الدنيا ويجعل صاحب الذكر مستعداً لدار الآخرة ويبعده عن ملذات والدنيا والانهماك في ملاحقتها.
فـ" تحفة المؤمن الموت " حديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرسلاً بسند حسن.
فلقد عدنا هنا إلى المذكور آنفاً بأن الموت هدية جميلة للمؤمن لما فيها من سعادة ونعيم ورخاء بعده كما ذكرت الأحاديث والنصوص القرآنية.
فالموتُ في الإسلام له طقوس من حيث الغسل والصلاة والجنازة والحزن والعزاء، فقد نُـهي في الإسلام عند حضور الموت أحدهم ألا تلطم الخدود عليه ولا تشق الثياب ولا يعلو العويل والنحيب وخاصةً من قبل النساء.. فهذه الطقوس محظورة رغم أن البعض من المسلمين لا يتورعون عن فعلها حيث أنها ردة فعل اعتباطية دون شعور موجّه من قبل ذوي الميت مما يوجب عليهم الإثم في هذه الأعمال.
وكما ذُكر أن ملك الموت ( عزرائيل ) عندما يحضر إلى الشخص الذي يريد قبض روحه يتعامل معه على حسب أعماله ومدى التزامه بالدين وحيثياته، فالعاصي أو الكافر تقبض روحه بألمٍ وكره ووجه قبيح لملك الموت .. والمؤمن عكس ذلك تسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ببساطة وغير ذلك من حسن اللقاء.
فهل هذه الأمور ــ ميثولوجية ــ ؟! على سبيل المثال أن أحداً لم يمت ويعود كي يصف ما جرى معه أثناء الموت وخلال رحلته.
فالطرح القرآني والأحاديث النبوية في هذا الباب تؤكد تفاصيل الموت ما قبله وما بعده بالنسبة لكلا الطرفين من الناس ــ مؤمنون ــ مشركون ...
((قيل ولما حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك؟ قال: ما أبكى جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وعلى قيام الليل في الشتاء.. ولما حضرت فضيلاً الوفاة غشي عليه ثم فتح عينيه وقال وابعد سفراه واقلة زاده. ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه اجعل رأسي على التراب فبكى نصر فقال له ما يبكيك قال ذكرت ما كنت فيه من النعيم وأنت هو ذا تموت فقيراً غريباً قال اسكت فإني سألت الله تعالى أن يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء ثم قال له لقنِّ ولا تعد علي ما لم أتكلم بكلام ثان)).
فمن هنا يأتي باب الاطمئنان أو عدمه بالنسبة للمسلمين قاطبةً حسب القرآن والحديث.
الموت والقبر ..الآيات القرآنية ــ تحذير وتبشير ــ
هنالك الكثير من القصص والروايات والأحاديث التي تفردت بشكل خاص عن الموت والقبر، ولن نستطيع الولوج فيها جمعاً لضعف بعضها وكثرتها؛ نكتفي ببعض المسائل المسندة القطعية كالآيات القرآنية وبعض الأحاديث المخرجة والمسندة بسندٍ صحيح .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 102).
في الآية أعلاه يقول سبحانه وتعالى للمسلمين ــ عامة ــ أن يتقوه، هنا من باب التذكير والتحذير في آن واحد ومن ثم يكرر التذكير والتحذير في ألا تموتن إلا على الإسلام.
وهنا نقول إن ليس كل مسلمٍ بالضرورة يجازى بالنعيم ويربح ما يربح غيره مما وعد الله في قرآنه الكريم.. فالمسلمون درجات، منهم العاصي ومنهم الغافل أو اللاهي عن الدين ...إلخ، فحق البشر على الله في الجنات والنعيم موجود للمؤمنين ولم يذكر الله المسلمين فهم كما ذكرنا درجات في العبادة والالتزام الديني.
فالموت والقبر تتفاوت درجاتهما حسب تفاوت العبادة ونسبتها بين المسلمين.. وهذه حقيقة محضة استناداً للآيات القرآنية التي تطرقت إلى هذا الموضوع كالآيات الثلاث 9 / 10 / 11 في سورة " المنافقون " (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11 ).
تتطرق هذه الآيات إلى المسألة المذكورة آنفاً على أن من ينشغل عن ذكر الله بالمال والبنين هم الخاسرون عندما يأتيهم الموت، ويذكر الله بأنه خبيرٌ بما يعملون في الدنيا وما صنعوا ويصنعون.
فالقبر هو المسكن الثاني الذي يقودك إليه الموت ويكون كما ذكر رسول الله ( ص ) في الحديث عن شرّه للذين لا يؤمنون بالموت وما بعده حيث يقول (عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا " صحيح الترغيب والترهيب ح/8553".

هوامش:
ــ لغز الموت / د. مصطفى محمود
ــ إحياء علوم الدين ( كتاب ذكر الموت وما بعده ) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي.
ــ حقيقة الموت وأهوال القبور/ سيد مبارك
ــ حدائق الموت / محمد بن عبد الرحمن العريفي
ــ أهوال القبور الباب السادس / الحافظ بن رجب الحنبلي
ــ الحب والحرب والحضارة والموت / فرويد

نهاية الجزء الأول
خاص ألف /
يتبع ...

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

"ثلاث قصائد لمنفى الحب"

20-أيار-2017

أيتها البلاد القتيلة

08-نيسان-2017

جنس الجنة.. المكافآت والغيب!!

25-آذار-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow