Alef Logo
مقالات ألف
              

إنهم يقبلون يد الشيطان

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-02-08

في تسعينات القرن الماضي كنت على موعد مع مدينة القامشلي للقاء أدبي, وكنت لم أزر محافظة الحسكة منذ حوالي العشرين عاماً بعد أن انقضت سنتا التدريس الإجباريتان وغادرت.
كانت محافظة الحسكة بعيدة نسبياً عن العاصمة ولذا فقد عمدت السلطات التي سبقت انقلاب البعث إلى مضاعفة الراتب الشهري لمن يعمل في الحسكة, ثم خفضته إلى النصف, ثم جاء البعث فأزال الفارق ( فالثوريون أي الموظفون في دولة البعث لا ضرورة لرشوتهم ), وصار الموظفون يتأففون في انتظار يوم الإفراج عنهم للعودة إلى محافظاتهم, وكان هذا من المبادرات البعثية الأولى لرفع مستوى التعليم في الحسكة وصناعة الوطن السوري!!.
كانت محافظة الحسكة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ما تزال بريئة رعوية يخترقها نهر كبير اسمه الخابور, فعمد بعض "الكييفة" من أهالي الحسكة إلى جزيرة في النهر فأقام عليها مقصفاً أسماه جزيرة القمر, ثم صنع جسراً يؤدي إلى هذه الجزيرة مصنوعاٍ من براميل مختومة ربطت إلى بعضها البعض, فصارت متعة الوصول إلى المقصف متكئاً إلى سور من حبال مشدودة تساوي في رعشتها الوصول إلى المقصف.
طبعاً كان هذا المقصف بهجة لمدينة أصر النظام بعد إصلاحه الزراعي المشؤوم على جعلها بقرة عكشية أي مثل أبقار الجولان تترك للرعي دون تقديم أي غذاء لها, والصلة الوحيدة بين الراعي والبقرة هي الحلب, وهكذا صارت المحافظة بقرة حلوباً دون أية محاولة لإدخالها العصر كما فعل قبل سنوات الإصلاح الزراعي المصنعون الزراعيون, معمار باش, وأصفر ونجار, ونظام الدين, وكان لسورية بفضلهم ميزان تجاري رابح, ثم لم يعرف الربح أو حتى التوازن منذ مقدم البعث.
كانت المحافظة تعيش خارج الزمن, فالصحف حتى السورية منها, البعث والثورة لاتصل إليها إلا في اليوم التالي, وكذلك الصحف العربية كبعض المصريات واللبنانيات التي كانت تصل بعد يومين, يوم للرقيب يغربلها ويمزق منها ما لا يعجبه وكثيراً ما اشتريناها لنجد أنها تنقص ورقة أو ورقتين, ويوم للباصات تنقلها من دمشق إلى آخر الدنيا الحسكة, فكان كل ما تقرأه فيها تاريخاً ماضياً خارج الزمان, وأنا أعتقد الآن أن هذا التأخير كان متعمداً لجعل قراءة الصحف عملاً مترفاً لاضرورة ولا حاجة إليه, فأنت لا تقرأ الحدث والراهن بل تقرأ الماضي والتاريخ, أما الإذاعة فلم نكن نستطيع استقبالها قبل الغروب, وأنا حتى الآن لا أعرف السبب, أكانت تأتي بالباصات المتعبة أيضاً, وكانت حتى محطة البي بي سي وهي المحطة الإذاعية الشهيرة في ذلك الحين لا تصل قبل الغروب , أما التلفزيون فكان أكبر من أحلامنا رغم أن بعض المحظوظين كما حدثونا ممن يسكن قريباً من الحدود التركية أو العراقية فكانوا ينعمون بنعمة استقبال التلفزيون وتأمل وجوه المذيعات الحسناوات.
ويعود السؤال: هل كان مقصف جزيرة القمر على نهر الخابور على هذا الإبهار, أم أنه الشباب وندرة المقاصف وطرافة الفكرة... المهم أني حين زرت الحسكة بعد حوالي العشرين سنة فوجئت بالنهر وقد جف, جففته عشرات آلاف الآبار حفرها المسؤولون والمقربون من الأمن والنظام ممن رغبوا في الثراء السريع فزرعوا أراضي خارج خط المطر, أو زرعوا زراعات تحتاج إلى سقاية مركزة وبعيدة عن مجرى النهر فكان لكثرة الآبار أن جف النهر, وكانت الجزيرة – المقصف قد قحلت والجسر قد تفكك والناس قد انصرفوا عنه.
في القامشلي وبعد المحاضرة تقدم مني شاب وسلم ثم عرفني بنفسه على أنه كردي, فرحبت به ثم طلب مني في هدوء أن يتحدث إلي على انفراد, فنظرت من حولي لأرى انعكاس السؤال على وجوه الآخرين فلم أر استنكاراً أو استغراباً, ومضيت معه إلى غرفة جانبية في المركز الثقافي ليقول الشاب مباشرة : لماذا تظلمنا يا أستاذ؟ ونظرت إليه مندهشاً : أظلمكم؟ كيف؟ فأراني صورة لمقال كنت قد نشرته منذ زمن بعيد وكان عنوانه " هل يستطيع الظلم والطغيان تحويل الناس إلى يزيديين " ؟
تأملت المقال كمن يتعرف على صورة صديق لم يلقه منذ زمن, وتذكرت أني كنت قد كتبت هذا المقال, وذكرت أني كنت قد تحدثت فيه عن دين اسمه الزرادشتية وهو دين فارسي قديم يقوم على أن من يسير الكون إلهان, أهورامازدا, إله الخير, وهو من يأتي بالصحة والخصب والأطفال والمطر, وإله للشر هو أهريمان, وهو من يأتي بالمرض والقحط والحروب ! ثم ذكرت أني كنت قد كتبت : وقامت مجموعة من المؤمنين بالزرادشتية ممن عزلوا في جبل سنجار بالتساؤل: إله الخير إله طيب ولا يستطيع إلا أن يكون طيباً, ولا يستطيع إلا أن يهب الصحة والمطر والأطفال, ولطول عزلتهم فكروا ألا داعي لعبادته فهو لن يستطيع عقوبتهم, أما إله الشر والقحط والوباء, فلا بد من عبادته لكف شره وإبعاد أذاه, فهو من يستطيع ابتلاءهم بالوباء والعقم والقحط.
طبعاً ما كتبته حتى الآن مختصر حتى الحد الأدنى ( الخبر ) ولكن هذا ما أذكره الآن مما كتبت, ثم أكملت : والآن ونحن نرى الناس وسائقي السيارات تحديداً الذين كانوا يعلقون على سياراتهم كلمات مثل " يا رضى الله والوالدين , رحمتك يا رب , رضاك يا أمي , صلي عالنبي .. الخ... ) إذا بهم يستبدلون هذه الدعوات الطيبة والاستعانة برضى الوالدين, إذا بهم يستبدلونها بصور الزعماء والرؤساء, ليس عن محبة فيهم لأنك إن خلوت بأحدهم وسألته عن السبب, فسيجيب بعد أن يتلفت من حوله في خوف باللعنات والشتائم, ثم يضيف ألا تعرف المثل القائل: بوس إيده وادعي عليها بالقطع, ولما لم أفهم أكمل هذا الدكنجي الماكر: شرطة السير لا توقف سائق السيارة الذي يضع هذه الصور, ولا تخالفه على الطالعة والنازلة !!! .
وعندئد لا يمكنك إلا أن تتذكر اليزيديين وهم يقدمون عباداتهم لأهريمان إله الشر الذي أسموه تدليلاً بالإله طاووس, فعبادته تحميهم من أذاه, أما أهورامازدا فهو لا يستطيع مغادرة طيبته, ولذا فليس من ضرورة إلى ( يارب رحمتك ) ولا إلى ( يارضى الله والوالدين ) .
طبعاً حاولت في عجالة الحديث عن اسم هؤلاء القوم اليزيديين, وأن أحد الآراء تقول إن الاسم : منسوب إلى يزيد بن معاوية وإن شيخهم الأكبر هو عدي بن مسافر والذي ينطقون اسمه بالكردية فيقولون شيخ آدي , وأكملت إن آخرين يقولون إن اسم اليزيديين ربما كان مشتقاً من كلمة يزدان والتي تعني بالفارسية الإله, وربما كان اسمهم الصحيح هو الإيزيديين .. الخ..
ولكن نسبته إلى يزيد بن معاوية تأتي ومعها تعليلها, فقد كانت المعارضات الإسلامية كلها منذ أيام الأمويين هاشمية الهوى شيعية أو عباسية, وحين دمر العباسيون الشام في سعيهم لاقتلاع آثار الأمويين هيجوا أنصارهم في الشام, فهاج في بعلبك شيخ هو عدي بن مسافر , ولحق به كثيرون, ولكن العباسيين الحكم الجديد , المستقوي بالفرس الخراسانيين سيهزمهم هزيمة كبرى وسيضطر عدي بن مسافر وأنصاره الأقربون إلى الهرب والاحتماء بالجبل المنيع سنجار.
الشاب الذي أعتقد أنه صار كهلاً في هذه الأيام أخذ يحدثني عن مدينة اسمها لالش والتي قال إنها عاصمة اليزيديين المقدسة وأنهم قد أصدروا في كردستان العراق مجلة اسمها لالش, ثم أكمل بأنه كيزيدي قد شعر بالأسف والمرارة لحديثي هذا عن اليزيدية.
اعتذرت من الشاب ملاطفاً وحدثته أن الهدف من كتابة المقال لم يكن المساس باليزيديين أصلاً بل كان المقال يتحدث عن القهر السياسي الذي أجبر الناس على تعليق صور لأناس لا يحبونهم وإظهار إجلال إلى أناس يكرهونهم.
انقضت الجلسة وعدت إلى مدينة الحسكة وسألت مدير المركز الثقافي عن هذا الشاب, فصرخ مندهشاً : أهو من دعا نفسه بيزيدي؟ فقلت نعم, فأجاب منزعجاً: مستحيل, ثم أكمل: أبوه ملا , أي شيخ جامع فكيف يكون يزيدياً؟
في تلك الليلة أرقت في غرفة نومي أفكر في ذلك الشاب الذي وصل به القهر من النظام القائم إلى إظهار الخروج من دينه, وكانت كل مجموعة سكانية في سورية تظن نفسها المظلوم الوحيد ولا تعرف أن الظلم قد طال الجميع, هذا الظلم الذي ساق هذا الشاب إلى كراهية كل ما له علاقة بالظالم , والظالم هذه المرة هم العرب, فكره كل ما هو عربي حتى الإسلام كما قال لي, فهو دين العرب الذي لم يعودوا يريدونه, أما الدين الذي يحترمونه ويحترمهم فيدينون به كان اليزيدية.
و... تذكرت سنوات أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين, سنوات تركيا الفتاة والانحاد والترقي المعادل التركي لحزب البعث, وتذكرت الإصرار على تتريك العرب, القومية الأكبر في الدولة العثمانية, تذكرت المطاردات التي طاردوا فيها من ينتسب إلى الجمعيات العربية, ثم تمتمت آسفاً: أليس التاريخ ما يعيد نفسه, فهاهو المظلوم يصبح الظالم.
في اليوم التالي لقيت واحداً من طلابي السابقين وكان قد تقدم في العمل حتى صار الأول في سلكه, فدعاني مع عدد من طلابي السابقين إلى الغداء, و... بينما كنا نتغدى خطر لي أن أسأله عن طلاب كرد كنت أذكرهم لغرابة أسمائهم, وكانوا من أسرة شيوعية, وفكر الداعي قليلاً يحاول تذكرهم حين تصدى واحد من الحاضرين ليقول: إن الكبير فيهم قد أطال لحيته والتصق بالمسجد, أما الأوسط منهم فقد انضم إلى أحد الأحزاب القومية الكردية وقام بعملية فدائية في تركيا ولم يعد منها, أما البنت الأصغر فقد تزوجت وهاجرت إلى اسكندنافيا.
صفرت داخلياً على عادتي, وتمتمت معلقاً: أليست هذه قصة كل عائلة في سورية, متدروش أيأسه الظلم من الحياة وإمكانية السعادة فيها, وفدائي يموت دون إنجاز أي هدف, ومهاجر إلى أقصى الأرص هرباً من أرض الظلم. إنه قدر السوريين .
ثم تساءلت في حزن فهل استطاع الظلم الطويل إذاً تحويل الناس إلى يزيديين يعلقون صور ظالمهم ويظنون أن الظالم قد غفر لهم أنه ظلمهم بما أنهم يعبدونه... لكن الظالم لا يغفر حتى للمظلومين أنه ظلمهم, فهو يتواطأ معهم متظاهراً بأنه قد قبل عبادتهم .....فقط لتعلو نجمة أهريمان عالية في السماء.
خيري الذهبي
khairyalzahaby@hotmail.com

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow