Alef Logo
كشاف الوراقين
              

رسائل إخوان الصفا و خلان الوفا 5

ألف

خاص ألف

2013-01-27

الرسالة السادسة والثلاثون من رسائل إخوان الصفاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، آلله خير أما يشركون? اعلم، أيدك الله بروح منه، أنا قد فرغنا من رسالة العقل والمعقول، وبينا فيها تعريف جواهر النفوس بحقيقتها وكيفية اجتماع صور المعقولات في العقل المنفعل. وكنا قد بينا قبل ذلك في رسالة ماهية الطبيعة ذكر كيفية تأثيرات الأشخاص العلوية الفلكية في الأشخاص السفلية الكائنة تحت فلك القمر الذي هو عالم الكون والفساد. وبينا فيها معنى قول القدماء في روحانيات الكواكب. وبينا قول واضع الناموس في أجناس الملائكة، وكيفية سريان قواها في العالم، وإظهار أفعالها في الأجسام الموجودة فيه؛ فنريد أن نبين الآن ونذكر في هذه الرسالة أدوار الأشخاص الفلكية وأكوارها وقراناتها فنقول: إن للفلك وأشخاصه، حول الأركان الأربعة التي هي عالم الكون والفساد، أدواراً كثيرة لا يحصي عددها إلا الله تعالى؛ ولأدوارها كور، ولكواكبها في أدوارها وأكوارها قرانات. ويحدث في كل دور وكور وقران في عالم الكون والفساد حوادث لا يحصي عدد أجناسها إلا الله تعالى. ونريد أن نذكر من ذلك طرفاً مجملاً مختصراً ليكون مثالاً ودليلاً على الباقية فنقول: اعلم أن الأدوار خمسة أنواع: فمنها أدوار الكواكب السيارة في أفلاك تداويرها. ومنها أدوار مراكز أفلاك التداوير في أفلاكها الحاملة. ومنها أدوار أفلاكها الحاملة في فلك البروج. ومنها أدوار الكواكب الثابتة في فلك البروج. ومنها أدوار الفلك المحيط بالكل حول الأركان. وأما الأكوار فهي استئنافاتها في أدوارها، وعودتها إلى مواضعها مرة بعد أخرى.
وأما القرانات فهي اجتماعاتها في درج البروج ودقائقها، وهي ستة أجناس، مائة وعشرون نوعاً: فمنها واحد وعشرون قرآناً ثنائية، وثلاثون قرآنا ثلاثية، وخمسة وثلاثون قراناً رباعية، وواحد وعشرون قراناً خماسية، وواحد وثلاثون قراناً سداسية، وقران واحد سباعي؛ فجملتها مائة وعشرون قراناً نوعية مضروبة في ثلاثمائة وستين درجة، يكون في جملتها ثلاثة وأربعين ألفاً ومائتي قران شخصية.
وأما أدوار الألوف فأربعة أنواع: فمنها سبعة آلاف سنة، ومنها اثنا عشر ألف سنة، ومنها واحد وخمسون ألف سنة، ومنها ثلاثمائة ألف وستون سنة.
ثم اعلم أن من هذه الأدوار والقرانات ما يكون في كل زمان طويل مرة واحدة. ومنها ما يكون في كل زمان قصير مرة واحدة. فمن الأدوار التي تكون في الزمان الطويل أدوار الكواكب الثابتة في فلك البروج، وهو في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة. ومن الأدوار التي تكون في كل زمان قصير أدوار الفلك المحيط بالكل، حول الأركان الأربعة، في كل أربع وعشرين ساعة مرة واحدة، كما ذكر الله تعالى فقال: "وكل في فلك يسبحون" وباقي الأدوار فيما بينهما. ومن القرانات ما يكون في كل ثلاثمائة وستين ألف سنة مرة واحدة، وهو أن تجمع الكواكب السيارة كلها بأوساطها، في أول دقيقة من برج الحمل، إلى أن تجتمع فيها مرة أخرى، ويسمى هذا الدور في زيج السند هندسية يوم واحد من أيام العالم الكبير. ومن القرانات ما يكون في كل شهر مرة واحدة، وهو اجتماع القمر مع كل واحد من الكواكب السيارة. فأما باقي القرانات ففيما بين هذين الوقتين.
ومن الأدوار القصار ما يكون في كل أربعة عشرة يوماً مرة واحدة وهي دورة مركز فلك التدوير، والقمر في فلكه الحامل له. ومنها ما يكون في كل سبعة وعشرين يوماً وسبع ساعات ونصف مرة واحدة، وهي أدوار للقمر في فلك البروج. ومنها أدوار فلك الجوزهر، في كل إحدى وعشرين سنة، في كل ثماني عشرة سنة وسبعة شهور وتسعة عشر يوماً مرة، وهو أدوار عطارد في فلك تدويره. ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وربع يوم مرة واحدة، وهي أدوار الشمس والزهرة وعطارد في فلك البروج. ومنها ما يكون في ثلاثمائة وثمانية وسبعين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار زحل في فلك تدويره. ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وتسعة وتسعين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار المشتري في فلك تدويره. ومنها ما يكون في كل خمسائة وأربعة وستين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار الزهرة في فلك تدويرها. ومنها ما يكون في كل ثمانمائة وسبعين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار المريخ في فلك البروج. ومنها ما يكون في كل خمسمائة وثمانين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار المريخ في فلك تدويره. ومنها ما يكون في كل أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار مركز المشتري في فلك البروج. ومنها ما يكون في عشرة آلاف وسبعمائة وواحد وأربعين يوماً مرة واحدة، وهي أدوار مركز زحل في فلك البروج. وجملة هذه أربعة عشر نوعاً.
وأما القرانات القصيرة الزمان، فمنها ما يكون في كل مائة وستة عشر يوماً مرة واحدة، وهو قران عطارد مع الشمس. ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وواحد وثمانين يوماً مرة واحدة، وهو اقتران الشمس والزهرة وعطارد مع زحل. ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وتسعين يوماً مرة، وهو اقتران المشتري والزهرة وعطارد والشمس. ومنها ما يكون في كل سبعمائة وخمسة وثمانين يوماً مرتين، وهو اقتران الزهرة مع الشمس. ومنها ما يكون في كل سبعمائة وثمانين يوماً مرة واحدة، وهو اقتران الشمس مع المريخ. ومنها ما يكون في كل سنتين ونصف سنة بالتقريب مرة واحدة، وهو اقتران المريخ مع زحل والمشتري. ومنها ما يكون في كل عشرين سنة بالتقريب مرة، وهو اقتران المشتري وزحل.
ومن القرانات الطويلة الزمان ما يستأنف الدور في كل مائتين وأربعين سنة واحدة، وهو أن يستوفي زحل والمشتري اثني عشر قراناً في المثلثة الواحدة. ومنها ما يكون في كل تسعمائة وستين سنة مرة واحدة، وهو أن يستوفي زحل والمشتري ثمانية وأربعين قراناً في المثلثات الأربعة. ومنها ما يكون في كل ثلاثة آلاف وثماني ومائة وأربعين سنة واحدة، وهو أن يستأنف زحل والمشتري القرانات في المثلثات؛ وشرحها طويل ويخرج بنا عما نحن فيه.
وإذا قد فرغنا من ذكر كمية دوران الفلك، وعدد قرانات كواكبه في أبراجها، في الأدوار والألوف، واستئنافها أعدادها بالكور، نريد أن نذكر ونلوح بطرف مما يتبعها من الحوادث الكائنات، في عالم الكون والفساد، التي دون فلك القمر فنقول: إنا قد بينا في رسالة السماء والعالم أن الفلك المحيط تديره النفس الكلية بتأييد العقل الكلي الفعال، بإذن الله تعالى. وقد بينا في رسالة المبادئ العقلية أن النفس والعقل هما أمران مبدعان للباري، وهو مبدعهما وعلتهما ومثبتهما ومكملهما كيف شاء، فتبارك الله رب العالمين! .
ثم اعلم أن كل الحوادث التي تكون في عالم الكون والفساد هي تابعة لدوران الفلك، وحادثة عن حركات كواكبه ومسيرها في البروج، وقرانات بعضها مع بعض، واتصالاتها بإذن الله تعالى. فمن تلك الحوادث ما هو ظاهر جلي لكل إنسان، ومنها ما هو باطن خفي يحتاج في معرفتها إلى تأمل وتفكر واعتبار.
ثم اعلم أن كل حادث في هذا العالم سريع النشوء، قليل البقاء، سريع الفساد، فذلك عن حركة الفلك سريعة، قصيرة الزمان، قريبة الاستئناف. وكل حادث بطيء النشوء، طويل الثبات، بطيء البلى، فذلك عن حركة بطيئة، طويل الزمان، بعيد الاستئناف. ونحتاج في هذا الفصل إلى شرح طويل، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في رسالة تكوين المعادن، وطرفاً في رسالة النبات، وطرفاً في رسالة الحيوان. ونريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفاً منه ليتبين الصدق، ويتضح الحق، ويتجلى الخفي للباحثين عن حقيقة هذا الأمر. ثم نذكر تأثيرات الأشخاص العالية في الأشخاص السافلة. فمن تلك الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، أدوار الفلك المحيط بالكل حول الأركان، في كل وعشرين ساعة مرة واحدة، كما ذكر الله تعالى: "وكل في فلك يسبحون". وهي التي بها يكون الليل والنهار في هذا العالم الذي نحن فيه.
ومن الحوادث الكائنة التي لا تخفى على أحد من العقلاء، من هذه الحركة، نوم أكثر الحيوان بالليل، ويقظتها بالنهار، وذلك أنه إذا طلعت الشمس مع دوران الفلك على جانب الأرض، اضاء الهواء بنورها، وأشرق وجه الأرض بضيائها، فانتبهت أكثر الحيوانات من نومها، وتحركت بعد سكونها، وترنمت بعد عجمتها وهدوئها، وانتشرت في طلب معايشها، وتصرفت مذاهبها. وتفتحت أيضاً أكثر أكمام النبات وفاح نسيم روائحها. وذهب الناس في مطالبهم، وسعوا في حوائجهم. وإذا غابت الشمس أظلم الهواء أو اسود الجو، وامتلأ وجه الأرض من الظلام، واستوحش أكثر الحيوانات، وتراجعت عن متصرفاتها إلى أوطانها وأماكنها. وانصرف الناس عن أسواقهم إلى منازلهم، وعن مواضع أعمالهم إلى بيوتهم، ووقع عليهم النوم والنعاس والكسل بعد الانتشار والنشاط في الأعمال، والسكون بعد الحركة، والهدوء بعد الجلبة. فإذا تأمل المتفكر في حال هذا العالم بالنهار، رآه كأنه حيوان منتبه متحرك حساس. وإذا تأمله بالليل، رآه كأنه نائم أو ميت أو جامد من السكون والهدوء.
ثم اعلم أنه ما دامت هذه الحركة محفوظة في الفلك، فهذه الحالة موجودة في الحيوان؛ فإذا سكنت تلك الحركة، بطل ذلك النظام والترتيب. وهذه الحركة من أعظم نعم الله تعالى على خلقه كما ذكر تعالى: "قل أرأيتم أن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون". "قل أرأيتم أن جعل الله عليكم سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون".
ومن الحوادث الكائنة عن هذه الحركة في هذه المدة كون بعض النباتات الناقصة كخضراء الدمن، فإنها تصبح بالغدوات ريانة من نداوة الليل وطيب نسيم الهواء، فإذا أشرقت عليها الشمس نصف النهار، جفت؛ ثم تصبح من الغد مثل ذلك. وترى هذا خاصة في أيام الربيع في أكثر المواضع.ومن الكائنات الحادثة عن هذه الحركة، في هذه المدة المذكورة، كون بعض الحيوانات الناقصة الخلقة، الضعيفة البنية، كالديدان والبق والبراغيث التي تتولد من العفونات، وفي الزبل والسماد والروث وجثة الجيف وما شاكلها، فإذا أصابها أدنى حر من الشمس أو برد من الهواء، هلكت.
وبالجملة فكل كائن عن هذه الحركة التي تستأنف الدور في كل اربع وعشرين ساعة مرة واحدة، وكل حادث عنها من أشخاص الحيوانات والنبات الناقص الخلقة، الضعيف البنية، فإنها لا تبقى سنة تامة، لأنه يهلكها إما حر الشمس في الصيف، أو برد الشتاء. وقد بينا علتها في رسالة الحيوان والنبات.
وما دامت هذه الحركة محفوظة في الفلك، فإن صورة هذه الكائنات عنها، الحادثات في هذا العالم، تكون موجودة في الهيولى، ومتى وقف الفلك فسد النظام، وبطل الكون، وذلك كائن لا محالة إذا بلغت النفس الكلية أقصى غرضها؛ لأن الغرض هو غاية سبق إليها الوهم، ومن أجل البلوغ إليها يفعل الفاعل فعله؛ وإذا بلغ إليه قطع الفعل.
فصل أن دوران الفلك أكرم الأفعال
ثم اعلم يا أخي أن دوران الفلك أكرم الأفعال وأشرفها،
فغرض فاعله أيضاً أشرف الأغراض وأكرمها، كما بينا في رسالة البعث والقيامة. ومن الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في كل شهرين مرتين، وهي حركة مركز فلك تدوير القمر في الفلك الحامل، في كل أربعة عشر يوماً، مرة واحدة. وفي هذه المدة يكون القمر مقبلاً بوجهه الممتلئ من النور نحو مركز الأرض يعرف حقيقة ما قلنا أهل الصناعة الذين يعرفون علم ما في المجسطي. والذي يتبع هذه الحركة من الحوادث والكائنات في هذا العالم كثرة الربو والزيادة في الأشياء، وسرعة النشوء في الأشياء المتبدئة الحادث من الحيوان، والنبات، والمعادن، والزيادة أيضاً في المدود والرطوبات والأنداد يعرف ذلك أهل التجارب، والعلماء المتيقظون المتفكرون في الآفاق، المعتبرون أحوال الموجودات. وفي النصف الثاني من الشهر يدور هذا المركز في الفلك الحامل مرة أخرى، ولكن يكون القمر مولياً بوجهه الممتلئ من النور عن مركز الأرض، نحو فلك عطارد، يدور القمر في الفلك الحامل مرة واحدة في هذه المدة. والذي يحدث، عن هذه الحركة، في هذه المدة، في هذا العالم، الذبول والهزال والنقصان في الأشياء النامية، والنضج والجفاف واليبس في الأشياء البالغة التمام من الحب والثمر يعرف صحة ما قلنا أهل الصناعة المتقدم ذكرهم. وفي هذه المدة عن هذه الحركة يتكون بعض الجواهر المعدنية كالملح والكمأة وأمثالهما.
واعلم يا أخي أن الكمأة نبات معدني، والملح معدن نباتي، كما بينا في رسالة المعادن. وفي هذه المدة أيضاً عن هذه الحركة قد يتم كون بعض النبات ويبلغ وينتفع به كالبقول. وفي هذه المدة أيضاً قد يتم كون بعض الحيوانات كالطيور ودودة القز وزنابير النحل، فإن أكثرها تتم خلقته في أربعة عشر يوماً، ويخرج بعد واحد وعشرين يوماً، ويتولى في ثمانية وعشرين يوماً ويخرج.
وهذه المدة هي مقدار مسير القمر من يوم الحضانة إلى يوم الخروج، من البرج الذي كان فيه، إلى البرج التاسع الذي هو بيت النقلة والسفر. فينتقل من هذه الحيوانات الكائنة من حال إلى حال في هذه المدة. وما دامت هذه الحركة محفوظة في الفلك، فصور هذه الكائنات موجودة في الهيولى في هذا العالم، وإليها أشار، جل ثناؤه، فقال: "والقمر قدرناه منازل حتى عاد فصل فيما يحدث عن حركات الكواكب .
واعلم يا أخي أن الذي يحدث عن هذه الحركات، في هذه المدّة، في هذا العالم، وعن أحوال هذه الكواكب، من الفنون المختلفة، والحالات المُتغايِرة، أشياء لا يُحيط علماً بكثرتها إلاّ الله تعالى، ولكن نذكر منها طرفاً ليكون دليلاً على الباقية، ونبدأ أولاً بذكر الزمان وأحواله، وأرباعه وتغيّرات الهواء. وذلك أنه إذا ابتدأت الشمس بحركتها في أول برج الجدي صاعدةً من الجنوب نحو الشمال، ومن الحضيض نحو الأوج، مرتفعة في الفلك، أخذت الطبيعة عند ذلك بمعاونتها، بإذن الباري، جلّ وعز، في جذب الرطوبات المختلفة بالتراب من الأمطار، وامتصاصها في عروق الشجر والنبات إلى أُصولها وقُضبانها، وإمساكها هناك بالقوة الماسكة، وذلك دأبها إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت. فإذا نزلت أول دقيقة من برج الحمل، فهو الرُّبع الربيعي، استوى الليل والنهار في الأقاليم، واعتدل الزمان، وطاب الهواء، وهب النسيم، وذابت الثلوج، وسالت الأودية، ومدّت الأنهار، ونبعت العيون، وارتفعت الرطوبات إلى أعلى فروع الأشجار، ونبت العشب، وطال الزرع، ونما الحشيش، وتلألأ الزهر، وأَورق الشجر، وتفتّح النّور، واخضرّ وجه الأرض، وتكوّنت الحيوانات والدبيب، ونُتِجت البهائم، ودرّت الضُّروع، وانتشرت الحيوانات في البلاد عن أوطانها، وطاب عيش أهل الوبر، وطلب أعلى السطوح أهلُ المدن، وأخذت الأرض زُخرُفها، وفرح الناس والحيوان أجمع بطيب نسيم الهواء، وزيّنت الأرض، وصارت كأنها جارية شابّة، قد تزيّنت وتحلّت للناظرين. فلا تزال تلك حال الدنيا وأهلها من الحيوان والنبات، إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء: رأس أوجها. فإذا نزلت الشمس أول السرطان، تناهى طول النهار وقصر الليل في الأقاليم كلها، وأخذ النهار في النُّقصان والليل في الزيادة، وانصرف الربيع، ودخل الصيف، واشتدّ الحر، وحمي الجو، وهبّت السمائم، ونقصت المياه، ويبس العشب، واستحكم الحبُّ، وأدرك الحصاد والثمار، وأخصبت الأرض، وكثُر الرِّيف، ودرّت أخلاف النَّعم، وسَمِنت البهائم، واتّسع للناس القوت من الثمار، وللطير من الحبّ، وللبهائم من العلف، وصارت الدنيا كأنها عروس مُنعَّمة، بالغةٌ تامّة كاملة، كثيرة العشاق. فلا يزال ذلك دأبها ودأب أهلها، إلى أن تبلغ الشمس آخر السُّنبلة وأوّل الميزان. فإذا نزلت الشمس أول الميزان، استوى الليل والنهار مرةً أخرى، ثم ابتدأ الليل بالزيادة على النهار، وانصرف الصيف، ودخل الخريف، وبرد الهواء، وهبّت الشمال، وتغيّر الومان، ونقصت المياه، وجفّت الأنهار، وغارت العيون، وجفّ النبت، وفنيت الثمار، وديست البيادر، وأحرز الناس الحبَّ والثمار، وعَرِيَ وجه الأرض من زينتها، وماتت الهوامّ، وانجحرت الحشرات، والطير والوحش تنصرف لطلب البلدان الدافئة، وأحرز الناس القوت للشتاء، ودخلوا البيوت، ولبسوا الجلود والغليظ من الثياب فراراً من البرد، وتغير الهواء، وصارت الدنيا كأنها كهلة مُدبرة قد تولّت عنها أيام الشباب.
فإذا بلغت الشمس آخر القوس وأول الجدي، تناهى طول الليل وقِصَرُ النهار، ثم أخذ النهار في الزيادة على الليل، وانصرف الخريف، ودخل الشتاء، واشتد البرد، وخشن الهواء، وتساقط ورق الشجر، ومات أكثر النبات، وانحجز أحسن الحيوانات في باطن الأرض وكهوف الجبال، من شدة البرد وكثرة الأنداء، وكَثُرت ونشأت الغيوم، وأظلم الجو، وكلح وجه الزمان، وهزلت البهائم، وضعُفت قوى الأبدان، ومنع الناس البرد عن التصرّف، وتمرمر كثير عيش الحيوان وضُعفاء الناس، وصارت الدنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت، ومن الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في كل ثلاثة عشر شهراً بالتقريب مرةً، وهي حركة جرم زُحل والمشتري في فلكي تدويرهما. ومن الحوادث في هذه المدة، عن حركتهما واختلاف أحوالهما، ما يعرض لطبقاتٍ من الناس المستولي عليهم اليُبس والبرد، نحو المشايخ والعجائز والأكَرة، والتُّنّاء، والأشراف، والقضاة، والعُدول، والعلماء، والتجار، ومن شاكلهم من الناس من المستولي عليه في مولده أحد الكوكبين مثل ما يعرض لأصحاب عُطارد كما ذكرنا قبل. وقد يعرض من حركة هذين الكوكبين وأحوالهما، لكثيرٍ من الحيوان والنبات والمعادن، أعراضٌ وأسبابٌ قد ذكرنا كيفيّتها في الرسائل التي ذكرنا فيها هذه الأجناس.
ومن الحركات القصيرة الزمان، السريعة الاستئناف، حركة الزُّهرة في فلك تدويرها، في كل خمسمائة وأربعة وثمانين يوماً مرةً واحدة، وحركة المريخ في فلك تدويره، في كل سبعمائة وثمانين يوماً مرة واحدة. والذي يحدث ويتبع هذين الكوكبين في عالم الكون والفساد، من النساء، والمَخانيث، وأصحاب اللّذات واللهو، والمُلهين، وأصحاب المريخ من الشباب، والشُّطار، والعيّارين، والجُند، وأصحاب السلاح، وساسة الدواب، ومن شاكلهم، مثل ما يعرض لأصحاب عُطارد كما ذكرنا قبل.
ومن الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، حركة فلك المشتري في الفلك الحامل، في كل أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين يوماً مرة واحدة. والذي يحدث، في عالم الكون والفساد عن هذه الحركة، اعتدال أهوية بعض البلاد بعد فسادها، وعِمارة بعض البقاع بعد خرابها، وتكوين بعض المعادن، ونشوء بعض النبات، وزكاة بعض الثمر، وصلاح حال بعض الحيوانات، والرخص في بعض المدن، وتجديد النِّعم على أقوام، وما شاكل ذلك من الصلاح والخير في هذا العالم.
ومن الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في الخمس وعشرين ستة مرة واحدة، وهو أن يحصل المرِّيخ في اثني عشر برجاً، اثنتي عشر رجعة. ومن الحوادث، في هذا العالم عن هذه الحركة، أن يقع نضج بعض المعادن، وسُرعة النشوء في بعض النبات، وزيادة القوة في بعض النبات، وزيادة القوة في بعض الحيوانات، وظهور الدولة في بعض الناس والأمم، وزيادة القوة في بعض السلاطين، وخروج بعض الخوارج، وتجديد ولاياتٍ في المُلك، وما شكل ذلك من تأثيرات قوة المريخ وظهورها في العالم، والقصد منها وفيها هو صلاح شأن الكائنات، والغرض منها هو إبلاغها إلى الكمال والتمام، ولكن ربما تعرض أسباب الفساد مثل إثارة الحروب والفتن، والنَّصب في طلب الغارات، فيخرب بعض البلدان، وتزول دولة قوم، ويذهب نعيمهم، ولكن عاقبتها تعود إلى الصلاح. وبالجملة ما يعرض منها من الفساد عند هذه الحركة، في جنب ما يكون منها من الصلاح في العالم، شيءٌ يسيرٌ. مثال ذلك حركة الشمس بالطلوع والغروب، ليكون بها الليل والنهار، ومَسيرها في البروج، ليكون الشتاء والصيف، كما بيّنا قبل. ولكن ربما حدث من إسخانها حَرٌّ شديد، فيهلك بعض النبات، ويُقتل بعض الحيوانات الضعيفة البِنْية، بلا قصدٍ من الطبيعة، ولا عنايةٍ من الحكمة. وكذلك الأمطار القصد منها إحياء البلاد والعُشب والكلأ، أو سقي الزروع والثمر لتكون قوتاً للحيوان. ولربما كانت مُهلكةً لبعض الزروع، مُفسدة لبعض الثمار. وربما خرَّب السيل بعض البلاد، لكن ذلك، في جنب ما بكون من صلاح عامّة البلاد والحيوان والنبات، شيءٌ يسير.
وهكذا حكم المريخ وزحل والذنب، وما يُذكر من محاسنها شيء يسير في جنب ما يمون عن حركاتها من الصلاح في العالم.
ثم اعلم يا أخي أن كثيراً ممن يُقرّ بصحة أحكام النجوم أو يتكلم فيها، يظنُّ أن زحل والمريخ والذنب نحوسٌ بالكلية، والزهرة والقمر والمشتري سعودٌ بالكلية. وليس الأمر على ما ظنوا، لأنه ربما عرض عن إفراط القوة المنبثة منها في العالم فسادٌ من الرطوبات والبرودات المُفرطة مثل ما يعرض عن إفراط حرّ الشمس، وبرد زحل، ويبس المريخ، ورطوبة الزهرة والقمر، وأكثر العفوفات منها، كما يعرض عن المريخ وزحل.
ومن الحركات السريعة، القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، حركة فلك تدوير زحل في الفلك الحامل المُمثَّل بفلك البروج، في كل خمسة آلاف وسبعمائة وأحدٍ وأربعين يوماً، مرة واحدة. والذي يحدث عن هذه الحركة، في هذه المدة، تتميم بعض المعادن كالكحل والزرنيخ والحديد، وثمار بعض النبات كالزيتون والجوز، وبلوغ الإنسان أشدّه، وعمارة بعض البلاد، واستحداث بعض المدن والقرى، وانتقال الملك من قوم إلى قوم، وما شكل ذلك.
ومن الحركات البطيئة، الطويلة الزمان، البعيدة الاستئناف، حركات الكواكب الثابتة في فلك البروج في ستة وثلاثين ألف سنة، مرةً واحدة، وأوجاتُ الكواكب السيّارة، وحضيضها وجَوْزَهْراتُها. والذي يحدث عن هذه الحركات في هذه المدة، في عالم الكون والفساد، أن تقلّ العمارة على سطح الأرض من ربع إلى ربع؛ وأن تصير مواضع البرارس بحاراً ومواضع البحار جبالاً، كما بيّنا في رسالة المعادن كيفية ذلك. وإذ قد فرغنا من ذكر حوادث الأدوار، فنريد أن نذكر طرفاً من القِرانات وأُلوفها.
فصل في أن تكهنات المنجمين سبعة أنواع
فنقول: اعلم أن الكائنات التي يستدل عليها المنجمون سبعة أنواع: فمنها المِللُ والدُّول اللتان يُستدل عليهما من القرانات الكبار التي تكون في كل ألف سنة بالتقريب مرةً واحدة. ومنها تنقل المملكة من أُمة إلى أُمة، أو من بلد إلى بلد، أو من أهل بيت إلى أهل بيت آخر، وهي التي تكون ويستدل على حدوثها من القِرانات التي تكون في كل مائتين وأربعين سنة مرةً واحدة. ومنها تبدُّل الأشخاص على سرير الملك، وما يحدث بأسباب ذلك من الحروب والفتن التي يُستدل عليها من القرانات التي تكون في كل عشرين سنةً مرةً واحدةً. ومنها الحوادث الكائنات التي تحدث في كل سنة، ومن الغلاء والرخص، والخِصب والجدْب، والوباء والموت، والقحط، والأمراض والعِلل، والحِدثان، والسلامة. ومنها يُستدل على حدوثها من تحاويل سِني العالم التي عليها تؤرّخ التقاويم. ومنها حوادث الأيام شهراً بشهر، ويوماً بيوم، التي يُستدل عليها من أوقات الاجتماعات والاستقبالات التي تؤرَّخ في التقاويم. ومنها أحكام المواليد لواحدٍ واحدٍ من الناس في تحاويل سنيهم، من حيث ما يوجب لهم تشكيل الفلك ومواضع الكواكب في أُصول مواليدهم وتحاويل سِنِيهم. ومنها الاستدلال على الخفيات من الأمور الجُزْويّة كالخَبءِ والسرقة واستخراج الضمير، والمسائل التي يُستدل عليها من طالع وقت السألة والسؤال عنها.
ثم اعلم أن في كل ثلاثة آلاف ستة تنتقل الكواكب الثابتة، وأوجاتُ الكواكب السيّارة، وجَوْزَهْراتُها في البروج ودرجاتها. وفي كل تسعة آلاف سنة تنتقل من ربع إلى ربع من أرباع الفلك. وفي كل ستة وثلاثين ألف ستة تدور في البروج الاثني عشر دورةً واحدة. فبهذا السبب تختلف شُعاعات الكواكب على بقاع الأرض، وأهوية البلاد، ويختلف تعاقب الليل والنهار، والشتاء والصيف عليها، إمّا باعتدالٍ واستواء، وإمّا بالزيادة والنقصان، وإفراط الحرارة والبرودة، واعتداله بينهما. ويكون هذا أسباباً وعللاً لاختلاف أرباع الأرض، وتغيُّرات أهوية البلاد والبقاع، وتبدُّلها بالصفات من حال إلى حال -يعرف حقيقة ما قلنا المُتحَذلِقون في المجسطي وأحكام القِرانات- ويصير بهذه العلة الأسباب زوال المُلك والدول، وانتقاله من قوم إلى قوم، وتغيرات العمارات من ربع إلى ربع آخر. وتكون هذه بموجبات أحكام القرانات الكائنة في الوقت والزمان، من جهة القرانات الكائنة في الوقت والزمان، من جهة القرانات والأدوار، في كلّ ألف سنة مرةً واحدة، وفي كل اثنين وعشرين ألف سنة أو في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرةً؛ والقرانات الدالة علة قوة النُّحوس، وفساد الزمان، وخروج الناس عن الاعتدال، وانقطاع الوحي، وقلّة العلماء، وموت الأخيار، وجَور الملوك، وفساد الأخلاق للناس، وشَرِّ أعمالهم، واختلاف آرائهم. ويُمنع نزول البركات من السماء بالغيث فلا تزكى الأرض، ويجفُّ النبات، ويهلك الحيوان، وتخرب المدن والبلاد، إذ هي بروز آخر القران؛ والقرانات الدّالة على قوة السعود، واعتدال الزمان، واستواء طبيعة الأركان، والحدوث بوحي الأنبياء، عليهم السلام، وتواتره، وكثرة الأنبياء، وعدل الملوك، وبركات السماء بالغيث، وتزكو الأرض والنبات، ويكثر تولُّد الحيوان، وتُعمر البلاد، ويكثر بُنيان المدن والقرى؛ وكلّ ذلك بأمر بارئها على حسب أفعال العباد من الخير والشر، جزاءً لأعمالهم. فانتبه، أيها الأخ، من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، واعلم وتيقّن أن ما وراء عالمك المحسوس هي جهنم وجحيم عالم آخر، وأمورٌ أُخَر هي عالم الأرواح ومقرّ الملائكة والكُرويين، والروحانيين الموكلين بحفظ هذا العالم، ومراتبها. وفَّقك الله وإيانا بروح منه، وجميع إخواننا، السّداد، إنه رؤوفٌ بالعباد.
نهاية الرسالة السادسة والثلاثون
إعداد : ألف
يتبع ...

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow