Alef Logo
شعر معاصر
              

مختارات من أشعار رياض صالح الحسين ج 8

ألف

خاص ألف

2013-01-14

( أيَّام )
ماما
/
أما زلت تحتفظين ببارودة جدِّي القديمة
بين بيت المؤونة وزريبة الحيوانات؟
أما زلت تسرِّحين شعرك بأصابعك النحيلة
و تخبزين لإخوتي فطائر الحكمة؟
أنا هنا يا أمِّي
/
أحتسي فلسطين صباحًا مع فنجان القهوة
و أطرد عن جسدها البعوض والأكاذيب
أذهب معها إلى المدرسة
و نقرأ معًا الصحف في المقهى
و حينما أكون حزينًا
تجلس بجانبي وتعدني بأشجار البرتقال؛
/
ماما...
امسحي دموعك بمنديل الجبل
و نظِّفي بارودة جدِّي بخرقة الأيَّام
فبعد فترة سأعود إليك
و في حقيبتي:
زجاجة عطر
و قليل من الرصاص.
***
( 2 )
/
سألعب مع الأطفال بالحصى والأوراق الملوَّنة
سأقيم البيوت من رمال الصحارى والشواطئ المبلَّلة
سأقول للصخرة: لنبتسم
للأغصان : لنضحك
للتراب : لنرقص
للوسادة : لنتنفَّس
/
للجبال: لنغنِّ
للموتى: لنبدأ
للأحياء: لنستمرّ
للأرقام: لنكبر
للحروف: لنتَّسع
للفصول: لنتبدَّل
للغيوم: لنمطر
و لك أيَّتها المرأة
سأقول: أحبك
أحبك كُلَّما قطفت وردة
و كُلَّما قطفتني السكاكين.
***
( 3 )
السبت، الأحد، الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، الجمعة...
أنا أحبك
الشتاء، الربيع، الصيف، الخريف...
أنا أحبك
السابعة صباحًا، السابعة مساءً،
الثانية بعد منتصف الليل...
أنا أحبك
أحبك هنا وأحبك هناك
في الضباب والأودية والمنازل والحقول
على الأرصفة وحبال المشانق
بين المصانع والجرَّارات وتحت قنابل الإمبرياليَّة...
أنا أحبك.
***
( حيث في كلّ خطوة قمر مكسور )
/
لقد بدأنا نعرف ما معنى الزمن
عندما نعود إلى البيت وحيدين
متشابكي القلوب والأصابع
بدأنا نعرف ما تعني الصخور النائمة في البحر
الشمس النائمة في السماء
و الأغاني النائمة في المقبرة
بدأنا نعرف لماذا ننام ونأكل
و نسير في الشوارع بلا هدف
حيث في كلّ خطوة قمر مكسور
حيث في كلّ كلمة قبلة مذبوحة
حيث في كلّ (صباح الخير) طلقة مخبأة
لم نستطع أن نمزِّق بها دماغ صيَّاد
لقد بدأنا نعرف ونفكِّر ونتألَّم بشكل حسن
محاولين أن نقول للفتاة الجميلة:
(هذه المظلَّة لا تصلح للوقاية من النار
هذا الثوب لا يصلح للقيام بنزهة إلى الغابة
هذه الأصابع لا تصلح لمداعبة قطَّة
و هاتان العينان المليئتان بالسنابل
لا تصلحان لرؤية الجوع
و هو يتقلَّب بعنف فوق فراش شائك)
ههنا كل شيء مريض:
البشر والحيوانات والأزهار
القوانين والدول
الآلهة الطيِّبة والشياطين الشرِّيرة
الذين رحلوا عنَّا
و الذين ما زالوا يتشبَّثون بنا
مثلما تشبَّث السندباد بجسم حوت بليد
معتقدًا أنَّه صخرة
و ها نحن نغوص
مرضى ومعذَّبين ومُتعبين وجوعى
في هذه الهاوية الرحبة
التي اسمها (حياتنا)
نعرف و نفكِّر ونتألَّم بشكل حسن
نعرف لون الأفق في السادسة صباحًا
لون الطفل و هو يغادر صباحه إلى الأبد
و لون الصباح الذي لا يزورنا
إلاَّ عندما نشعر بحاجة إلى النوم.
/
أنت،
اخلع عنك الحياة و أذهب بصراحة إلى الموت
الموت يا عزيزي سمكة لن تقبض عليها
إلاَّ إذا كانت يداك جافَّتين
و مشاعرك حافية
/
أنتِ،
اخلعي حياتك وأوقدي شمعة
و لا تفكِّري كثيرًا بشهداء الأقاليم
لا تفكِّري بالبحَّارة التعساء
و لا بالقرصان الجميل
و لا تفكِّري بإفريقيا الخضراء
و لا بآسيا الرماديَّة
/
لا تفكِّري بالبجع ولا بالتماسيح
لا بالنهر ولا بالزورق
فقط اتركي نفسك بهدوء قرب شمعة
بذاكرة بيضاء و قلب صافٍ
و لنحاول معًا أن نعرف ما معنى الزمن
عندما، كجنديٍّ مسكين
يمدُّ ذراعه السليمة
طالبًا منَّا صدقة
جنديّ مسكين أو امرأة نحيلة
على السرير العاري كانا يموتان
(بهدوء... بهدوء... بهدوء)
تفتح المرأة عينيها وتنظر إلى الجندي بدهشة
يفتح الجندي ساعديه و يضمُّ المرأة بخوف
بدهشة و خوف كانا يموتان
و العالم حولهما يتداعى ويختفي
و الناس
الناس الوادعون
الطيِّبون
الأبرياء حتَّى رؤوس أصابعهم
كانوا ينظرون إليهما بلامبالاة
و حينما انتفض الجندي وطلب سيجارة
و حينما انتفضت المرأة وأعطته السيجارة
فتح الهواء الباب وأطفأ عيدان الثقاب...
أنا رجل مسكين
و أنتِ امرأة نحيلة
أنا بعيد
و أنتِ مثلي مثلي مثلي بعيدة
يداك الملوَّثتان بالحبّ
لا تغسليهما
الوحش المقتول في قلبك
اتركيهِ هناك يتفصَّد موتًا
دثّريه بالأغاني و ضعي يديه فوق صدره
و غدًا، أو اليوم،
عندما تصبح الحريَّة كالهواء مباحة
عندما يتداعى الأباطرة كالجدران القديمة
عندما يمتلك الجميع قليلاً من الرصاص
و كثيرًا من القلب
و غدًا، أو اليوم،
عندما نعرف و نفكِّر و نتألَّم بشكل حسن
و غدًا، أو اليوم،
سنحاول أن نسير في الشارع
نتكلَّم بغبطة و بلا خجل
و وحيدين نعود إلى البيت
/
متشابكي القلوب و الأصابع
و للشجر أن يكون أشد اخضرارًا
و للبحر أن يكون أشد اتِّساعًا
و مثلما يحقُّ للسكِّين أن يكون حادًّا ومؤلمًا
فللخطيئة الجميلة حقّها في أن تتكاثر كالأرانب
حيث في كلّ خطوة قمر مكسور
حيث
في
كلّ
كلمة
قبلة
مذبوحة.
***
"بسيطٌ كالماء .. واضحٌ كطلقةِ مسدس"
رياض الصالح الحسين
دار الجرمق - دمشق 1982


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow