Alef Logo
دراسات
              

لعنة الجغرافيا الشامية...

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-01-08

لماذا كانت الشام الهدف الأول لخروجات الحجازيين المسلمين من جزيرتهم ؟
هل كانت قريش أصلا عربية , أم ... شامية فرت الى الحجاز تحت ضربات روما؟

تساؤلات ومغامرة فكرية لن أزعم انها كاملة العلمية , ولكن إشارات كثيرة تقود اليها, فالشام إقليم عجيب واقع بين بلدان شديدة العدوانية والطموح السياسي, وكانت دائما ما تقفز إليها لإقامة امبراطوريتها , ولن تستقيم الامبراطوريات الكلاسيكية إلا باحتلال الشام , فاليونان ومقدونيا وهما امتداد للأناضول بشكل ما لم تستطيعا صنع امبراطوريتهما المقدونية (الاسكندر) إلا بعد احتلال الشام , والأناضول حثية كانت أم لاتينية , أم بيزنطية, أم عثمانية لن تشعر بأنها أتمت صنع امبراطوريتها إلا باحتلال الشام , وكذلك مصر فرعونية كانت, أم فاطمية , أم مملوكية, ويمكن لنا أن نقول الكلام نفسه عن فارس منذ الإخمينيين .
ولكن ماذا عن الشام نفسها؟ المشكل أن الشام وهو إقليم مكون من جزر جغرافية , جبال شاهقة معزولة عن محيطها , ووديان ضائعة , وبوادي تفصل الأقاليم عن الأقاليم , فلم تتمكن من صنع دولة مركزية إذ لم يكن فيها أنهار كبرى تجمع الناس على مصدر رزق واحد كالنيل, ولم يكن فيها سهول كبرى تجمع الناس كالعراق وفارس, بل على العكس كانت الجبال العصية مشجعاً دائماً على الهروب إليها من سيطرة مدن الواحات ومحطات القوافل التي لجأ اليها الشاميون لصنع اقتصادهم الذي لم يكن محليا أبداً, فلم تكن سهول الشام ومردوداتها الاقتصادية المتواضعة تمكن أهلها من صنع الأهرام , أو من صنع الحدائق المعلقة والزقورات, والناظر الى الجامع الأموي بكل تاريخه المعبدي منذ هيكل حدد سيعرف دون بحث كبير أن سهول دمشق وغوطتها لم تكن قادرة على تمويل صرح كهذا الصرح من اقتصادها المتواضع , والناظر إلى معبد بعلبك العظيم يستطيع بسهولة القول إن اقتصاداً كاقتصاد البقاع لم يكن مؤهلاً لتمويل صرح كهذا , وإذن فمن مول صروح تدمر وبعلبك والقدس ودمشق وحلب .
الحق أن هذه المدن عاشت لعشرات القرون على ثروات التجارة البينية وعلى المكوس والضرائب على القوافل العابرة, وكانت تستغل عبقرية مكانها بين الشرق الأقصى والغرب , وبين سلافيا والجنوب لتمويل قوافلها واقتصادها ومشروعاتها المعمارية وإنشاء ثقافتها , فإقليم ينتج اللغة العبقرية المسماة بالآرامية , ثم يفرضها على العالم المتحضر كله دون ان يكون لهذه اللغة جيوش او قوة اقتصادية تصنعها وتفرضها لتصبح لغة العالم , وإقليم ينتج الكتابة في أوغاريت أداة لتسجيل ديون تجاره على المدينيين في أربعة أقطار العالم, إقليم استطاع الإفادة من ضعفه الاستراتيجي وعدم قدرته على تشكيل دولة ليشكل حضارة وثقافة كونية كالأرامية والإسلام .
وإذن فماذا عن الإسلام !
الحق أن الشام حاولت رغم ضعفها وتفتتها إنشاء دولة موحدة كبيرة وذلك حين أثرت البتراء = الرقيم فيما يسمى الآن بالاردن وحوران وصولاً إلى دمشق والحجاز وبدأوا صناعة امبراطوريتهم الى أن هب الرومان فسحقوهم , واختفى الحلم النبطي , بل حتى اليهود حاولوا فيما سمي بثورة المكابيين, ولكن العقوبة الرومانية كانت في تدمير أورشاليم وتحريم سكناها على اليهود , وربما كانت التجرية الأشهر في محاولة الدولة الكبرى شامياً ما قامت به تدمر بعد التحول في طرق التجارة الدولية لتصبح تدمر عاصمة التجارة بين الشرق والغرب وعاصمة الثراء, فيحاول ملوكها تحويل هذه المدينة الصحراوية الى عاصمة الامبراطورية بدأها حيران الذي تابع ابنه أذينة السير على طريقه , ولكن الأشهر بين السلالة كانت زنوبيا – زينب التي حكمت باسم ابنها وهب اللات في أواخر القرن الثالث الميلادي , فاحتلت الشام وجزءا من الأناضول ثم مصر, وانتبهت روما من رقدتها فجهز أورليان الجيوش وطردها من مصر, ثم من الشام, و.... قضى البسطار اللاتيني على الحلم الزينبي.
والسؤال الخطير الآن هو: أين اختفى هؤلاء المهزومون بعد هزيمتهم؟ هل تبخروا ؟ هل انقرضوا؟ أم أنهم فعلوا ما يفعل كل الحالمين المهزومين , يبحثون عن نقاط ضعف تجربتهم السابقة لإنجاح التجربة فيما بعد؟
وحين لم يكن أمام هؤلاء الفارين من بطش روما إلا الصحراء العربية فقد فروا إليها لاجئين إلى واحة ضائعة في الصحراء كانت تدعى مكة, وهناك أخذوا في محاولة إعادة صنع الحلم ثانية, ولكن كيف؟ .... كان ذلك باستعادة مصادر قوتهم في تدمر والبتراء والحـَـضـَـر, أي بنقل طريق التجارة إلى ذلك المكان النائي والبعيد عن البسطار اللاتيني, ولكن كيف والجزيرة العربية تعج بالقبائل البدوية المتوحشة التي لن تترك لقافلة طريقاً ولا لتجارة ممراً.
وهنا يبرز دور قصي بن كلاب, الذي صنع الاتفاقية الكبرى بين أهل مكة الجدد وبين القبائل البدوية , تلك الاتفاقية التي سنعرفها من خلال القرآن الكريم الذي سيذكرها في سورة (لإيلاف قريش , إيلافهم , رحلة الشتاء والصيف) تلك الاتفاقية التي سيسكن فيها وحشية البدو وجوعهم الى القتل , ونهمهم للنهب ....
وهل فينا من يذكر مذكرات البديري الحلاق, الدمشقي من القرن الثامن عشر الميلادي الذي كان يبكي وهو يحدث عما كان يحدث للحجاج في براري الجزيرة العربية أثناء رحلة حجهم, وكيف كان البدو ينهبونهم ويقتلونهم و(يشلحونهم) آخر قطرة ماء ولقمة خبز وقطعة قماش يسترون بها عريهم غير عابئين بالدين والحج وحرمة القتل..... كان هذا بعد أكثر من ألف ومئتي عام من هداية الإسلام لهم وتسكين هياجهم, ولكن طرد المدن لهم وفقر الجزيرة وانعدام مواردها مالبث أن عاد بهم إلى وحشيتهم الأولى.
وعلى أية حال فالفضل للأستاذ الياس سحاب (صاحب كتاب الإيلاف الكبير) إن لم تخني الذاكرة في تسمية الكتاب, وفيه سنرى فعل قصي بن كلاب لتسكين البدو وفتح طرق التجارة أمام رحلة الشتاء والصيف التجاريتين والتي أثرت مكة وجيرانها وسكانها.
حتى أن القرآن الكريم يقول عنهم ( والأعراب أشد كفراً ونفاقاً) فيرد عليهم البداة الأصليون في التصريح بأن القرشيين ليسوا أعراباً أصيلين, أي ليسوا من العرب العاربة, ويتهمونهم بأنهم من النبط, ولا ينكر القرشيون ذلك, فلقد قرأنا في سيرة ابن هشام أن ابن عباس يقول: نحن قوم من نبط كوثى ..
ما جرنا الى هذا الحديث الذي أعرف أنه إشكالي يتعثر في حقل ألغام الإيمانيات هو السؤال الذي كان يلح علي دائماً وهو: كيف استقبل الشاميون المسيحيون الغزوة الحجازية الإسلامية بعد انتصار الإسلام؟ هل نظروا إليها على أنها واحدة من الغزوات البدوية التي يمكن إرضاؤها ببعض طعام وبعض ثياب في انتظار رجوعها إلى باديتها المتقشفة, أم أنهم عرفوا أن هؤلاء الناس هم بنو عمومتهم الذين حاولوا في الشام ملكاً فأخفقوا, وهاهم يعودون ليحرروهم من البيزنطيين والفرس.
الواقع أن الشام كانت تعاني من مأزق مذهبي كبير تنازعها ما بين اليعقوبية ( السريانية القديمة كما يحبون أن يسموا ) وهي مذهب لم يقبل بالديكريتو الخالقيدوني, وبين الملكانية أو ما يسمى حالياً بالروم الأورثوذوكس وهم من قبلوا بالإعلان الخالقيدوني الرسمي الملكي للمسيحية, وكان كثير من النحل تنتشر في الشام مثل النسطورية والأريوسية الخ.. , وكان هرقل ممثل الملكانية قد أمر وكلف بمطاردة المذاهب المخالفة للملكانية, وأنا أستطيع أن أتخيل أن المعاقل الجبلية والمتخفية وراء البوادي والصحارى مثل نجران ونصاراها قد التزمت بالمذاهب اللاخالقيدونية تاركة الملكانية الخلقيدونية للمدن ..
هذا التمزق والاضطهاد الذي مارسته بيزنطة قد جعل المسيحية الشامية اللاخالقيدونية تجد في هؤلاء الحجازيين المهرب من اضطهاد المذهب الرسمي البيزنطي . وكان معاوية كما يبدو عارفاً بالخريطة المذهبية للشام, فتحالف مع المذاهب غير الخالقيدونية, وكانت قبائل الشام في معظمها مسيحية يمنية تدين باليعقوبية, مثل تحالف قبائل قضاعة ومن أشهرها قبائل كلب التي تنسب إليها قرية المزة قرب دمشق والتي كانت تسمى مزة كلب, أما بساتين الحمرية وهي البساتين التي اختفت تحت أبنية مخابرات كفرسوسة, فمن الواضح أن الحمرية تعني الحميرية.. أما في الغوطة الشرقية فهناك قرية ماتزال تدعى البحدلية وربما كانت البحدلية نسبة الى اسم بحدل الشهير أبي ميسون زوج معاوية والتي اشتهرت قصيدتها
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إلي من قصر منيف
هذه المرأة التي أنجبت لمعاوية ابنه يزيد
أقام معاوية التحالف مع مسيحيي الشام الذين أخلصوا له, فلم يكن همهم الملك بل الحفاظ على العقيدة, فاستقبلوا الحجازيين, كما سيفعل الشاميون بعد ثلاثة عشر قرناً حين يأتيهم الحجازي فيصل بن الحسين فيستقبلونه استقبال المخلص.
وكما سيمضي السوريون إلى جمال عبد الناصر فيلقون بسوريا بين يديه طالبين الوحدة هرباً من تمزقاتهم الجغراتاريخية.

خيري الذهبي

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow