Alef Logo
دراسات
              

سوريا الحرائق

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-01-01

في ستينيات القرن الماضي ( 1966) قدمت السينما الأمريكية فيلما سينمائيا كان اسمه هل تحترق باريس؟ وكان يتحدث عن نهايات الحرب العالمية الثانية حين كان الجيش النازي في طريقه الى الانسحاب من باريس،ولكن الجنرال المسؤول عن مؤخرة الجيش كان واقعا تحت رعب الاختيار بين الاستجابة الى طلبات ضميره الحضاري والإنساني والمربى منذ طفولته على زيارة المتاحف الفنية والمعارض والآثار والكاتدرائيات والقصور ،وكل ما انتجه العقل الفني لخدمة الجمال،وهذا ما شكل لديه ضميرا ثانيا من احترام الجمال والفن وما صنعه الانسان للجمال وليس للنفع او القتل،بل الجمال فقط.
كان الفيلم من اخراج رينيه كليمنت وبطولة جان بول بولموندو وشارل بواييه.. كان الجنرال موزعا بين الاستجابة لضميره الحضاري الذي لم تستطع الافكار العنصرية للنازية واحساسها بالتفوق العرقي على بني البشر ،وبين الطلب او الامر الاخير الذي اعطي له من قبل القيادة العامة قبل ان تنسحب،كان الامر هو: أحرق باريس .
كان عذاب الجنرال هو في انه يعرف باريس،يعرف كنيسة نوتردام دو باري،ويعرف قصر الاليزيه ،ويعرف التويليري ،وفرساي،ويعرف السان ميشيل،ويعرف مونبرناس،ويعرف الكنائس والقصور التي صنعها العقل واليد الانسانيان لقرون فصنعت من باريس مدينة للنور والجمال ومقصدا للحالمين برؤية الجمال على الارض عمارة وحدائق وفنا تشكيليا .
كانت باريس مقصد الاجيال منذ ان اطلقوا عليها اسم مدينة النور ،وكان الجنرال نفسه قبل ان يصبح جنرالا وقبل ان يصبح نازيا ،وقبل ان يصبح جزءا من الحلم الهتلري بالسيطرة على العالم ،كان من اولئك الشبان الذين اعتادوا مغادرة قراهم ودساكرهم ومدنهم ليروا العالم ،وكان العالم مختصرا في باريس.
أحرق بارس... كان الأمر مريعا، ولكن مخالفته كانت أكثر ترويعا، فربما كان ثمن المخالفة الإعدام أو القتل، ولكن الاستجابة له .. كان يعرف ذلك.. كانت تعني اللعنة التي ستحيق به وباسمه واطفاله وابائه . انه .. من احرق باريس. انه من سيكون هيروسترات بطل مسرحية "انسوا هيروسترات" الذي احرق المعبد اليوناني ليذكره التاريخ بانه من احرق المعبد .
كان الفيلم الطويل هو عن هذا الصراع الروحي والانساني بين عقل اوروبي متنور صنعته عدة قرون من عبادة الجمال ،والتربية الطويلة والمخلصة منذ مراحل التعليم الاولى في تذوق الجمال عمارة وفنا تشكيليا وموسيقى يسمعها في الكنائس وفي السهرات ،وربما كان الاب او الام عازفا ماهرا لا للتكسب من العزف وانما لارضاء ذوقه الشخصي الفني الاوروبي المتنور .
كان الصراع بين هذه التربية الطويلة والمخلصة والتي قام عليها عدد من كبار المربين الاوروبيين لصناعة انسان المستقبل والذي سيتكون عقله في جزء كبير منه من عبادة الجمال في دروس طويلة ومخلصة لتذوق الجمال وربما انشائه وابداعه .
لم يكن هذا التعليم للفنطزة او للتبجح، كما دأبت بعض بيوت محدثي الثروة والنعمة من عسكريين وحزبيين وكومسيونجية على شراء البيانوهات من موسكو التي ربما كانت تصنع بيانوهات خاصة للتصدير إلى سوريا، بيانوهات لا تصلح للاستعمال ولكنها تكفي لتلبية مزاج محدثي النعمة أولئك، فقد كان ديكور البيت يحتاج لاستكماله حسب مجلات الديكور الى بيانو فكانوا يستوردون البيانو ثم يستأجرون معلما لتعليم الطفل او الطفلة العزف عليه.. هذا البيانو كان في معظم الحالات ينتهي به الامر الى ان يصبح طاولة يوضع عليها فاز فيه زهور بلاستيكية.
كان الفيلم هو عن الصراع بين عقل اوروبي تربى على ايدي باخ وفاغنر وديبوسي .. الخ... وبين عقل اوروبي ايضا ولكنه خضوعا لاعجاب العقل بنفسه وما انجز وعبر مئتي عام من احتلال العالم الثالث كله تقريبا ،اعجاب الاوروبي بنفسه هذا وصل به الى الاحساس بتفوقه الالهي والطبيعي على ابناء البشر ... فكانت النازية التي لم تكن المانية فقط كما ارادوا لنا ان نردد بل كانت اوروبية بشكل عام،حتى انها وصلت في بريطانيا الى الملك الذي تخلى عن العرش تحت ضغط هائل من تشامبرلين والسياسيين البريطانيين المعادين للنازية فأجبروه على التخلي عن العرش ثم اخترعوا له قصة غرام رومانسية في زواجه من مطلقة امريكية تخلى عن عرش بريطانيا اكراما لحبه لها.
ونعود الى الضابط الممزق بين الاوروبي المثقف والاوروبي النازي،فبعد ساعتين من فيلم ممتع يستجيب الجنرال النازي للمثقف الأوروبي ويأمر جنوده بتفكيك المتفجرات والخروج من باريس لينقذ تراثا هائلا وجميلا للبشرية ،ما نزال نشكره ونشكر الضابط النازي الذي لم يستجب للوحش فيه فأنقذ تراث الجمال للإنسانية .
و..... صدر الأمر: أحرقوا البلد.
المؤسي والمزعج والمخيف،أن متلقي هذا الامر لم يتوقفوا ليفكروا: كيف أحرق سورية،كيف أحرق مدن الجمال،مدينة سيف الدولة وأبي فراس،مدينة خالد بن الوليد وديك الجن،كيف احرق مدينة السهروردي وابن جني،كيف أحرق المدن التي صمدت على كل كوارث الزمان، المدن التي لم يستطع المغول والتتار والصليبيون تدميرها فصمدت،وكانت سورية بحمصها التي أنتجت ثلاثة أباطرة لروما،وثلاثة من أهم رؤساء سورية .
كيف أحرق حلب المدينة الأهم بعد استانبول في الأمبراطورية العثمانية كلها، كيف أحرق حلب التي وقفت عنيدة صامدة ضد كل العنف والوحشية لدى جحافل الفرنجة الذين أسموا انفسهم بالصليبيين.
كيف أحرق حمص التي صمدت في وجه وحش الدمار التاريخي تيمورلنك، فنجت وسخرت منه بخفة دمها وطيب مائها وغوطتها وهوائها... لا لا ... فمتلقو الأمر لم يترددوا ولم يراجعوا ولم يؤنبهم ضميرهم ولم يتذكروا جماليات المدينة وأسواقها الاثرية وخانقاهاتها وخاناتها ،لم يتذكروا مساجدها ومدارس موسيقاها ،لم يتذكروا معرة النعمان مسرح ابي العلاء المعري التي هاجمها الصليبيون وأبادوا كل سكانها بعد حرب باسلة جعلت الاوروبيين من بدو النورمان والفرانك الذين لم يهذبهم باخ ولا فاغنر ولا موزارت ،فهم لم يولدوا بعد ،فيعمدون في إحدى الروايات الى أكل لحم ضحاباهم من اهل المعرة بعد فتحها ،أما حمص ..... فتحتاج الى كتب ومطولات للبكاء على ما وصلت اليه.
لا .... سأتوقف فأنا لا اريد الحديث عن من دمر هذه المدن وجمالياتها ،بل اريد ان اتحدث عن ما دمرها.... انا شخصيا أعتقد ان هذه الوحشية قد انبثقت في جزء كبير منها منذ الطفولة ،منذ إلغاء مواد الرسم والموسيقى وتاريخ الفن من مناهج اولادنا التعليمية ،منذ إلغاء زيارات المتاحف ومعارض الفن التشكيلي من مناهجنا التعليمية ،منذ إلغاء كل ما هو جميل في الحياة ،وإحلال مادة التربية القومية المعتصرة من أفكار البعث الخطابية ،ثم اختصار هذه الأفكار في تكليف الطلاب بحفظ خطب الرؤساء والكبراء محل دراسة تاريخ الفن ،فخلقنا الوحش الذي يزدري الجمال ولا يعتقد أن له اهمية،فالمهم هو حفظ آخر خطبة تفرض عليه في المنهج ،خطبة ربما ستلغى بعد شهر لتحل محلها خطبة جديدة،أما الجمال وأما التاريخ وأما الذاكرة فكلها تفاهات .
أحرقوا البلد ..... واحترقت البلد.... ولكن الشعب الذي صمد على كل كوارث الزمان ،سيصمد حتى على هذه الكارثة،كما صمد على كوارث المغول والنورمان.


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow