Alef Logo
المرصد الصحفي
              

لا شيء.. واستقبال الإبراهيمي بالتصعيد وبتسخيف تصريحات الشرع!

صالح القلاب

2012-12-28

ما كان منتظرا أن يجد المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي هذه المرة في دمشق أفضل مما كان وجده في المرة والمرات السابقة، فالرئيس بشار الأسد واجهه بنفس ما كان قاله مرارا وتكرارا، وهو أن حكومته حريصة على أي جهود تصب في مصلحة الشعب السوري وتحفظ سيادة سوريا واستقلالها، وهكذا فإن حليمة لا تزال على عادتها القديمة:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وهذا هو ما جعل الإبراهيمي يتجنب في أول تصريح له، بعد لقاء الأسد، الإشارة إلى الاتفاق الأميركي - الروسي الذي تم التوصل إليه في مباحثات جنيف الأخيرة بين نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ونائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز، والذي تردد أن أحد بنوده ينص، بالإضافة إلى عدد من النقاط الأخرى، على إعطاء الرئيس السوري، كنوع من حفظ ماء الوجه، فرصة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي كثر الحديث عنها في الفترة الأخيرة ثم المغادرة بعد ذلك وعلى الفور - ومعه من يرغب في أن يرافقه في هذا الخروج الآمن - إلى الدولة التي تقبل باستقباله والتي تشير بعض التقديرات إلى أنها دولة الإمارات العربية المتحدة.
والأدهى أن حكومة الرئيس بشار الأسد قد تعمدت استباق مهمة الإبراهيمي الجديدة بالتبرؤ من تصريحات فاروق الشرع التي كان استبعد فيها في حديث لصحيفة لبنانية تابعة لحزب الله اللبناني إمكانية الانتصار والحسم لا من قبل جيش النظام وقواته الأمنية ولا من قبل المعارضة وجيشها الذي هو الجيش السوري الحر والتي تحدث فيها أيضا عن ضرورة أن تكون هناك «تسوية تاريخية» يتم بموجبها تشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات واسعة النطاق ولمح إلى إمكانية تحجيم دور الرئيس السوري والحد من صلاحياته.
ثم وبالإضافة إلى هذا فإن نظام بشار الأسد، الذي بقي يتبع، منذ بداية هذه الأزمة الطاحنة، سياسة اتسمت بالمراوغات والألاعيب والأكاذيب، قد تعمد استقبال الإبراهيمي، الذي انتظر في القاهرة أياما عدة إلى أن أضاءت دمشق له الضوء الأخضر، بتصعيد عسكري جنوني تمثل في استخدام العنف المفرط وقتل المزيد من الأبرياء كما تمثل أيضا في استخدام الغازات السامة، وبخاصة غاز «السارين» القاتل، وذلك من أجل إظهار عدم خوفه من تهديدات الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإظهار أنه لا يزال يتمتع بالقوة الكافية لعدم تقديم أي تنازلات ولرفض الخطة الأميركية - الروسية الآنفة الذكر التي لم تتم الإشارة إليها خلال وجود المبعوث الدولي والعربي في العاصمة السورية لا من قريب ولا من بعيد.
وكل هذا قد جعل الإبراهيمي، هذا الدبلوماسي العريق المعروف بهدوئه وبالحرص الشديد على اختيار المفردات حمالة الأوجه في تصريحاته وأقواله إن في هذه المهمة وإن في المهمة السابقة وإن في مهامه الدبلوماسية على مدى تاريخ طويل، يقول في أول تصريح أطلقه بعد لقاء بشار الأسد: «لقد تبادلنا الرأي بشأن الخطوات التي من الممكن اتخاذها في المستقبل. إن الوضع في سوريا لا يزال يدعو إلى القلق وإنني أدعو كل الأطراف إلى التوجه نحو الحل الذي يتمناه الشعب السوري».
والملاحظ، وربما أن هذا هو ما جعل بشار الأسد يلجأ إلى التصعيد بدل التهدئة وجعله على لسان وزير إعلامه يتبرأ من فاروق الشرع ومن تصريحاته السالفة الذكر ويصف ما كان قاله لصحيفة «الأخبار» اللبنانية بأنه مجرد رأي كأي رأي شخصي لثلاثة وعشرين مليون مواطن سوري، إن الروس هم بدورهم قد استبقوا وصول الإبراهيمي إلى دمشق بعدم الحديث ولو بكلمة واحدة عما قيل إنه خطة أميركية - روسية حملها الموفد الدولي والعربي معه إلى العاصمة السورية. وهنا فإنه حتى التصريح الذي حذر فيه سيرغي لافروف النظام السوري من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه وقال إنه سيكون «بمثابة انتحار سياسي» قد أنهاه بالقول: «ولكنني لا أظن أن هذا النظام سيلجأ إلى تلك الأسلحة».
وهكذا فقد ثبت أن روسيا، ورغم كل ما قيل عن بعض التحول عن مواقفها السابقة لا تزال ماضية في دعم هذا النظام عسكريا وسياسيا، وبالتالي فإن إظهار هذه المرونة، التي جرى الحديث عنها والتي يقال إنها وراء خطة بوغدانوف - بيرنز التي حملها الإبراهيمي إلى دمشق، لا يمكن أن يفهم إلا على أنه مجرد مناورة جديدة للمزيد من المماطلة والمزيد من كسب الوقت وأيضا المزيد من التمييع لإعطاء بشار الأسد المزيد من الوقت ليواصل لعب الأوراق التي بقي يلعبها منذ البدايات ولعل وعسى أن يستطيع، إن لم يتمكن من إلحاق الهزيمة بالمعارضة، أن يحسن وضعه التفاوضي وأن يبقي على بعض أعمدة نظامه إن لم يستطع هو البقاء في سدة الحكم.
والمعروف أن لافروف، الذي كانت تصريحاته، ولا تزال، تشبه نعيق غربان الشؤم، كان قد قال من قبيل تحريض بشار الأسد على عدم تقديم أي تنازلات، إن روسيا والصين لا تستطيعان، حتى لو هما أرادتا هذا، إقناع الرئيس السوري بالاستقالة وحقيقة أن هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق إذ إن بإمكان روسيا أن تجعله يهرول هرولة إلى التنحي والمغادرة بأن تفهمه أنها لم تعد تحتمل ألاعيبه ومناوراته وتماديه في استخدام العنف المفرط ضد شعبه حتى بما في ذلك استخدام صواريخ «سكود» الروسية الصنع، لذلك فإنها قد تضطر إلى التخلي عن استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي.
المهم.. فإن ما يشير إلى أن الأخضر الإبراهيمي قد واجه في دمشق ما كان واجهه في المهمات السابقة وأنه حتما سيكتفي من الغنيمة بالإياب، أنه من قبيل وهم تحقيق أي شيء، قد التقى معارضة الداخل السورية، التي تتهم بأنها من صنع مخابرات بشار الأسد، وأجرى معها محادثات مطولة، ربما لطرد السأم عن نفسه، وخرج باتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية بـ«صلاحيات واسعة» والمعروف أن هذه الصيغة نفسها كانت قد وردت في تصريحات فاروق الشرع التي تقصد النظام السوري تسخيفها والتبرؤ منها قبل وصول المبعوث الدولي والعربي إلى العاصمة السورية بساعات وكانت قد وردت فيما قيل إنها خطة أميركية - روسية تم التوصل إليها في اجتماع جنيف الأخير بين نائب وزير خارجية روسيا وبين نائب وزير الخارجية الأميركية.
وبالنتيجة فإنه بالإمكان، في ضوء هذا كله، القول إن مهمة الأخضر الإبراهيمي هذه لم تحرز هي أيضا أي شيء، وأن كل ما سمعه سواء من بشار الأسد أو من بعض أعوانه ومساعديه هو مجرد كلام مبهم ومجرد مماطلات ومناورات لكسب المزيد من الوقت وكل هذا مع التصعيد المستمر في العنف المفرط الذي قد يصل إلى استخدام السلاح الكيماوي والغازات القاتلة على نطاق واسع ومع مواصلة التأزم الطائفي والاستمرار بالتلويح بخيار «الدولة العلوية» التي أصبحت هناك قناعة بأنها غدت خيار الرئيس السوري الأخير.
في كل الأحوالK فإنه لا بد من الإشارة في النهاية إلى أنه حتى لو إن معجزة مستحيلة قد توفرت وجعلت بشار الأسد يوافق على ما ذهب به الإبراهيمي إلى دمشق فإنه لا أمل إطلاقا بنجاح هذه المحاولة الجديدة. وذلك لأنه من غير الممكن تطبيقها لألف سبب وسبب، فالمعارضة السورية الحقيقية الفاعلة قد بادرت إلى رفضها رفضا مطلقا على اعتبار أن كل ما جاء فيها، وبخاصة ما يتعلق ببقاء بشار الأسد حتى عام 2014 يشكل إذعانا لهذا النظام واستسلاما لشروطه وإملاءاته ثم إن من المعروف أن بعض أركان النظام ما زالوا يعتقدون أنه لا يجوز الإسراع في التفريط وأنه بالإمكان بقاء نظامهم وكل هذا، والواضح أن روسيا لا تريد نهاية لهذه المأساة ما لم تحقق ما تريده إن إقليميا وإن دوليا، وهذا هو موقف إيران ولكن على نحو يتميز بالمزيد من الرفض والتشدد.
عن جريدة الشرق الأوسط.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

بعد أسبوعين.. «غزوة شارلي إيبدو»... ما هي الحقيقة؟!

24-كانون الثاني-2015

هل نحن بانتظار «سايكس بيكو» جديدة؟!

24-أيلول-2014

"شرَّفت يا كيري..يا بابا" !

06-كانون الثاني-2014

الأسد لن يفعلها و"أبشر بطول سلامة يا مربع "!!

08-حزيران-2013

أسباب إغراق إيران المنطقة بالحروب المذهبية!

03-أيار-2013

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow