Alef Logo
كشاف الوراقين
              

رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ج3

ألف

خاص ألف

2012-11-14

الرسالة الرابعة
***

في (العقل والمعقول)
وهي الرسالة الخامسة والثلاثون من رسائل إخوان الصفا .
"فصل أن الموجودات كلها نوعان"
فاعلم يا أخي أن الموجودات كلها نوعان: جسماني وروحاني. فالجسماني ما يدرك بالحواس، والروحاني ما يدرك بالعقل ويتصور بالفكر. فأما الجسماني فهو على ثلاثة أنواع: منها الأجرام الفلكية، ومنها الأركان الطبيعية، ومنها المولدات الكائنة. والروحاني أيضاً على ثلاثة أنواع: منها الهيولى الأولى الذي هو جوهر بسيط، منفعل، معقول، قابل لكل صورة. والثاني النفس التي هي جوهرة بسيطة، فعالة، علامة. والثالث العقل الذي هو جوهر بسيط، مدرك حقائق الأشياء. وأما الباري، جل وعز، فليس يوصف لا بالجسماني ولا الروحاني، بل هو علتها كلها، كما أن الواحد لا يوصف بالزوجية ولا الفردية، بل هو علة الأزواج والأفراد من الأعداد جميعاً.
واعلم أن الموجودات كلها علل ومعلولات. فنبدأ أولاً بذكر العلل الجسمانية، لأنها اقرب لفهمالمتعلمين، وأسهل على المبتدئين بالنظر في العلل والمعلولات الروحانية. واعلم أن الموجودات الجسمانية، لكل واحد منها أربع علل: على فاعلة، وعلى صورية، وعلى تمامية، وعلة هيولانية. مثال ذلك السرير، فإنه أحد الموجودات الجسمانية، له أربع علل؛ فعلته الفاعلة النجار، والهيولانية الخشب، والصورية التربيع، والتمامية القعود عليه. وهكذا السكين، فإن علتها الفاعلية الحداد، والهيولانية الحديد، والصورية الشكل الذي هو عليه، والتمامية ليقطع به اللحم أو الحبل أو شيء ما آخر. وعلى هذا القياس، إذا اعتبر، وجد لكل شخص من الأشخاص الموجودة هذه العلل الأربع. وأما الجسم المطلق فعلته الهيولانية هو الجوهر البسيط الذي قبل الطول والعرض والعمق فصار بها جسماً. وعلته الفاعلية هو الباري، عز وجل. وعلته الصورية العقل، لأن الطول والعرض والعمق إنما هي صورة عقلية. وعلته التمامية هي النفس، لأن الهيولى من أجلها خلق، وموضوع لها لكيما تفعل فيه. ومنه ما يعمل ويصنع ليتم الهيولى ويكمل النفس الذي هو الغرض الأقصى في رباط النفس مع الهيولى كما بينا في رسالة المبادئ. وأما الهيولى الأولى الذي هو جوهر بسيط روحاني فله ثلاث علل: الفاعلية وهو الباري، عز وجل، والصورة وهو العقل، والتمامية وهي النفس. وأما النفس فلها علتان، وهما الباري، عز وجل، والعقل. فالباري علتها الفاعلة المخترعة لها، والصورية هي العقل الذي يفيض عليها ما يقبل من الباري، عز وجل، من الفضائل والخير والفيض. وأما العقل فله على واحدة، فاعلة، الذي هو الباري، عز وجل، الذي أفاض عليه الوجود، والتمام، والبقاء، والكمال دفعة واحدة بلا زمان. أردنا بالعلة الفاعلة أن أبدعه بلا واسطة، فهذا العقل هو الذي أشار إليه بقوله في كتاب على لسان نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر، أو هو أقرب" وإليه أشار بقوله سبحانه: "ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" وقال: ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين" فالخلق هو الأمور الجسمانية، والأمر هو الجواهر الروحانية. واعلم يا أخي أن أكثر أهل العلم ظنوا أن الموجودات ليست إلا نوعان حسب: أحدهما الباري، عز وجل، والآخر الجسم وما يحله من الأعراض، وليست لهم خيرة بالجواهر الروحانية والصورة المجردة. ومن أجل هذا نسبوا كل ما يظهر من الأفعال والصنائع والعلوم والحكم على أيدي البشر باختياراتهم، وما يظهر من الحيوانات من الأفعال الطبيعية، إلى الجسم المؤلف من اللحم والدم على بينة مخصوصة؛ وإلى أعراض حية فيها بزعمهم مثل الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها، ولا يدرون أن مع الجسد جوهراً آخر هو المحرك له والمظهر به ومنه أفعاله.فأما الذي يظهر في الأجسام من الأفعال الطبيعية التي لا يمكنهم أن ينسبوها إلى الحيوان، مثل إحراق النار لأجسام الحيوان والنبات، ومثل ما يستحيل في أجوافها من الغذاء إلى الروث والسرقين، ومثل ما يظهر في طباعها من السرور وما شاكله من الأفعال الطبيعية، فنسبوها كلها إلى الباري، جل ثناؤه، ومنهم من نسبها إلى الطبيعة، ولا يدري ما الطبيعة. ومنهم من يعللها بعلل مستمرة. ووقع بينهم في ذلك التنازع والتناقض ما يطول شرحه. وأما الحكماء والنجباء الراسخون في العلم فإنهم شاهدوا بصفاء نفوسهم، ونور عقولهم، جواهر أخر غير جسمانية، علامة بقوتها، سارية في الأجسام بلطافتها، فعالة فيها برويتها، هي جند الله ولب الخليقة، فنسبوا هذه الأفعال الطبيعية إليها، ونزهوا الباري، سبحانه، عنها، إلا ما يليق به من الحكمة والسياسة والتدبير. واعلم يا أخي أن الحكماء الذين عرفوا الجواهر الروحانية إنما وصلوا إلى معرفتها بعد اعتبار حال الجسم والأعراض التي تحله. وذلك أن الجسم من حيث هو جسم ليس بفاعل ولا متحرك بل هيولى، منفعل، قابل للصورة والأعراض الحالة فيه، وكذلك الأعراض التي تحلل الجسم لا فعل لها، لأنها أنقص حالاً من الجسم، إذ كان لا وجود لها إلا بتوسط الجسم. وأما الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها التي زعموا أنها أعراض حالة في الجسم، وبها يفعل هذه الأفعال وهاهنا وقع اللبس فإنها ليست هي أعراضاً جسمانية، بل هي أعراض روحانية توجد في بعض الأجسام بمقارنة النفس إياها لها، وتفقد عند مفارقتها إياها. فصح بهذا الاعتبار أن مع الأجسام الحيوانية جواهر أخرى غير جسمانية، هي الفعالة في الأجسام هذه الأمارات التي تظهر في بعضها دون بعض، وسموها نفوساً. ولما رأوا أن النفوس تتفاضل بعضها على بعض بأمر الآخر مؤيداً لها، ومفيض عليها الخير والفضائل، علموا أنه جوهر أشرف وأفضل من جوهر النفس، وسموه العقل. ولما كان العقل هو المقر على نفسه بأنه مربوب، وله مدبر خالق، صانع حكيم نزهه من جميع صفات النقص، فحينئذ صح لهم، وبهذه الاعتبارات، ما قالوه ووصفوه من مراتب هذه الموجودات الروحانية التي تقدم وصفها وذكرها، وهي الهيولى الأربعة، والنفس، والعقل، والباري، جل ثناؤه. واعلم يا أخي أنه قد بان بما ذكرنا أن النفس الكلية هي جوهرة روحانية فاضت من العقل الذي أشارت إليه الفلاسفة، وأنها كالهيولى الموضوع له، لما يفيض عليها من الصور والفضال والخيرات لتكمل هي، وأنها كالصانع المصور للجسم بما تنقش فيه من الصور والأشكال لتتمه بذلك. واعلم أن النفس الكلية هي صورة فيها جميع الصور، كما أن الجسم الكلي شكل فيه جميع الأشكال، غير أن الصور في ذات النفس لا تتراكم ولا تتزاحم، لأنها جوهرة روحانية لطيفة، حية، علامة، فعالة. وأما الجسم فإن الأشكال تتراكم فيه وتتزاحم من أجل أنه جوهر غليظ، كثيف، ميت، جاهل، منفعل، كما بينا في رسالة المبادئ.
"فصل واعلم أن النفس هي في ذاتها جوهرة"
ولكن كونها مع الجسم بالعرض لغرض ما، والغرض هو أمر سابق إلى وهم الفاعل، فإذا بلغ الفاعل إليه قطع الفعل.
"فصل النفس الإنسانية"
وإذ قد فرغنا من ذكر النفس الكلية والعقل الكلي، فنريد أن نذكر النفس الإنسانية، إذ هي قوة من قوى النفس الكلية . ونذكر أيضاً الإنساني، إذ هو قوة من قوى النفس الكلية، ونصف أفعال النفس وقواها، إذ كانت النفس جوهرة روحانية. ولما كانت الجواهر الروحانية لا تدرك بالحواس، ولا تعرف إلا بما يصدر عنها من الأفعال والأعمال، بحسب القوى، احتجنا إلى أن نذكر كمية قواها، ونصف فنون أفعالها، وعجائب صنائعها، وغرائب علومها، وظرائف أخلاقها، واختلاف آرائها.واعلم يا أخي أن للنفس الإنسانية قوى كثيرة لا يحصى عددها إلا الله، جل ثناؤه، وأنلها بكل قوة، في عضو من أعضاء الجسد، فعلاً خلاف عضو آخر. وقد بينا طرفاً من ذلك في رسالة تركيب الجسد، وطرفاً في رسالة الحاس والمحسوس، وطرفاً في رسالة الإنسان عالم صغير. ووصفنا فيها ان نسبة القوى الحساسة إلى النفس يأتيون بها إليها من أخبار محسوساتها، كنسبة أصحاب الأخبار للملك قد ولى كل واحد منهم ناحية من مملكته ليأتوه بالأخبار من تلك النواحي. وذكرنا فيها أيضاً أن لها خمس قوى أخرى نسبتهن إليها كنسبة الندماء إلى الملك، وهي القوة المفكرة، والقوة المتخيلة، والقوة الحافظة، والقوة الناطقة، والقوة الصانعة. واعلم أن القوة المفكرة التي مسكنها وسط الدماغ، من بين هذه القوى، كالملك، وسائرها لها كالجنود والأعوان والخدم والرعية، يتصرفون بأمرها ونهيها فيما يفعلون في أعضاء الجسد من الحركات، وما يظهرون من الصنائع والأعمال؛ وأن موضعها من بين مواضع سائر القوى في اشرف عضو من الجسد وأخص مكان منه، كما أن دار الملك في أشرف مدينة من بلدان مملكته، وفي أجل موضع من المدينة، وفي اشرف بقعة منها.
واعلم يا أخي أن أفعال هذه القوى الخمس أشرف وأكرم من أفعال سائر القوى. وقد بينا في رسالة الحاس والمحسوس أن القوة المتخيلة التي مسكنها مقدم الدماغ، نسبتها إلى القوة المفكرة بما تجمع إليها من أخبار المحسوسات، كنسبة صاحب الخريطة إلى الملك؛ ونسبة القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ، ونسبتها إلى المفكرة، كنسبة الخازن الحافظ ودائع الملك؛ ونسبة القوة الناطقة التي مجراها على اللسان إلى المفكرة كنسبة الحاجب والترجمان إلى الملك؛ ونسبة القوة الصانعة التي مجراها اليدان والأصابع إلى المفكرة كنسبة الوزير المعين له في تدبير مملكته، والمساعد له في سياسته لرعيته.
"فصل فيما تتولى القوة المفكرة بنفسها"
من الأفعال
واعلم يا أخي أنه إذا أوصلت القوة المتخيلة رسوم المحسوسات إلى القوة المفكرة، بعد تناولها من القوى الحساسة، وغابت المحسوسات عن مشاهدة الحواس لها، بقيت تلك الرسوم في فكر النفس مصورة صورة روحانية، فيكون جوهر النفس لتلك الرسوم المصورة فيها كالهيولى، وهي فيها كالصورة. والمثال في ذلك أن الإنسان إذا دخل مدينة من البلدان، وطاف في أسواقها ومحالها، وعاين طرقاتها، وشاهد أهلها، ورأى هيئاتهم، وسمع اقاويلهم، وعرف شمائلهم، ثم خرج منها، وغابت مشاهدة حواسه لها، فإنه كلما فكر في تلك المدينة وما شاهد فيها، تخيلها كأنه يراها معاينة، على مثل ما كان شاهد في وقت كونه فيها، لو كان ذكر لها بعد حين من الدهر. فتلك الفكرة ليست شيئاً سوى لمحات النفس إلى ذاتها. وتخيلها لصورة تلك المدينة وما رأى فيها من الموجودات ليس شيئاً سوى صور تلك الموجودات انطبعت في جوهر نفسه كما ينطبع نقش الفص في الشمع المختوم. وعلى هذا القياس حكم سائر المحسوسات من أول استعمال آلات الحواس إلى وقت تركها لها عند الممات الذي هو ترك النفس استعمال الجسد.واعلم يا أخي أنه إذا حصلت رسوم المحسوسات في جوهر النفس، فإن أول فعل القوة المفكرة فيها هو تأملها واحدة واحدة لتعرف معانيها وكمياتها وكيفياتها وخواصها ومنافعها ومضارها. فإذا حصل العلم بهذه المعاني، أودعتها القوة الحافظة إلى وقت التذكار. فإذا أراد الإنسان الإخبار عن معلوماته للمخاطبين له، والجواب للسائلين له عن متصوراته ومفهوماته، استعانت عند ذلك القوة المفكرة بالقوة الناطقة في النيابة عنها في الجواب لغيرها، كما يستعين الملك بحاجبه وترجمانه في النيابة عنه في الخطاب لغيره. ولهذه القوة المفكرة في معلوماتها المحفوظة أفعال آخر ذكرنا طرفاً منها في رسالة المنطق، وطرفاً آخر في رسالة الموسيقى، وطرفاً آخر في رسالة الإنسان عالم صغير، حسب ما يليق بكل رسالة الموسيقى، وطرفاً آخر في رسالة الإنسان عالم صغير، حسب ما يليق بكل رسالة منها، لأن العلوم كلها لا يمكن أن تجمع في دفتر واحد جسماني. فأما النفس فإنها تجمع علوماً شتى، وصنائع عدة، وأخلاقاً مختلفة، وآراء متفاوتة، لأنها دفتر روحاني لا تتزاحم فيها صور المعلومات كما تتزاحم في الهيولى الجسماني. مثال ذلك أن السواد والبياض لا يجتمعان في محل واحد، في زمان واحد، ولا الحلاوة ولا المرارة في جسم ذي طعم، ولا التدوير ولا التربيع في شكل واحد مجشم، وما شاكلها من الصور والأعراض المتضادة؛ فإن بعضها يفسد بعضاً إذا كانت من جنس واحد. فأما في جوهر النفس فلا تتزاحم فيها الصور بل كلها تجمع في نقطة واحدة كما تلتقي الخطوط في مركز الدائرة في نقطة واحدة؛ وكما تلتقي صور المرئيات كلها، مع اختلاف أجناسها، في المرآة وفي الحدقة التي هي نقطة من العين، كما بينا في رسالة الحاس والمحسوسات، فليطلب هناك.
فيما يختص بالقوة الناطقة من الأفعال فنقول: اعلم أن من شأن القوة الناطقة، إذا استعانت بها القوة المفكرة في النيابة عنها في الجواب والخطاب، أن تؤلف ألفاظاً من حروف المعجم بنغمات مختلفة السمات التي هي من الكلام؛ ثم تضمن تلك الألفاظ المعاني التي هي مصورة عند القوة المفكرة، فتدفعها، عند ذلك، إلى القوة المعبرة لتخرجها إلى الهواء بالأصوات المختلفة في اللغات، لتحملها إلى مسامع الحاضرين بالقرب، فتكون تلك الألفاظ المؤلفة من الحروف المختلفة الأشكال والسمات كالأجساد المركبة من الأعضاء المختلفة، وتكون تلك المعاني المضمنة في تلك الألفاظ كالأرواح لها؛ لأن كل لفظة لا معنى لها فهي بمنزلة جسد لا روح فيه. وكل معنى في فكر النفس ليس له لفظة تعبر عنه فهو بمنزلة روح لا جسد له. وكل معنى في فكر الناس ليس له لفظة تعبر عنه فهو بمنزل روح لا جسد له. وقد بينا كيفية الهواء صور الأصوات وحفظها بهيأتها إلى أن توردها وتؤديها إلى السمع في رسالة الحاس والمحسوس، وذكرنا أيضاً أن الأصوات، لما كانت لا تمكث في الهواء إلا ريثما تأخذ المسامع حظها ثم تضمحل، احتالت الحكمة الإلهية بأن قيدتها بالقوة الصناعية التي هي الكتابة. وذلك أن القوة المفكرة، لما رأت أن الكلام لا يثبت في الهواء دائماً لأنه جسم سيال، احتالت حيلة أخرى، واستعانت بالقوة الصناعية، أن نقشت حروفاً خطوطية بالقلم تحاكي معاني حروف لفظية، ثم ألفتها ضروبات التأليف، حتى صارت كتاباً مكتتباً، وأودعتها وجوه الألواح وبطون الطوامير، لكيما يبقى العلم مفيداً فائدة من الماضين للغابرين، وأثراً من الأولين للآخرين، وخطاباً للحاضرين من الغائبين، وبالعكس. وهذا من جسيم نعم الله تعالى على الإنسان، كما ذكر الله تعالى في كتابه: "اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم." ثم اعلم أن للقوة الصناعية أفعالاً كثيرة لا يحصي عددها إلا الله تعالى. وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في رسالة الصنائع. وكذلك القوة الناطقة لها لغات كثيرة، وألفاظ مختلفة، ونغمات مفنوة لا يحصي عددها إلا الله، عز وجل، وقد ذكرنا منها طرفاً في رسالة اختلاف اللغات، وطرفاً في رسالة الموسيقى. ثم اعلم أن القوة المفكرة لها أفعال كثيرة تستغرق فيها أفعال سائر القوى. وذلك أن أفعالها نوعان: فمنها ما يخصها بمجردها، ومنها ما يشترك مع قوى أخرى. فمنها الصنائع كلها فإنها مشتركة بينها وبين القوة الصناعية. ومنها الكلام وأقاويل اللغات، فإنها مشتركة بينها وبين القوة الناطقة. ومنها تناول رسوم المعلومات المحفوظة، فإنها مشتركة بينها وبين القوة الحافظة. وأما التي تخصها من الأفعال فالفكر، والروية، والتصور، والاعتبار، والتركيب، والتحليل، والجمع، والقياس. ولها الفراسة، والزجر، والتكهن، والخواطر، والإلهام، وقبول الوحي، وتخييل المنامات. وتفصيل ذلك: فأما بالفكر فاستخراج الغوامض من العلوم. وبالروية تدبير الملك وسياسة الأمور. وبالتصور درك حقائق الأشياء. وبالاعتبار معرفة الأمور الماضية من الزمان. وبالتركيب استخراج الصنائع أجمع. وبالتحليل معرفة الجواهر البسيطة والمبادئ. وبالجمع معرفة الأنواع والأجناس. وبالقياس درك الأمور الغائبة بالزمان والمكان. وبالفراسة معرفة ما في الطبائع من الأمور الخفية. وبالزجر معرفة حوادث الأيام. وبالتكهن معرفة الكائنات بالموجبات الفلكية. وبالمنامات معرفة الإنذارات والبشارات. وبقبول الخواطر والإلهام والوحي معرفة وضع النواميس وتدوين الكتب الإلهية وتأويلاتها المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون من أدناس الطبيعة الذين هم أهل البيت الروحانيون. وقد بينا في رسالة الناموس أن وضع النواميس وتدوين الكتب الألهية أعلى رتبة ينتهي إليها الإنسان بالتأييد الرباني، وهي أشرف صناعة تجري على أيدي البشر مثل شريعة صاحب التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
واعلم يا أخي أن الباري، جل جلاله، جعل الأمور الجسمانية المحسوسة كلها مثالات ودلالات على الروحانية العقلية، وجعل طرق الحواس درجاً ومراقي يرتقي بها إلى معرفة الأمور العقلية التي هي الغرض الأقصى في بلوغ النفس إليها. فإذا أردت يا أخي أن تبلغ إلى أفضل المطلوبات وأشرف الغايات التي هي الأمور العقلية، فاجتهد في معرفة الأمور المحسوسة، فإن بذلك تنال الأمور العقلية. وقد بينا في رسائلنا الطبيعية طرفاً من ذلك. ثم اعلم أن معرفة الأمور الجسمانية المحسوسة هي فقر النفوس وشدة الحاجة، ومعرفة الأمور المعقولة الروحانية هي غناها ونعيمها، وذلك أن الفنس في معرفة الأمور الجسمانية محاجة إلى الجسد وحواسها وآلاتها لتدرك بتوسطها الأمور الجسمانية. وأما إدراكها الأمور الروحانية فيكفيها ذاتها وجوهرها بعدما تأخذها من الحواس بتوسط الجسد. وإذا حصل لها ذلك فقد استغنت عن الجسد وعن التعليم بالجسم بعد ذلك. فاجتهد يا أخي في طلب الغنى الأبدي بتوسط هذا الهيكل وآلاته، ما دام يمكنك ذلك قبل فناء العمر وتصرم المدة، وفساد الهيكل وبطلان وجوده. واحذر كل الحذر أن تبقى نفسك فقيرة محتاجة إلى هيكل ليتم به ما فاته من الكمال، فتكن ممن يقول: "يا ليتنا نرد فنعمل غير الذين كنا نعمل" وتبقى في البرزخ إلى يوم يبعثون. ومن أين لهم أن يشعروا أيان يبعثون، ما دامت هي ساهية، لاهية، غافلة، مقبلة على الشهوات الجسمانية من اللذات الجرمانية، والزينة الطبيعية، والغرور بالأماني في هذه الحياة الدنيا المذمومة التي ذمها رب العالمين فقال: "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته" إلى قوله: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور: وقال في قصة قارون: "فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم." ثم حكى قول الربانيين العلماء العارفين بالأمر الأشراف في المراتب العالية. "ويلكم، ثواب الله خير لمن آمن" يعني به عالم الأرواح الذي كله روح وريحان وتحية ورضوان.ثم ذم الذين لا يعرفون من هذه الأمور المعقولة إلا المحسوسات حسب، فقال: "رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون" يعني أمر الآخرة ودار النعيم ودار السلام التي ترتقي إليها نفوس الأخيار بعد مفارقتها أجسادها، كما ذكر في كتابه: " إليه يصعد الكلم الطيب" يعني روح المؤمن، "والعمل الصالح يرفعه" أي يرغبه فيها، وهمته ترقيه إلى هناك "ومغفرة من الله" وروح ورضوان، وغير ذلك من الآيات المذكورة في القرآن وأخبار الأنبياء، عليهم السلام، في ذم الدنيا والاجتناب عنها. وكذلك إشارات الحكماء
شعراً:
فأنت بالنفس لا بالجـسـم إنـسـانفاجهد على النفس، واستكمل فضائلها
فعليك أن لا تغتر بزخارف هذه الدنيا الدنية، وعليك أن تتبع الآراء الحسنة، وتهذب النفس، وفقط الله وإيانا وإخواننا للسداد، وهداك وإيانا سبيل الرشاد، إنه رؤوف بالعباد.
تمت رسالة العقل والمعقول ويليها رسالة في الأدوار والأكوار.

نهاية الرسالة الرابعة
إعداد : ألف *
يتبع ...

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow