Alef Logo
كشاف الوراقين
              

تاريخ آل سعود ـ ناصر السعيد *ج 4

ألف

خاص ألف

2012-11-07

نعود بعد أن أقحمنا هذا الفصل من حياة الرشيد ـ في سياق الحديث عن الامام فيصل بن تركي آل سعود ـ لنواصل الحديث عن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود الذي توفي سنة 1282 هـ الموافق 1866 م وسرت كل نجد بموته كثيراً، وقد جرت بعد ذلك محاولات كثيرة للقضاء على نفوذ هذه الأسرة السعودية الشريرة غير أنها لم تنجح، وبموته خلف وراءه ولدين هما عبد الله وسعود بن فيصل ولكن هذين الولدين اختلفا كما يختلف الآن أمراء الاسرة السعودية الفاسدة على الغنيمة "والغنيمة هي الشعب وممتلكاته" وراح كل واحد من هذين الأميرين عبد الله وسعود يجمع حوله الدلاديل والذيول كما يفعل بعض الأمراء الآن تماماً، لكن كل شعب نجد ثار ـ في حينه ـ على جور هذه الأسرة اليهودية ولم يبق مع آل سعود إلا المرتزقة، فثارت قبلية العجمان بقيادة زعيمها العظيم راكان بن حثلين تناصرهم قبائل آل مرة. فتقدموا إلى الهفوف عاصمة الإحساء وكان فيها أحمد السديري حاكماً من قبل عبد الله بن فيصل فحاصروه فيها، واستولوا عليها وحرر العجمان والاحساء من الرجس السعودي، وحاول عبد الله بن فيصل آل سعود أن ينتقم فأرسل عدداً من أذنابه لإحراق عدد من بساتين الإحساء ودور الفلاحين ففعلوا وأحرقوا الكثير منها وهرب العديد من الفلاحين إلى العراق، ولكن ما فعله آل سعود قد زاد النقمة وحقد المواطنون عليهم، ثم لم يكتف عبد الله بن فيصل بذلك، بل أرسل الماء المسمى (جودة) حيث كان يقيم عليها العجمان بني مرة بقيادة راكان ابن حثلين، وطلب عبد الله بن فيصل آل سعود من جنده أن يأخذوا العجمان على غرة قبيل طلوع الشمس فيقتلونهم، ولكن العجمان وبني مرة تنبهوا لهذه الخطة الغادرة فدحروا الجند السعودي وقتلوا منهم 2700 مقاتل سعودي مأجور، فسارع سعود وأتباعه (وهو شقيق عبد الله) باحتلال الرياض وطرد أخيه عبد الله منها وذلك سنة 1287 هـ الموافق 1870 م فأعلن سعود الثاني نفسه إماماً على نجد، وهكذا يتخاصم أمراء آل سعود الذين زعموا أنهم "أحراراً" على الشعب لسلب قوته والتسلط عليه وقتله، فحاول عبد الله بن فيصل أن يغتال شقيقه ولكنه لم ينجح وبعد ذلك حمل ما سرقه من أرزاق الشعب من ذهب وفضة ونفائس على مائة بعير وراح يتنقل من مكان إلى آخر لعله يجد من ينصره من المرتزقة، ولكنه لم يجد أحداً سوى التافهين المرتزقة والمنتفعين الذين أغراهم بما سرقه من أموال الشعب فأرادوا الانتفاع بها، ولما رأى عبد الله بن فيصل عدم جدوى التافهين في اعادة السلطة السعودية إليه من أخيه، توجه عبد الله بن فيصل إلى زامل السليم حاكم مدينة عنيزة في لواء القصيم ولكن شعبنا المؤمن في عنيزة طلب من عبد الله آل سعود أن يغادرها حالا لأنه لا يمكن للشعب أن يناصر أميرا سعوديا على أخيه ليستولي هذا الامير على الحكم بينما جميع آل سعود ضد مصلحة الشعب وجميع الشعب يريد الخلاص من حكم آل سعود جميعاً فاخرج أيها الأمير فكل العرب يريدون النجاة من شرور الاسرة السعودية الخبيثة. فغادر الأمير السعودي عبد الله بن فيصل عنيزة إلى حائل فاتصل بحاكمها محمد العبد الله الرشيد غير أنه لم يجد صدراً رحباً منه وكان موقف شعبنا في حائل بوجه عبد الله بن فيصل السعودي لا يختلف عن موقف شعبنا في عنيزة، وهو (عدم مناصرة أي أمير سعودي وجميع الناس يريدون التخلص من جرثومة العائلة السعودية كلها)، فرحل عبد الله بن فيصل آل سعود من حائل إلى سلطان الدويش (والد فيصل الدويش) زعيم قبيلة مطير الذي قتله الطاغية الأخير عبد العزيز كما سبق لسعود الأول أن قطع رؤوس شيوخ هذه القبيلة ووضع رؤوسهم على مائدة الاكل وطلب من أبناء مطير الذين جاءوا يطالبون باطلاق شيوخهم أن يأكلوا من مائدة وضعها فوق رؤوس أبنائهم واخوانهم أبناء قبيلة مطير، ولكن مع كل هذا فقد التجأ عبد الله بن فيصل آل سعود آل قبلية مطير واتصل بشيوخها سلطان الدويش والد فيصل الدويش كما اتصل مع عساف أبو اثنين رئيس قبيلة سبيع يستنصرهم على أخيه سعود لمعرفته بأن شيوخ هذه القبائل يكرهون أخاه سعود، ولكن سلطان الدويش وعساف أبو اثنين أبلغا عبد الله آل سعود بأنهما وشيوخ القبيلة يكرهون الحكم السعودي كله لأنهم ذاقوا العذاب على أيدي كل آل سعود الدخلاء وانهم سيعملون على تحطيم العائلة السعودية كلها، ولم ينجح عبد الله آل سعود بما حمله معه من ذهب مسروق من الشعب أن يغري به شيوخ مطير وسبيه، حيث رأى أنه لا حياة لآل سعود ما لم يعتمدوا على المستعمرين والأجانب فأرسل صديقه عبد العزيز بن بطبين إلى مدحت باشا العثماني منصوب السلطات التركية في بغداد آنذاك ليستمد منه المعونة لقتل أخيه سعود وتسليم البلاد. وبهذا الاتصال السعودي القذر وجد مدحت باشا الفرصة سانحة للاستيلاء على الإحساء وسائر البلاد التي لم تخضع لتركيا قبل وجود آل سعود فسار الاتراك يساعدهم ناصر باشا السعدون رئيس قبيلة المنتفق وعبد الله بن صباح حاكم الكويت بجندهما واحتلت القوة التركية الإحساء وأطلقوا عليها اسم (ولاية نجد) وبعد ذلك طرد الاتراك عبد الله بن السعود. هذا ما أوردته كتب التاريخ، كما ورد هذا في كتاب المستشار السعودي حافظ وهبة في صفحة 229 من كتابه (جزيرة العرب في القرن العشرين) الذي صدر بموافقة الطاغية الملك عبد العزيز (الاخير) وأمر له بنفقات طبعه، وحافظ وهبة هو مستشار الملك عبد العزيز والعضو البارز سابقاً في (مجلس الربع) الذي كان يرأسه جون فيلبي خالق هذا العرش الاخير. من هذا يتضح حتّى لسذج الناس أن العائلة السعودية الدخيلة لم يقم حكمها في بلادنا ـ قديماًوحديثاً ـ الا على أعمدة أجنبية يهودية أولاً ثم عثمانية انكليزية وأمريكية، ومن ذلك يتضح: أن الأمير السعودي كان يقتل أخاه في سبيل ملذاته وشهواته للحكم، وفي سبيل محافظته على هذه الشهوات التي يوفرها له الحكم يبيع آل سعود بلادنا للشيطان الرجيم، وفي هذا العصر يحاول بعض أمراء الاسرة السعودية الفاسدةإعادة نفس التاريخ السعودي القديم بقتل الالاف من شعبنا وقتل حتّى بعض أفراد الاسرة ممن حاولوا شهر نفس السلاح، سلاح (الدين المزيف) بوجه الأسرة فقتل أفراد الاسرة بعضهم، كما حصل للامير خالد بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود الذي قتله أعمامه آل فهد (فهد وسلطان وسلمان بتهمة أن عدداً من أبناء الشعب حاولوا دفعه لمعارضة فساد أسرته)..وذلك عام 1964. عودة إلى ماضي الأسرة السعودية لنعود الآن إلى ما حدث بسعود الثاني عام 1259 هـ الموافق 1871 م.. لقد تململ شعبنا في الرياض من جور هذه العائلة السعودية ومن تسابق أمرائها على الحكم والتحكم في رقاب الشعب مع الادعاء الزائف بحبهم للشعب وتبني مطالبه! فاجتمع شعبنا في قصر الرياض في يوم 17 رجب 1288، 1871 م وأجمعوا على خلع سعود وطرده من الرياض.. فوجد أخوه عبد الله المقيم في الاحساء كالدمية في يد العثمانيين بعد أن أدخلهم إلى الإحساء، وجد أن الفرصة مواتية له فترك الإحساء ودخل الرياض يدعمه الجند العثماني، وحيث أن شعبنا في الرياض لم يقتل سعود الثاني وانما اكتفى بطرده من الحكم فقد حمّل سعود ستين بعير! بما سرقه من ذهب وراح يستنصر الناس لقتل أخيه عبد الله رافعاً راية "الأمير الحر" فاستطاع بذلك أن يخدع البعض من قبيلة الدواسر والبعض من قبيلة عتيبة بما كذبه عليهم من أكاذيب قائلاً (أنه يريد قتل أخيه عبد الله عميل بني عثمان وإبعاد الأتراك من البلاد التي سلمها لهم شقيقه عبد الله) واستمر سعود الثاني يكذب على الدواسر وقبيلة عتيبة وعلى عدد آخر من أبناء نجد قائلاً (انّه سيجعل الأمر شورى بينهم ويحكم البلاد بالعدل وسيترك الأمر للناس باختبار من يريدون لحكمهم الذي يرتضونه وأن آل سعود سوف لن يكون لهم صفة أو حكم..) وبمثل هذه المواعيد أخذ سعود الثاني يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم آل سعود إلا غرورا.. فاقتنع بعض أبناء الدواسر بالكذب السعودي وساروا معه وحاصروا أخاه عبد الله في أرض الجزعة قرب الرياض فحطموه وهرب عبد الله واستولى سعود من بعده على الرياض وأعلن نفسه ( إماماً ) وانتظر الدواسر وعتيبة أن يحقق ما وعدهم به فإذا ما وعد به سعود لم يكن سوى مواعيد سعودية.. لا يختلف ماضيهم فيها عن حاضرهم ولا أولهم عن آخرهم.. فطلبوا من سعود الثاني أن يسير بهم لتحرير الإحساء وبقية البلاد من الجند العثماني، ولكنه ضحك عليهم بالمواعيد الكاذبة، فبدأت معظم قبائلنا تطالب الجيوش العثمانية بالرحيل من البلاد، وعندما رأى سعود عزم القبائل على الثورة وتحرير البلاد من الحكم السعودي الخائن والتسلط العثماني، أرسل لهم أخاه عبد الرحمن الفيصل (والد الطاغية الأخير الملك عبد العزيز) أرسله إلى بغداد مخادعاً بارساله العرب، قائلاً (إنني أرسلت أخوي عبد الرحمن إلى الوالي التركي في بغداد ليتفاوض معه على ابعاد حكم الأتراك واعطاءكم الحق في اختيار من تريدون!) فهدّأ العرب بعد أن سافر أخوه عبد الرحمن الفيصل إلى بغداد وبقي في ضيافة الحكم العثماني وطالت غيبته فيها!.. فياله من ماكر؟. إذ مكث أربع سنوات في بغداد.. فعرف العرب الخديعة، فثارت القبائل على آل سعود، وعند ذلك أخرج الحكم العثماني عبد الرحمن آل فيصل من بغداد ليلعبوا به لعبتهم على العرب فوصل عبد الرحمن آل فيصل إلى الاحساء وادّعى (انّه لم ينجح في مفاوضاته مع الاتراك، وأنه كان يتفاوض معهم طيلة هذه المدة) كما يزعم. ولكي يحرف الحكم العثماني الثورة عن طريقها الصحيح طلبوا من عبد الرحمن آل فيصل آل سعود أن يتصل بالبادية ويقود ثورتهم فيحرفها عن طريقها القويم الذي أرادوا بها الخلاص من آل سعود والحكم العثماني.. فنزل عبد الرحمن الفيصل بادية الإحساء وحثها على قتال الترك!.. فاجتمع حوله العجمان، واستولوا على الإحساء ما عدا (القلعة) في الكويت ـ وفيها الحامية التركية ـ بعد أن خدعهم عبد الرحمن آل فيصل طالباً منهم (الانتظار حتّى يتفاوض مع الاتراك لينسحبوا) وكان في الوقت نفسه قد ذهب للاتصال بقبيلة بني خالد فأثارها ضد بني عمهم العجمان قائلا لهم: (إن هناك خطة سرية دبرها العجمان لقتلكم يا بني خالد وهي أن العجمان، يريدون طرد الأتراك للاستيلاء على الحكم لأنفسهموقتلكم بعد ذلك فلهذا يجب أن تقاتلوا قبيلة العجمان مع الأتراك وأنا إذ أسرّ لكم بهذه الخطة فانما أنصحكم كأخ لكم وصديق!.) فصدق بنو خالد اليهودية، انقض بنو خالد على مؤخرة بني عمهم العجمان بينما هم يحاصرون القلعة ـ الحامية العثمانية ـ في الكوت بالإحساء.. والمضحك المبكي أن الذي كان يقود العجمان: لم يكن سوى الفاجر نفسه عبد الرحمن آل فيصل السعود.. وبناء على الخطة المتفق عليها مع للسلطات التركية انهزم عبد الرحمن بانهزام قائدهم!.. ومن يستدل بالبوم مصيره الخراب.. وفي هذه المعركة: قتل بنو خالد عدداً من أبناء عمهم العجمان بسبب غدر آل سعود وكذبهم وطعن من يعينهم من الخلف وركوعهم للاعداء ضد العرب والإنسانية والأخلاق والدين، أما العجمان فلم يعلموا إلاّ أخيراً بهذه الخديعة السعودية التي جعلت بعض أبناء عمهم بني خالد يقاتلونهم إرضاء لوجه الشيطان السعودي والاستعمار، وكذلك بنو خالد لم يعلموا إلاّ فيما بعد هذه الخديعة السعودية التي جعلتهم يقاتلون أبناء عمهم العجمان إرضاء لوجه الشيطان السعودي والاستعمار أيضاً… وبعد أن أوقع آل سعود بين العرب وأحسّ عبد الرحمن بقرب انكشاف هذه الوقيعة، سافر إلى الرياض ، بحجة إبلاغ شقيقه سعود الثاني، بما جرى، وكأنه لم يكن المتسبب لما، جرى، ولكن قبيلة عتيبة لم تسكت على ما لحقها هي الأخرى من جرائم سعودية نكراء، فثارت عتيبة بقيادة مسلط بن ربيعان فهجمت على الرياض من جهته الغربية فخرج "الإمام" سعود لقتال عتيبة ولكن عتيبة أحاطوا به وقتلوا معظم أنصاره وأصابوا سعود نفسه بجرح بليغ مات على أثره وذلك في صيف سنة 1291 هـ الموافق 1874 م.. وبموته امتطى أخوه عبد الرحمن آل فيصل آل سعود صهوة الإمامية وقفز إلى مكانه في الحكم مدعماً من الأتراك وأعلن نفسه إماماً.. واستمر عبد الرحمن بن فيصل "إماماً حاكما" في الرياض نحو سنة، حيث جاء إلى الرياض أخوه الاكبر عبد الله بن فيصل ونصب نفسه "إماما" مكانه قائلاً (انّه أحق بالمنصب من أخيه) وأفتى مشايخ الدين الوهابي "بصحة هذه الاحقية" ولكن عبد الله الفيصل لم يدم طويلاً حيث تمكن أبناء أخيه سعود ـ الميت ـ من القبض عليه وحبسه يوم 12 شعبان عام 1887 م وأفتى مشايخ الدين السعودي "بأحقية أولاد سعود على عمهم" وبهذا النوع من تشريع تجار الدين لحكم اللصوص استناداً على مبدأ (نحن مع الغالب ضد المغلوب).. انتشرت المفاسد.. وتململ الناس من ظلم آل سعود… وأخذت الفتن تطحن في نجد وتشتت في شعوب الجزيرة العربية.. فرأى عدد من مشايخ الدين ـ غير الوهابيين ورؤساء القبائل في نجد ـ أن يتصلوا بحاكم حائل آنذاك محمد العبد الله آل رشيد لنجدتهم (وتخليصهم من شر هذه العائلة المتطاحنة من أجل شهواتها وفي سبيل هذه الشهوات لا يهمها إلا أن يفتك الشعب بعضه ببعض) فتوجه ابن رشيد بجموع من نجد ـ كلها ـ إلى الرياض، وضرب (أبناء سعود) وفك ـ أسر ـ عمهم عبد الله بن فيصل وأخذه معه إلى حائل (العاصمة آنذاك) ووضع حاكماً من عنده في الرياض ثم نصب إلى جانب هذا الحاكم عبد الرحمن بن فيصل آل سعود وهكذا تم هذا بمنتهى السذاجة.. من محمد العبد الله الرشيد، أو بمنتهى الحكمة العرجاء أو العدل الذي لم يتبعه آل سعود فيما بعد.. وبالطبع لم يقف عبد الرحمن هذا موقف المتفرج بل حاول أن يثير الفتنة من جديد وينفصل بالرياض ليجعل من نفسه إماماً كما فعل في السابق، ولكن ابن الرشيد اكتشف فتنته، وأمره بالتوجه إلى حائل ليقيم إلى جانب أخيه الأسير عبد الله الفيصل ومعه عدد من مشايخ الوهابية وبذلك توقف عهد الفتاوى الباطلة واستقرت نجد كلها لقيادة ابن رشيد، كما ورد في التواريخ (لقد ساعد على ذلك الاستقرار شخصية محمد العبد الله الرشيد، وشهرته بالرحمة ورجاحة العقل ولين الجانب وكرمه وحبه للسلم). ولم يعد لآل سعود وآل الشيخ أي أهمية أو أثر في أحداث أي فتنة بين المواطنين… لكن هذا لم يدم طويلاً، فقد قام عبد الرحمن آل فيصل بدس نوع من السم البطيء ينبت في الصحراء بشكل شجيرات يطلق عليها (أم لبن) لشقيقه عبد الله بن فيصل، ولما ساءت حالته في حائل طلب من ابن رشيد أن يذهب للرياض فسمح له وذلك عام 1890 م كما أذن لأخيه عبد الرحمن ابن فيصل أن يرافقه ويسكن في الرياض أيضاً ، لكن عبد الله بن فيصل مات بعد وصوله إلى الرياض بيوم واحد، وحاول عبد الرحمن أن يثير الفتنة من جديد يسانده تجار الفتاوى ـ إياهم مشايخ الوهابية "آل الشيخ" وعدد من المرتزقة ـ وقبضوا على عامل ابن الرشيد (ابن سبهان) وأظهر الشعب تذمره مما فعله عبد الرحمن آل سعود، ولم يدم له الأمر أكثر من 20 يوما حتّى حاصره جيش ابن الرشيد ودخل الرياض دون إلحاق أي ضرر بالشعب وساعد على ذلك كره أهل الرياض للفتن السعودية وحكمها، واستسلم عبد الرحمن آل سعود ولم يكن جوابه (إلا طلب المغفرة من ابن الرشيد) وكانت حجته (أن عامل ابن الرشيد قد أساء إليه ولم يوفر له ما يحتاجه من مال وطعام) ومع ذلك تركه محمد ابن رشيد في الرياض وأمر عامله بأن يعطيه ما يحتاجه من مال وطعان، وفي هذه المرة وكلَّ عبد الرحمن المهمة إلى مشايخ الدين السعودي، فذهبوا إلى القصيم كالشياطين واتصلوا ببعض تجار الدين والرؤساء واستطاعوا إغراء بعضهم بالوعود الكاذبة. وأخذوا منهم البيعة لعبد الرحمن آل سعود، واتفقوا على مباغتة ابن الرشيد وضربه ضربة تشله وتفصل نجد عن بعضها، واستعدوا لذلك فعلاً، وكان مشايخ الدين السعودي قد اتفقوا مع زامل آل سليم ـ الذي تحكم عائلته مدينة عنيزة حتّى الآن ـ بأن يجعلوه حاكما على عنيزة بدلاً من (آل يحيى) كما اتفقوا مع (ابن مهنا) بأن ينصبوه في مدينة بريدة بدلاً من آل الخيل، ولكن ابن الرشيد علم بذلك وانقض عليهم وقتل في هذه المعركة المكروهة ـ المعروفة بواقعة المليدة ـ زامل آل سليم، وابن مهنا، أما مشايخ الفتاوى وعبد الرحمن بن فيصل آل سعود فقد هربوا ومعهم "حريمهم" من الرياض إلى الإحساء وأقام عبد الرحمن الفيصل سبعة أشهر فيما جمع خلالها بعض من سوّل لهم بمغريات السوء وهجم على الرياض واستخلصها هي وضواحيها ولكن ابن الرشيد كرّ عليه بجيشه، وقابله في قرية حريملا فقضى على من معه.. فتمكن عبد الرحمن بن فيصل من الهرب إلى الإحساء فالقطيف فالكويت، وكان يدفعه لكل ذلك حكم آل عثمان الذين لم يكن محمد العبد الله الرشيد على وفاق معهم والذين كانوا يحكمون الإحساء والقطيف في المنطقة الشرقية… وفي الكويت أقام عبد الرحمن بعد ذلك ضيفاً على الحاكم العثماني قبل إعلان الحماية الانكليزية على الكويت وذلك عام 1309 هـ 1891 م وكان يتقاضى مُرتباً من الأتراك قدره (70 روبية ـ ما يعادل سبعة جنيهات استرلينية) ومن ثم أخذ ولاة الحكم العثماني في بغداد والكويت والاحساء والقطيف يهددون به محمد ابن الرشيد الذي كان يحارب نفوذهم في الجزيرة العربية آنذاك.. ومنذ ذلك الوقت ساءت العلاقات بين محمد بن الرشيد وحاكم الكويت مبارك آل صباح… في هذا الوقت بدأ الانكليز يحاولون فرض سيطرتهم التامة على الكويت والعراق وأجزاء كثيرة من الجزيرة العربية فاتفقوا مع عبد الرحمن آل سعود على أن "يوسوس" للشيخ مبارك الصباح، ويزعم أن أخويه محمد وجراح آل صباح قد صرحا له (بأنهما ينويان اغتيال أخاهما مبارك ليستأثرا بحكم الكويت) ووعد الإنكليز عبد الرحمن آل سعود أنه بعد نجاح ما يقوم به سيجعلان من الكويت منطلقاً ـ له ـ لا عادته إلى الرياض … ومن ناحية أخرى اتصل الانكليز بالشيخ مبارك الصباح وأوعزوا له بنفس الموضوع وزعموا (أن أخويه محمد وجراح قد طلبا مناصرة الإنكليز في اغتيالهما لأخيهما مبارك الصباح!) علماً أن شيئاً هذا لم يحدث، فالإخوان محمد وجراح كانا على خلاف مع الإنكليز… هنالك هاج مبارك الصباح فقتل أخويه محمد وجراح وذلك في أواخر 1314 هـ 1897 م واتهم بقتلهما أحد أقاربهما وهو الشيخ يوسف ابن إبراهيم وكان هذا الشخص يقيم في البصرة.. ولم يقف الإنكليز عند ذلك بل أبلغوا مبارك الصباح بأن أولاد أخويه (محمد وجراح) ينوون اغتياله ثأرا لوالديهم، فحاول مبارك الصباح اغتيال أولاد أخويه الصغار ولكنهم هربوا ولجأوا إلى الشيخ يوسف بن إبراهيم في العراق، وبعد ذلك بدأ الخلاف بين عائلة آل إبراهيم يناصرهم قسم من أهال الكويت وبعض عائلة الصباح وبين الشيخ مبارك الصباح، وجهز الشيخ يوسف بن إبراهيم حملة من العراق للاستيلاء على الكويت ولم تنجح، وفي هذا الاثناء أرسل الإنكليز سفينة حربية صغيرة إلى شواطئ الكويت وقالوا (إنها سفينة تركية أرسلها الأتراك لنقل مبارك الصباح إلى استنبول لأنه عّين عضوا في المجلس الشورى التركي بعد عزله من الحكم) وكانت أكذوبة الإنكليز هذه بداية الحماية. فأعلن الإنكليز حمايتهم للكويت. وهددوا السفينة باطلاق النار إذا لم تنسحب فانسحبت السفينة بالطبع. لأنها انكليزية!.. عندئذ بدأ الإنكليز يفكرون في إبراز مطية لهم في قلب الجزيرة العربية، وكان محمد العبد الله الرشيد قد مات بعد حكم دام 30 سنة وهي أطول فترة مرة بها حاكم من آل رشيد حيث حكم من عام 1286 هـ حتّى ما بعد عام 1315 هـ ومات موتاً طبيعياً. بينما مات كل حكام آل رشيد قتلاً.. بل لعل فترة حكمه كانت أطول فترة مر بها حاكم ـ فرد ـ في الجزيرة العربية… وفي اليوم نفسه: استولى مكانه عبد العزيز المتعب الرشيد، وهو رجل شجاع انّما ينقصه من الصفات الشخصية الحسنة التي يتحلى بها عمه العبد الله كثيراً، وحاول الإنكليز إقناع عبد العزيز المتعب الرشيد بالاستفادة من شجاعته بالسير في ركابهم ليجعلوا منهم ملكاً للجزيرة العربية بدلاً من ابن السعود أو غيره… لكنه أبى أن يسير معهم ولو خطوة واحدة… وبدأت الاحوال تسوء بين الصباح والإنكليز بينما تتحسن بين الأتراك ويوسف بن إبراهيم وعبد العزيز المتعب الرشيد، وبدأ الإنكليز في البحث عن المطية، أو القناع الذي يستتر به الإنكليز للقضاء على ابن الرشيد للسير في درب العمالة… ووضع ركيزة للإنكليز في قلب الجزيرة، فلم يجدوا أسهل من آل سعود ففاتحوا عبد الرحمن الفيصل آل سعود بالخروج من الكويت لمحاربة ابن الرشيد. وقالوا (أنهم سيمدون له العون مالاً وسلاحاً ورجالاً )، لكنه خاف ولم يعد يحتمل مقاتلة جيش عبد العزيز الرشيد، فصرح عبد الرحمن بقوله: (إنني كبرت الآن ولا أستطيع مقابلة عبد العزيز المتعب الرشيد) فأغرى الإنكليز مبارك الصباح حاكم الكويت ووعدوه (بجعله حاكما على حائل ونجد بالإضافة إلى الكويت وغيرها فسال لعابه ووافق وبدأ يستعد للصفقة وخرج من الكويت متوجهاً صوب نجد وحائل، لكن عبد العزيز المتعب الرشيد علم بذلك فاستنفر جيشه وقابل ابن صباح في ضواحي القسيم في مكان يدعى (الصريف) وذلك في سنة 1318 هـ أول فبراير سنة 1901 م وانقضت قوات ابن الرشيد على قوات ابن صباح فأبادتها عن آخرها، وهرب مبارك الصباح بجلده ولم يكن معه إلا نفر قليل كانوا في المؤخرة بعيداً عن المعركة. وتعرف هذه المجزرة (بمجزرة الصريف والطرقية) حيث لم يبق بيت من بيوت إخواننا وأبناء شعبنا الأحباء في الكويت إلا وفقد فيها عزيز عليه أو أكثر من جراء الجريمة الشنيعة التي كان المتسبب الأول فيها الإنكليز وأطماع الحكام الذين ساقوا وما زالوا يسوقون الشعوب مرغمة لتقابل بعضها لمصلحة الحكام ليكون للشعوب المغرم وللحكام المغنم، إن الحروب جرائم الحكام… وكان أبناء شعبنا في الكويت لا يعرفون بالطبع لماذا أخرجوا من الكويت لقتالإخوانهم في حائل ونجد وقبائل شمر إلاّ أن الحكام خدعوهم قائلين (هذا هو الدفاع عن الوطن!) .. فقتال الشعب بعضه بعضاً لمصالح الحكام الرجعيين والإنكليز يسميه هؤلاء باسم الدفاع عن الوطن!.. لقد ذهب الكثير من الضحايا من إخوتنا الاعزاء في الكويت في تلك المعركة، وعاد مبارك الصباح بفائدة واحدة وهي (أن لا فائدة لمثل هذه المعارك مع ابن الرشيد وشمّر).. فأول الإنكليز فشل مبارك الصباح ومن معه (على أنهم ربما لكونهم غرباء عن أرض نجد ولذا لابد من إخراج شخص جديد من نجد نفسها). وهكذا قال الإنكليز... ولكن من يا ترى هذا الشخص؟. (لقد فشل ابن صباح. وسيفشل عبد الرحمن آل سعود لخوفه ولكونه كبير السن! وانهارت أعصابه من مطاردات عدد من قبائل وشعوب الجزيرة العربية له). يقول جون فيلبي: (لقد رأى بعض رجال المخابرات العامة أن يبرزوا لهذه المهمة فيصل الدويش رئيس قبيلة مطير فهو رجل قوي الشكيمة قوي القبيلة يستطيع أن يكون سلطاناً وملكاً على الجزيرة العربية بقوة الإنكليز، ولكن بعض رؤساء المخابرات الإنكليزية ترددوا أخيراً لأن لصفات الدويش الشخصية هذه والقبيلة مضارها ولأن إيمانه الإسلامي صادق واعتزازه بعروبته قوي وهذا ما سيجعل منه الشخص غير القابل للترويض ومن خلال دراسة لشخصيته ثبت أنه ليس مطواعاًللإنكليز ولا يعتمد عليه ولهذا غض عنه النظر) ويقول جون فيلبي: (وعاد رجالنا في المخابرات الإنكليزية للتكرار على عبد الرحمن آل سعود قائليه له: "نحن لا نريد منك أن تخرج من الكويت بل تبقى هنا وكل ما نريده أن نستخدم اسمك في حركتنا هذه فقد منحناك الثقة الكاملة وسنكون لك جيشاً بعدته وعتاده ليستولي هو وحده على الرياض فيسلمها لك ويجعل من الرياض قاعدة ينطلق جيشنا منها لتصفية نجد وحائل ولنصد خطر عبد العزيز المتعب الرشيد والاتراك.. وأنت أقرب الناس إلى قلوبنا". فكرر عبد الرحمن آل سعود تخوفه من الفشل الذي سيصيبه وقال: "أما بالنسبة لي فقد انتهيت لكنني أعرض عليكم ابني عبد العزيز لأنه رغم صغر سنه سيمنعكم" ويتابع: أولاً ـ لأن عبد العزيز شاب صغير في مستقبل العمر وبالإمكان توجيهه كما ينبغي.. ثانياً ـ أن لدى المخابرات البريطانية ما يثبت أن هذه العائلة تنتمي إلى أصل يهودي يرجع إلى قبيلة بني القينقاع ـ وكان عبد الرحمن آل فيصل آل سعود يفخر بهذا الاصل عندما قالوا له ذلك ويقول ان هذا ما يقربني من بريطانيا زلفى.. الشخصية التي ستحقق تنفيذ الرغبات في حل مشكلة فلسطين لصالح اليهود لتكون لليهود أرضاً يقطنونها بعد تشرد طويل.) هذا ما قاله جون فيلبي. وليس الأصل هو المهم، فهناك من العرب من تآمر على فلسطين وهو لا يمت إلى اليهود بصلة.. ويتابع فيلبي قوله: (وبدأ توجيه الفتى عبد العزيز ووجد الإنكليز القابلية التامة فيه والاستعداد وقوة الذاكرة لتلقي ما يملي عليه.. فقامت المخابرات الإنكليزية بتجنيد حملة قوامها خمسة آلاف جندي من البدو سارت من الكويت بقيادة الكابتن شكسبير متجهة إلى حائل عبر نجد فعلم بها عبد العزيز المتعب الرشيد وقابلها بجنده في نجد "بمكان يسمى جراب ـ قرب بلدة الزلفى" وأبادها وفي مقدمتها قائدها الكابتن شكسبير وكان مع ابن الرشيد قبائل شمر وأهل حائل).. والذي قتل شكسبير شخص يدعى (صالح الذعيت) هجم عليه بينما كان شكسبير يمسك بمدفعه ولكنه ما أن رأى الشخص يهجم عليه شاهراً سيفه حتّى أخذ القائد الإنكليزي يرفع الخوذة وينزلها من على رأسه احتراماًوسلاماًواستسلاماً، ولكن الذعيت لم يقبل بسلام واستسلام الإنكليزي قائد الجيش السعودي المدعي بالدين الحنيف زوراً بل ضربه بالسيف ضربة فصلت رأسه عن جسده وهو يردد (هذا جزاء المعتدين ـ فلتمت حتّى يعلم الناس أننا لم نقتل الإنكليزي شكسبير قائد جيش من زيفوا الإسلام.. وأفتوا بأننا كافرين إلا لأننا ندافع عن بلادنا ).

نهاية الجزء الرابع
إعداد : ألف *
يتبع ..

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow