Alef Logo
كشاف الوراقين
              

القــوقعـة / يوميات متلصص / ج 8 مصطفى خليفة*

ألف

خاص ألف

2012-10-19

1 أيار *
مات زاهي .
ليس لأنني أدين بحياتي له مرتين، مرة لعنايته الطبية بي عندما كنت مشرفاً على الموت بعد الاستقبال، ومرة عندما أوعز للشيخ محمود بانتشالي من بين أيدي المتشددين.
لكن لأنني أحببت هذا الرجل الذي لم يفقد ابتسامته في أحلك الظروف، لهجته لهجة المنطقة الشرقية المحببة، تراه موجوداً في كل مكان يمكن فيه أن يقدم فيه يد المساعدة، سعةَ أفق وسعةَ ثقافة نادرتين في هذا المكان، كنت أحس أنه موجود في الموقع الخطأ حيث يسود التعصب والتشدد وضيق الأفق والضحالة الثقافية.
شعرت بحزن عميق لم أشعر به طوال حياتي، حزنٍ أنساني حذري المضاعف، أخرجني من قوقعتي فور سماع الخبر، نسيت حذري منهم وحذري من المرض.
مشيت كالمسرنم إلى حيث يرقد زاهي، ركعت إلى جانبه ورفعت يده إلى جبيني وأجهشت بالبكاء بصوت عال، بكيت بكاءً مريراً، هل تفجر حزني على زاهي هكذا؟ أم هو تفجر بسيط للقهر المتراكم منذ عودتيإلى بلدي؟!.
بموته أحسست أنني قد فقدت آخر سند لي هناك، أصبحت عارياً، زاهي هو الوحيد الذي أستطيع النظر إلى عينه مباشرة، وغالباً كنا نختلس النظرات خفيةً، كنت اشعر أن هناك تفاهماً خفيّاً بيني وبينه، وطالما قرأت في عينه أنه لن يتخلى عني.
زاهي .. كان إنساناً .. إنساناً كبيراً.
بكيت وبكيت.
لكزني أحدهم بقدمه، رفعت رأسي ومن خلال الدموع رأيت "أحدهم"، صر على أسنانه وقال:
ــ قوم ولاك .. لا تنجس الشهداء.
قمت، رجعت إلى مكاني، دخلت قوقعتي، مسحت دموعي من الخارج، تركتها تسيل إلى الداخل.
3 أيار .
يجب أن لا أجن. كان هذا قراري منذ البداية، رغم ذلك كنت أحس أحياناً أنني على حافة الجنون، عندها كنت أغني.. لكن بصمت، أغني بذهني ودائماً أغان فرنسية، لم أغن أية أغنية عربية. لا أفتح فمي مطلقاً، لا أتلفظ بأي حرف، أجلس طوال اليوم في مكان واحد، أغادره باتجاه المغاسل والمراحيض أربع أو خمس مرات في اليوم، أتحرك فقط في اليوم الذي يكون لدينا فيه تنفس.
أجلس .. أفكر وأفكر."فكرت مرة: هل يمكن لإنسان ما أن يوقف التفكير؟!".
استعرضت الماضي عشرات المرات، أدق التفاصيل، تفاصيل كان لا يمكن أن أتذكرها ولو عشت عشر حيوات خارج هذا المكان، أستعيد كل ما هو سعيد ومبهج، كل ما هو جميل في الخارج.أنا الآن في الثلاثين من عمري، كنت قد تركت الدراسة بعد نيلي الثانوية تحت إغراءات العمل التجاري والثراء السريع مع صديق لي، أربع سنوات من العمل التجاري الفاشل، تحمل الأهل مسؤولية تسوية الأوضاع، بعدها إلى فرنسا والدراسة هناك، ست سنوات في فرنسا، والآن هنا.
استعرض الماضي وأحلم بالمستقبل، تحول الأمر إلى عادة، أحلام اليقظة، استمتع بها استمتاعاً كبيراً، أصبحت مدمن أحلام يقظة، أبني الحلم شيئاً فشيئاً، أضع التفاصيل الصغيرة والدقيقة، أرسمها، أصحح، أغوص ساعات طويلة، جالساً أو مستلقياً، أغيب عن هذا الواقع لأعيش واقعاً جميلاً كل ما فيه حلو وسهل وميسر، وفي كل حلم يقظة تكون المرأة حاضرة دوماً، تشتعل خلايا الجسد، كل النساء اللواتي مررت بهن أو مررن بي، أخلط الماضي بالمستقبل، أكثر اللحظات حميمية أستعيدها، أعيد تركيبها، أبتدع مشاهد جديدة أتقلب ويجفوني النوم ، أنتظر حتى آخر الليل واذهب إلى المرحاض للاستمناء، هو الحل الوحيد لكي أستطيع النوم .
لحظتها لو سألني أحدهم أن ألخص السجن بكلمة واحدة لقلت:
ـ إن السجن هو المرأة!. غيابها الحارق.
أنظر حولي متلصصاً، كيف يحل هؤلاء هذه المسألة، وبعضهم لم ير في حياته كاحل امرأة غير أمه ؟ بماذا يفكرون ؟ ماهي أحلامهم ؟ بعضهم مراهقون بكل جموح وتوثب خيالات المراهقة. كانت احتلامات النوم لديهم غزيرة ، عرفت هذا من خلال تلصصي الليلي الدائم ، يكون الواحد منهم نائماً، فجأةً يختلج أو يصدر صوتاً خافتاً، بعدها يستيقظ،أغلبهم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقوم للاغتسال، لأن لديهم تعاليمَ مشددةً بشأن النظافة، فهو لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يصلي إن لم يكن طاهراً نظيفاً تماماً، والقذف بأي طريقة كانت سواءً بالاتصال الجسدي أو بالاحتلام، يوجب غسل الجسد كاملاً.
أنا شبه متأكد أن كل ما يقوله عناصر الشرطة أو يشيعونه بأنهم يمارسون الشذوذ الجنسي هو محض افتراء أو كذب، حتى على المستوى الواقعي هذا مستحيل.
أعود لأحلامي أتقلب .. لا أعرف كم يطول هذا، أسمع حركة استيقاظ الناس في المهجع .. ألح على النوم فلا يأتي .. أسمع صوت طائرة الهيلوكوبتر.
طائرة الهيلوكوبتر.
عندما نسمع صوت الهيلوكوبتر يرتجف أو يتوتر كل من في السجن، حتى الشرطة والبلديات يتوترون، البعض يسميها طائرة الموت، أو ملاك الموت الهابط من السماء، أحد السجناء قال إن عزرائيل يجلس في المقعد الأمامي للطائرة لاًن هؤلاء متعاقدون معه.
السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات، لذلك فهيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على الأغلب مرتين في الأسبوع، الاثنين والخميس ، وهيئة المحكمة هذه قد تكون ثلاثة ضباط وقد تكون ضابطاً واحداً، يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لهم لائحتين اسميتين:
اللائحة الأولى : تضم أسماء الذين سيحاكمون في هذا اليوم، تأخذ الشرطة هذه اللائحة وتدور على كل المهاجع منادية على الأسماء، ثم يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة مع الصياح والشتم والكرابيج، الرؤوس المنكسة والأعين المغمضة، يسوقونهم سوقاً إلى الساحة صفر حيث يُجلسونهم على الأرض أيديهم فوق رؤوسهم ورؤوسهم بين ركبهم.
يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة، يسأله الضابط:
ـ أنت فلان ابن فلان؟
ـ نعم سيدي.
ـ طالعوه لبره.
وهكذا تكون قد انتهت محاكمته، ثم يدخل الثاني والثالث .. وهكذا خلال ساعتين أو ثلاثة قد تتم محاكمة أكثر من مئة شخص، أحياناً تتعطل إجراءات المحاكمة، فالضابط يسأل السجين:
ـ أنت فلان ابن فلان؟
ـ نعم سيدي.
ـ ولاك ابن الكلب .. أنت شاركت بتفجير المجمع الاستهلاكي؟
ـ لا والله يا سيدي .. أنا مالي علاقة بأي شي.
ـ ولا كلب .. عم تنكر كمان !! .. يا شرطة.
يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة.
ـ حطوه بالدولاب حتى يعترف.
تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة، يبدأ الضرب والصراخ الأمر الذي يشوش على هيئة المحكمة، يتوقف العمل، تشرب هيئة المحكمة القهوة العربية، بعد قليل يهدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معهم يترنح:
ـ شو .. لساتوا ميبس راسه؟!
ـ لا سيدي .. اعترف بكل شي.
ـ إعدام .. طالعوه لبرّه.
أغلب السجناء لا تستغرق محاكمة أي منهم لدى المحكمة الميدانية أكثر من دقيقة واحدة،أغلب السجناء لا يرون القاضي "الضابط"، أغلب السجناء لا يعرفون الأحكام التي صدرت بحقهم وقررت مصيرهم.
هذه المحكمة ذات نوعين من الصلاحيات، فهي تملك الحق في أن تصدر أحكاماً بالإعدام وتنفذها بالقدر الذي تشاء، وتسجن من تشاء المدة التي تشاء. لكنها لا تملك الحق في إخلاء سبيل أي بريء "معروف هنا أن المهجعين الأول والثاني يسميان حتى لدى الشرطة بـ مهجع البراءة، المحكمة ذاتها وخلال عدة سنوات كانت قد أصدرت أحكاما بالبراءة على سجناء هم في الحقيقة أطفال أعمارهم بين / 11 – 15 / عاماً قبض عليهم خطأ ولكنهم بقوا في السجن ولم يطلق سراح أي منهم، وقد قضى سجناء مهجع البراءة في السجن مدداً تتراوح بين / 10 – 15 / سنة، هؤلاء الأطفال خرجوا من السجن لاحقاً رجالاً".
اللائحة الثانية:
اللائحة الاسمية الثانية هي لائحة الذين سينفذ فيهم حكم الإعدام شنقاً في اليوم نفسه، أيضا يدور الشرطة بهذه اللائحة على جميع المهاجع طالبين من الأشخاص المدرجة أسماؤهم في اللائحة الاستعداد.
اليوم هناك أربعة أشخاص من مهجعنا سيتم تنفيذ حكم الاعدام بهم، بعد أن أبلغوهم، قام هؤلاء الأشخاص الأربعة بالذهاب إلى المغاسل، تطهروا، توضؤوا، صلّى كل واحد منهم صلاة عادية، أي صلاة علنية مكشوفة للجميع فيها سجود وركوع، صلاةً لا خوف فيها، "وهل بعد الموت خوف؟!" بعدها طافوا المهجع ودعوا الجميع مصافحةً وتقبيلاً:
ـ سامحونا يا جماعة... نرجوا أن تغفروا لنا أخطاءنا، ادعوا لنا عند الله ان يأخذنا بواسع رحمته وأن يحسن ختامنا.
الأشخاص الأربعة أعرفهم جيداً، هم كلهم شباب في مثل سني أو أكبر، "النسبة الغالبة من الذين أعدموا هم من الشباب، وقلة منهم تكون قد تجاوزت الأربعين".
الهدوء، ابتسامة خفيفة، أراقبهم جيداً، أتلصص، هل هدوؤهم حقيقي أم مصطنع ؟ أرقب اليدين ، زوايا الشفتين، العيون، لا ألمح شيئا يدل على الخوف أو الهلع.
يودعون ويصافحون الجميع عداي، يقفون إلى جانب رئيس المهجع ، يخلعون كل الثياب التي لا زالت بحالة جيدة وتصلح لاستخدامها من قبل الأحياء من بعدهم، يلبسون بدلاً منها ثيابا مهترئة لا تصلح لشيء، يسلمون الثياب الجيدة الى رئيس المهجع لتوزع بمعرفته، يقفون خلف الباب الذي لا يلبث أن يفتح ... ويخرجون.
الإعدام يتم قبالة مهجعنا، وقد رأينا المشانق عدة مرات أثناء خروجنا أو دخولنا من التنفس، وهناك يتم تجميع الذين سيتم تنفيذ حكم الإعدام بهم.
بين الفينة والأخرى نسمع صوت التكبير ينطلق من حناجر عدة أشخاص معاً، يبدو أنها الدفعة التي يأتي دورها بالتنفيذ:
ـ الله أكبر ... الله أكبر.
خلال الفترة الماضية كلها كان شعر جسدي يقف منتصباً كلما سمعت هذا الصوت ينطلق قبالة مهجعنا .
في الليل يطابق الساهرون بين العدد الذي ورد عبر الاتصال "المورس" وبين عدد ارتطامات الجثث على ارضية السيارة.
ـ صحيح ... خمسة وأربعون شهيداً.
في اليومين التاليين ينهمك الحفظة بحفظ اسمائهم وعناوينهم.

15 تموز*
الآن أصبح هناك من أحادثه.
في لحظة كان فيها الحارس على السطح قريباً من الشراقة، وقف أحد السجناء وسط المهجع ، وضع يده على خده كمن يمسك بسماعة هاتف، صاح:
ـ الو ... الو ... أعطوني القائد.
"القائد هو لقب شقيق رئيس الدولة، ويقود واحدة من أقوى وحدات الجيش،ويعتبر خليفة للرئيس" .
سكت الجميع ، عيونهم موزعة بين الحارس والسجين الذي استمر يطلب القائد، وأحياناً يطلبه باسمه الأول، ثوان قليلة وهجم عليه أربعة أشخاص سحبوه من وسط المهجع وقد كموا فمه إلى حيث المغاسل وهو المكان الذي لا يستطيع أن يراه الحارس فيه ، عاد واحدٌ منهم وقال لرئيس المهجع مبتسماً :
ـ يبدو أن الأخ فقس !
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم ثبت عقولنا، العقل زينة الإنسان !.
جنونه كان لطيفاً، لا أذى، لا هياج، فقط يريد أن يكلم القائد.
ـ ماذا تريد من القائد؟
ـ هناك موعد بيني وبينه ، لم يأت ... لقد أخلف الموعد !.
تخاله طبيعياً، أكثر جمله وأحاديثه مترابطة،ولكنه خرق النظام العام للمهجع في أكثر الأمور أهمية وحساسيةً:
لم يعد يصلي ، لم يعد يغتسل ، وبعد عدة أيام من جنونه فاجأ الجميع وفاجأني ، جلس قبالتي على فراشي ، حياني قائلاً:
ـ السلام عليكم ... انت شو اسمك؟
ارتجَّ كياني كله، لم استطع أن أرد تحيته. فقط كنت انظر إليه، إلى عينيه الباسمتين مباشرة، منذ أكثر من سنتين لم أنظر في عيني إنسان بهذا القرب، أحسست بالدفء.
سكت جميع من في المهجع، شيء غير مألوف يحدث أمامهم !، جميع العيون منصبة على فراشي وعلى الكائنين الجالسين عليه، دهشة من نوع خاص تكسو جميع الوجوه، يبدو أن الجميع كان قد نسيني، ففي غمرة الأحداث وضمن شلال الموت المتدفق سكنت مشاعر العداء المتأججة نحوي، أو بالأحرى غطاها الرماد، بقيت مثل الجمر تحت الرماد.
لقد تعودوا على وجودي إلى جانب الباب ولم يعد هذا الوجود يطرح اسئلة عليهم، لون الباب أسود بشع، في البداية يستفز لون الباب الجميع، ولكن مع توالي الأيام يألفونه ثم ينسونه، وكذلك وجودي إلى جانبه.
والآن يوسف "مجنون القائد كما أصبح اسمه"، يعيد تذكيرهم بكل شيء، دهشوا، تفحصوا وجهي، كنت مهملاً والآن بفضل مجنون القائد أعود إلى دائرة الأضواء!.
العجزة في المهجع كثر، المشلولون والمجانيين، ثلاثة عميان، أخرس واحد.
أميز حالة بين المجانين إضافة الى يوسف هي حالة دكتور الجيولوجيا ـ لا أعرف هل هو جنون أم شيء آخر ؟ ـ رجل في الخمسين من عمره، ذهب إلى امريكا لدراسة الجيولوجيا، نجح في دراسته وحاز على الدكتوراه بدرجة امتياز، عاد الى البلد وبعد عودته ببضع سنوات تسلم ادارة واحدة من أهم المؤسسات العلمية، كان ميالاًإلى التدين، يؤدي فرائض الدين بأوقاتها، يصوم ويصلي، ذهب إلى مكة للحج ، وإبان احتدام الصراع بين الإسلاميين والسلطة كانت هذه الصفات تهمة بحد ذاتها، عند فجر أحد الأيام سحبه رجال المخابرات من وسط عائلته، وماذا جرى بعد ذلك لا يعرف أحد.
يجلس دكتور الجيولوجيا على الأرض متربعاً ووجهه إلى الحائط ثم يغطي نفسه كاملاً بالبطانية، ليلاً ونهاراً ، صيفاً وشتاءً، حاول كثيرون أن يسألوه، يحادثوه، سنواتٍ ... لم يلفظ حرفاً ... لم يفتح عيناً.
يرفع أحدهم بطانيته من الأمام قليلاً ويضع له الطعام في حجره، يأكل وهو مغطى بالبطانية، يذهب إلى المرحاض وهو مغطى بالبطانية، كل بضعة أيام يقوده اثنان من تحت إبطيه ـ وهو مطيع جداً ـ إلى المغاسل، يخلعون ثيابه، يغسلون جسده، يعيدونه وهو مغطى، مكان دكتور الجيولوجيا قبالتي تماماً.
***
نحن الآن جائعون ... وجائعون بشدة، منذ ثلاثة أشهر هبطت كميات الطعام التي تقدمها لنا إدارة السجن هبوطاً حاداً.
كان لكل سجين يومياً رغيفان من الخبز العسكري ، الآن رغيف واحد لكل أربعة سجناء ، حصتي اليومية ربع رغيف لثلاث وجبات ، اليوم فطوري كان ثلاث حبات زيتون هي كامل حصتي، ملعقة صغيرة من المربى على العشاء، إذا كان الأفطاربيضاً فلكل ثلاثة سجناء بيضة مسلوقة ، "نصح الأطباء الجميع بعدم رمي قشر البيض، يسحقونه ويأكلونه للتعويض عن الكلس".
بعد ثلاثة أشهر من الجوع، الهزال واصفرار الوجوه باد على الجميع، قلّت حركة الجميع، من كان يقوم بالرياضة سراً أقلع عنها.
الشرطة تراقب ... وتواصل عملها كالمعتاد.
جلس يوسف قبالتي على الفراش، في يده اليمنى قطعة خبز صغيرة فوقها قليل من مربى المشمش، ناولني إياها:
ـ خود ... هاي الك.
ـ شكراً يا يوسف... هادا عشاك ولازم تاكله.
ـ لا أنا شبعان ... وإنت زلمه بدك تتجوز بكره، لازم تاكل عسل، قال الدكتور إن العسل مفيد.
ثم تابع الحديث دون أن يتيح لي فرصة الكلام:
ـ هلق انت شو بتتمنى؟
ـ اتمنى أن أطلع من هون.
ـ شوف ... هون كويس ... انت تعرف انه عندي فرس اصيلة لونها احمر، وعندي تياب كلها بيضا، ابيض بأبيض ... استنى شي كم يوم بتشوف أخوك يوسف لابس أبيض بأبيض ... وراكب عالفرس الحمرا، وواقف بنصّ موسكو .. بالساحة الحمراء...
سكت قليلا ثم أردف بصوت أحد قليلا :
- والله ... والله بدنا ندك اسوار موسكو !..بدنا نمسح الكفر والكفار! .
15 أيلول
أنا جائع، أكثر من خمسة شهور مرت على بداية الجوع، غريزة البقاء، بدأت تحدث بعضالمشاجرات بين السجناء بسبب توزيع الطعام، عهدوا بهذا الأمر إلى أكثر الأشخاص احتراماً و مهابةً، تطرح هنا تساؤلات كثيرة حول سبب نقص الطعام:
ـ هم يريدوننا أن نموت جوعاً!.
ـ قد يكون لدى السلطة النية بإخلاء سبيلنا، لكنها لا تريدنا أن نكون أقوياء في الخارج، يجب أن نكون مرضى كي لا نستطيع القيام بشيء خارجاً.
الكثير من التخمينات ، الكثير من التحليلات، ولكن الشرطة كانت تراقب.
فتح اليوم عناصر الشرطة الباب وطلبوا إدخال الطعام، ركض الفدائيون وقاموا بإدخال كميات الطعام الهزيلة، ولأول مرة لم يكن هناك ضرب وكرابيج، برز بعدها المساعد ووقف على باب المهجع، بيده بطيخة حمراء تزن حوالي ثلاثة كيلو غرام، صاح برئيس المهجع:
تعال لهون.
ذهب رئيس المهجع اليه مسرعاً.
خود هالبطيخة، حصة المهجع!.
سكت قليلاً وبعد أن تناول رئيس المهجع البطيخة، قال المساعد:
بدي شوف ... كيف بدك توزع هالبطيخة على المساجين!.
تردد رئيس المهجع قليلاً، في البداية ظهرت على وجهه علائم الحيرة ثم امارات التحدي والاستفزاز، "أصبحت أعرفه جيدا بحكم قربي منه"، أطرق برأسه قليلاً ثم التفت إلى داخل المهجع وصاح بصوت عال:
يا مرضانين ... هاي البطيخة الكم.
وناولها إلى أحد السجناء.
نظر إليه المساعد لثانيتين بتمعن شديد، رجع خطوتين إلى الوراء وصفق الباب بوجه رئيس المهجع بقوة.
جلس جميع السجناء، شعور الفخر يغمر الجميع، حتى أنا، لقد هزم رئيسُ المهجع المساعد، يكفي أنه أغاظه.
فيما الجميع منهمكون بالحدث حانت مني التفاتة الى اليسار وإذا بي أرىالساحةتلوح أمامي، ساحة الإعدام ... الساحة السادسة، هناك إلى جانب، كشف الباب، فجأة وجدت ثقباً غير منتظم أكبر قليلاً من حجم جوزة ، هذا الثقب حدث الآن! نظرت حولي فوجدت كتلة اسمنتية على طرف فراشي، حملتها وسددت الثقب بها فركبت تماماً وسدّته، الثقب على مستوى رأسي وأنا جالس.
عندما صفق المساعد الباب ومن قوة الضربة سقطت هذه الكتلة الاسمنتية والتي يبدو أنها بالأساس متشققة وأحدثت هذا الثقب.
الآن استطيع أن أرى كل ما يدور في الساحة متى أشاء ذلك، أستطيع ان أتلصص على الخارج كما أتلصص من ثقب قوقعتي على الداخل.
يوسف "مجنون القائد" انقطع عن زيارتي، أو لم يعودوا يسمحوا له بزيارتي، انتبهوا لي مجدداً بعد زياراته، مجموعة من الأشخاص أخذت على عاتقها أمر الحيلولة بينه وبين زيارتي، يراقبونه وهم جالسون حتى إذا رأوه متجها نحوي ناداه أحدهم ‏أو وقف في طريقه يمازحه:
شو يوسف ... ما بدك تخبر القائد؟
أي .. بدي خبرو ... بس تلفوني مقطوع.
تعال لهون ... أنا عندي تلفون.
يأخذه إلى مكانه، يحادثه إلى أن ينسى يوسف أنه كان قادماً لعندي.
}الجوع يقرص معدتي.{


نهاية الجزء الثامن
إعداد: ألف *
يتبع ...

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow