Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الشرطي الطيب قصة: ماغنوس ميلز ت:

صالح الرزوق

خاص ألف

2012-09-15

في أول مرة دخل فيها إلى الغرفة تصورت أن نظراته مشغولة. كما لو أن ذهنه مشغول تماما بحل مشكلة عويصة، مشكلة فرضت عليه بقوة لا تأتمر بأمره. لم يهتم لي، مع أنني الشخص الوحيد الحاضر، وعوضا عن ذلك ذرع المكان بخطواته، وتنقل من زاوية لأخرى، حتى عاد أخيرا إلى الباب.
فتحه وأخذ نظرة مما في الخارج قبل أن يقفله مجددا.
وقال في النهاية ليقطع حبل الصمت:" حسنا. لدي دقائق معدودات فقط، ولكن لو أسرعنا يمكن أن نحل المشكلة قبل عودته".
سألت:" قبل عودة من؟".
ثم نظر مباشرة في وجهي. لاحظت أنه رجل شاحب و متعب، ومن الواضح أنه أسرف في العمل، وكان يرتدي قمبصا وربطة عنق ( بلا سترة )، رمتني عيناه الزرقاوان بنظرة من خلف نظارة ثقيلة. واستمر واقفا لعدة دقائق، ثم استقر جالسا في كرسي أمامي، في الطرف المقابل من الطاولة. وبعد أن تخلص من نظارته، مال إلى الأمام وأراح رأسه بين يديه. ثم تنهد قائلا:" لن تكونشديد المراس معي أليس كذلك؟".
لم أرد عليه.
رفع عينيه لينظر بعيني وقال:" لو كنت تزمع أن تكون صعبا هذا سيجعل الأمور قاسية". كانت تبدو عيناه من غير النظارة ضعيفتين، وتمنحه قسمات حزينة، ومظهرا مكشوفا. تابع يقول:" أتيت فقط لأرى إن كان بوسعي إنجاز بعض الأشياء، ولكن لو كنت صعبا لن يكون أمامي خيار. أليس كذلك؟. ألا تفهم أنه من الأنسب أن تترك لي فرصة تقديم يد العون؟".
و تابع التحديق بي، وكل وجهه يتوسل كي أسمح له بتنفيذ اقتراحه.
قلت له:" حسنا. ماذا تريد أن تفعل بالضبط؟ ما هي المساعدة؟".
أشرقت عيناه وقال:" أريد أن تثق بي".
سألته:" لماذا؟".
بعد لحظة تأمل أستعاد نظارته على عينيه وقال: " لأنك صديقي".
في المرة الثانية حين دخل إلى الغرفة اكفهر وجهه وهو يطبق الباب بصوت مسموع، كأن الصوت المرتفع اعتداء على الخصوصيات بما يؤذي المشاعر. ثم اقترب من الكرسي المقابل لي وجلس عليه، هادئا كجرذ.
قال:" إنه يرفع صوته كثيرا، أليس كذلك؟".
كنت على وشك أن أسأل:" من؟". ولكنه وضع أصبعه على شفتيه وعبس. وقال:" لا بأس. لن تسمع صياحا حين أكون هنا، اعتمد على ذلك. أذناك ستستمتعان بهدوء مناسب. وسنتبادل حديثا لطيفا. كلانا فقط. ويمكن لك أن تخبرني عن كل شيء".
هززت منكبي وقلت:" ليس لدي ما أخبرك به".
وهنا وضع ابتسامة أخرى على وجهه، ابتسامة لطيفة وعريضة ومتفهمة وقال:" أجل. أفترض أنك ترى الموضوع من زاويتك الخاصة. جملة من الأسئلة، أسئلة، ومزيد منها حتى تعتقد في النهاية أنه لا يوجد شيء تتكلم عنه. ولكن اسمح لي بسؤال. هل سألتك عن أي شيء حتى الآن؟".
" كلا. الحقيقة كلا".
مد يديه، الراحتان نحو الأعلى وقال:" حسنا. لم أصرخ بك ولا مرة، ولم أنتقدك، ولم أطلب أن أعرف شيئا. كما قلت من قبل، كل ما أطلبه ببساطة أن تمنحني ثقتك. أن تفكر بي كصديق". ومد يده إلى جيبه وأخرج لوح شوكولاتة، ومررها من فوق المنضدة وقال:" خذ. الآن لديك لقمة تأكلها. أليس كذلك؟".
قلت له وأنا أفك غطاء الشوكولاتة وأقطع لقمة منها:" شكرا. لقد مر علي هنا وقت طويل".
" ثلاث أو أربع ساعات؟".
" على الأقل".
وافق بقوله وهو ينفخ خديه: "يا له من وقت طويل. لا شك أن هذا أصعب ما في الأمر. الانتظار بلا نهاية. دون أن تعلم ماذا سيحدث. ودائما لا تحزر من هو الشخص التالي الذي سيدخل من الباب".
قلت له:" الحق أقول لم أفكر بهذه الطريقة".
سألني:" حقا؟؟".
أجبت بقولي:" حقا".
" حسنا. ستفعل هذا آجلا أو عاجلا". ووقف ونظر لساعته وأضاف:" انظر. علي أن أغادر. ولكن أعدك أنني سأعود قريبا. وفي غضون ذلك يجب إخفاء الشوكولا. أنصح بذلك".
في المرة التالثة التي دخل فيها الغرفة كان يبدو قلقا. ويحمل معه منشفة يتطاير منها البخار، وقد ألقاها لي قبل أن يذهب إلى الجدار ويستند عليه بأحد كوعيه، ويغلق عينيه، ويضغط بأصابعه على جبينه بثبات. استمر بهذه الحالة لما يزيد على دقيقة. وفي نفس الوقت، استفدت من المنشفة، حيث مسحت بها وجهي وجبيني، وتنفست بعمق ليدخل البخار من خلال خياشيمي. وعندما تكلم أخيرا كان صوته متفجعا. قال:" كم أنا ىسف لذلك، آسف حقا. آسف ونادم. ذلك الرجل يكون حيوانا فظا في بعض اللحظات. مثل وحش مرعب. ويجب أن تفهم أنه يؤدي واجبه..".
وفجأة تحرك، ولاحظت أنه يحدق بي بتعابير جامدة مرسومة على وجهه. اقترب مني ومنحني نظرة قريبة، ثم انهار على الكرسي المقابل لي. وسألني:" هل أنت على ما يرام؟".
" في أفضل حال".
" ألا تشعر بالغضاضة؟".
" كلا. على الإطلاق".
" حسنا إذا من الأفضل لو تعيد لي المنشفة. أخشى أنه يجب أن تحسب حساب كل شيء في هذه الأيام. أنت تعلم حقيقةالأشياء. كم هي رائعة ومنعشة. أليس كذلك؟".
أجبت بقولي:" نعم . شكرا. إنها مريحة فعلا".
ويبدو أن كلماتي نبهته مجددا، لأنه وقف على قدميه بسرعة وتمشى في أرجاء الغرفة وهو يقول:" حسنا. طيب. مريحة تماما. هذا خبر ممتاز".
ثم توقف في مكانه واستدار ليواجهني مرة ثانية وقال:" المشكلة أنه من المحتمل أن تسوء الأحوال".
" حقا؟".
" آه. نعم. أسوأ مما تتصور. أسوأ. وطبعا ليس بوسعي أن أتصرف لأنني لن أكون هنا لأدافع عنك".
" ولكن كما فهمت قلت إنك ستمد لي يد العون".
تلعثم بقوله:" حسنا. نعم.. سأساعدك، من كل بد. ولكن هذا كل ما بوسعي".
قاطعته بقولي:" متى ستعود؟".
" أه، نعم.. هذا سؤال في محله. يمكن أن أساعدك لدى عودتي".
في المرة الرابعة حين دخل الغرفة كان يتعرق بغزارة. وقميصه غير مزرر وربطة عنقه محلولة. وتحت ذراعه حمل حزمة من الورق، وقد ألقاها على المنضدة بسرعة، وهو يرمقني من وقت لآخر ويوضب نظارته كلما انزلقت على أنفه.
قال وهو يتنفس بصعوبة:" آه مني. يا إلهي. يبدو أننا تورطنا بمشكلة إدارية. هل تتذكر الوقت الذي قادوك فيه إلى هنا ؟".
أجبت بقولي:" لم يأت بي أحد. بل أتيت من تلقاء نفسي".
قال وهو يتراجع بوضوح:" ماذا!. ماذا استحوذ عليك لتفعل ذلك؟".
" اعتقدت أنه أفضل تصرف في هذه الظروف".
رفع يده إلى رأسه وبدأ يتجول بطريقة غاضبة وقال بصوت آمر:" هل لديك فكرة عما يجري هنا. في هذه الغرفة بالتحديد؟".
أجبت قائلا:" حسنا. لا شيء معظم الوقت حسب ما أرى".
" لا شيء؟ لا شيء؟. كيف تقول ذلك بعد كل ما مررت به؟ ساعات وساعات من التحقيق، والأذى اللفظي والتهديد الدائم بإلحاق ضرر فيزيائي بك، وتقول لا شيء".
قلت له:" ولكن لا يوجد هنا أحد غيرك. وكنت لطيفا معي وقدمت لي لوح شوكولاتة".
وقف في مكانه جامدا، وحدق بي للحظة قصيرة، ثم غادر الغرفة بخطوات نظامية. ولدى عودته انتبهت أنه استبدل قميصه. كان الجديد مكويا، وأبيض ورقيقا، وربطة العنق معقودة بإحكام في وسط ياقته. وكان يرتدي سترة مكوية بإمعان.
قال لي وهو يجر الكرسي المقابل:" آسف لما حصل من قبل. إنه بسبب النقص في الموظفين".
قلت له:" اعتقدت ذلك. أنت الشرطي الطيب أليس كذلك؟".
ولدواعي دهشتي مد يده ولطمني بقوة على وجهي، وبدأ ينبح قائلا:" اصمت. الآن سنبدأ بطرح الأسئلة".

ماغنوس ميلز Magnus Mills: كاتب بريطاني من مواليد برمنغهام 1954. جائز على إجازة في الاقتصاد. من أهم مؤلفاته مجموعة قصص ( ذات مرة في ليلة مقمرة)، وروايات ( مشروع وظيفة كاملة )، و ( كل شيء هادئ على قطار الشرق السريع)، و ( صيانة الشارع الرئيسي)، و ( ثلاثة يطلبون مقابلة الملك)، وغيرها....
من مجموعته ذات مرة في ليلة مقمرة - 2003

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow