Alef Logo
ضفـاف
              

ملف الكاتبة الإيرلندية نوالا ني شونشير – إعداد وترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2012-08-25

يبدو أن تاريخ الأدب المكتوب بالإنكليزية في أوروبا يدين لإيرلندا أكثر مما يدين للجزيرة الأم.. بريطانيا. ولا سيما أن الظواهر الأدبية الهامة التي عصفت بأوروبا منذ بدايات القرن التاسع عشر ( وعلى رأسها الرومنسية ثم الواقعية وبعد ذلك الوجودية واللامعقول والرواية المضادة ) كانت موزعة في منشئها بين هذا البلد الصغير المنقسم على نفسه وفرنسا. و يجدر بنا أن نلاحظ كيف أن حركات التجديد الأساسية في الأدب البريطاني كان يقودها أبطال متمردون، لم لا نقول عصاة، من وراء الحدود أمثال غراهام غرين وألان سيليتو وسومرست موم وديفيد هربرت لورنس.
بهذا الخصوص أعتقد أن القدر الذي وضع إيرلندا على خط المواجهة هو المسؤول عن هذا القلق النخبوي والذهني.. لقد كابدت إيرلندا ضد الكنيسة الإصلاحية من جهة، وضد الأنغلوساكسون من جهة أخرى. وهذا يعني أنها تورطت في مواجهة عرق – دينية فيها كل العناصر اللازمة للخيال والعاطفة.
ولئن بدأت هذه المعركة بثورة أوسكار وايلد على صعيد الأخلاق والفن وبسخرية برنارد شو من الرياء و النفاق في المجتمع، فقد انتهت بنوع من المصالحة مع الواقع، وأنتجت أدبا طبيعيا رصينا لا يتأخر عن معالجة أثر الحروق النفسية والمعاناة من كيد الحياة ومصاعبها. وضمن هذا الخط تأتي تجربة نوالا ني شونششير Nuala ní Chonchúir، الكاتبة الشابة التي رفعت الستار عن كواليس مجتمع محافظ له بنية كوزموبوليتانية ( تماما كما فعلت رائدة الأدب العربي النسوي وداد سكاكيني قبل نصف قرن)..
تعكس كتابات شونشير العلاقة الخاصة بين الطبيعة والذات المحكومة بالصراع المعروف بين الواجب والعاطفة. لذلك إنها تكتب بأسلوب واقعي مثقل بالرموز والإشارات. وتتوقف مليا لتفسير المفارقات المؤلمة التي تنطوي عليها حياة بطيئة وثقيلة، ولكن مليئة أيضا بعنصر المفاجأة. وهذه هي النقطة التي تفترق بها عن تراث الأدب الإصلاح – اجتماعي الذي سن قانونه الأساسي شكسبير. فالنهاية المتوقعة التي يسخّر الكاتب و النص الشخوص و الأحداث لتحقيقها، تتحول إلى رحلة عذاب في أرض مفترضة و لها إسقاطات على الذهن. و بقليل من التبصر السياسي يمكن أن نرى ذلك معادلا لموقفين مختلفين من الذات: التوسع الذي يرى في العام جوهرا خصوصيا، و العمل الدؤوب على التحرر. و بلغة أوضح.. إنه تعبير موضوعي و مباشر عن إمبريالية تتبنى سياسة التوسع، و شعب يسعى للتحرر من قيود أمة لها مذهب روحي مغاير.
ولدت الكاتبة في دبلن عام 1970. وأصدرت عددا من المؤلفات التي توزعت بين الرواية والقصة والشعر. من أهم أعمالها رواية ( أنت ) صدرت 2010، ومجموعة قصص بعنوان ( ملح ) صدرت عام 2009، ثم مجموعة ( الأم أمريكا )، و( أهلا وسهلا في عالم الرجال). أما أهم مجموعاتها الشعرية فهي ( فتنة جونو) بالإضافة لمجوعتها ( الوشم ) التي صدرت بلغتين، إنكليزية ومحلية إيرلندية. وهذا يضعها أمام نفس الامتحان الذي مر به أدباء كتبوا بلغتهم المحلية وبلغة مفروضة بقوة القانون والواقع أمثال النيجيري غينوا أتشيبي والجزائري محمد ديب والإسكوتلاندي ألاسداير غراي وسواهم. تعيش الكاتبة حاليا في غالواي بإيرلندا.

1 - الانتشار القمري
The Lunar Spread
في شارع نصف القمر
التهمنا كعكة البرتقال التونسي
تحت لوحة البطيخ
الذي تسقط منها بذور الغرام.
وفوق نوتردام
كان القمر طبقا مستديرا،
رماه نادل إغريقي
من رو هاشيت.
بعيدا عن زحام السقوف في غالواي
القمر المكتمل
- الأصلع مثل جمجمة –
يتوج الليل.
وحينما تكون الليلة صفراء ومقمرة في الأعالي
مثل لوحات فان كوغ،
نحن نغلق أغطية النوافذ
لنرقد بأمان.

2 - ابنة مولي
Molly's Daughter
البرد قريب من الأعضاء العظمية ،
وسرير الحديد يئن
تحت سقف من ألواح
الخشب.
ستحتفظين بوالدك
بعيدا عني،
آخر شيء أرغب به
ولد آخر يجب أن أهمله.
الشعر يلتف حول الأنامل،
ثم إنه يعرض الجارة
على الضيوف
القادمين من المدينة.
أليست
رائعة
حقا؟.
تعزف بالبيانو
مع نظرة بعيدة،
مثل السيدة دارلنغ تماما،
إلى أن تنتبه على صوت إطلاق النار:
ما هو ذلك الضجيج؟
يا يسوع وماري ويوسف
هلا توقفتم
عن ذلك الصخب البذيء؟
أتسلل إلى المطبخ
لأراقب الرجال
يلعبون بالبطاقات المصورة
وهم يلتحفون بدخان تعريشة الجدي.
إليك عدة قروش.
اذهبي واشتري لنفسك
بعض الحلوى،
مثل كل البنات الطيبات.
في الميدان أنا أحصد الزهور
من حقل دارلنغ،
وأرتطم باستراحة
طحلبية، والثوب يرتفع للأعلى.
هذه مشاعر خفيفة،
لا ضير في ذلك.
إليك ورقة بعشر دولارات،
ولا تخبري أمك بها.
أعود إلى الممشى
نحو البيت،
النقود تخشخش
في جيب الثياب.
لقد عدت أدراجك أليس كذلك؟
من أين حصلت
على هذا المبلغ؟
تعالي لأصلح لك الفاسد.
أنت الليلة دافئة، في غرفتك
الخاصة، تسمعين أنين
السرير تحت أثقالك.
اهدأ يا جو،
حتى لا توقظها،
فهي لم ترقد في السرير
من فترة طويلة.. ألا ترى هذا؟.
3 - الوشم
Tattoo
جسدي تحت يديك
ورقة مكتوب عليها مرتين.
جسدي ورقة بردي
تنفتح تحتك،
بانتظار أن تضيف علامتك.
ها أنا أنظف بشرتي،
وأمحوها
لتصبح رقا شاحبا.
وهكذا بلمستك
تستطيع أن تغوص عميقا
مثل حبر آلة الوشم،
وتترك أثرا
فوق السطور الممحوة
التي كتبها رجال آخرون.
أنت كل شيء .. هذا مكتوب على جسدي.

4 - أهلا وسهلا في عالم الرجال
To The World Of Men Welcome
اقتربت يده من وجهي وأصبح بوسعي أن ألحس راحته بلساني حتى أشعر بطعم الملح. ولكن لم أفعل. وتابعت التوتر الذي أصاب شفتيه وأنفه الشبيه بمنخار كلب. أعتقد أنني فكرت بتقبيله، ولكن تلك مجرد فكرة تتعلق برجل لا أستطيع أن أكسبه. فابنه رام صديقي نوعا ما. كان الأب بشعر أبيض، وشنبه الغزير دائما مستقيم وله شكل صحي. وحينما يتكلم يستعمل مسبحة زرقاء، وهذا يذكرني بجدتي. فهي تمضي ساعات مع مسبحتها الكاثوليكية، وتهمهم كلما حركت حبات المسبحة التي تشبه خيطا من الزبيب يمر من بين أصابعها.
كان رام يزورني في بار الفندق الذي أعمل فيه. بشعره الأشقر والمنفوش. لم أتعامل معه بجدية أول الأمر، فقد كان يطارد صديقتي الأمريكية قبلي. ولكنه كان يختلف عن الجماعة التي تشغل البار ليلا. كان يفاتحني بالحديث، وبود دائم، ويفترض أنني أمريكية. ثم اعتقد أنني إنكليزية. فأخبرته الحقيقة: أنني من إيرلندا، ولكنه سمعني أقول له إنني من ألمانيا.
كررت العبارة " إيرلندا" على أمل أن هذا يكفي للتوضيح. وأضفت: " من بلد جيمس جويس وغينيس".
نظر لي بلا ملامح فتابعت أقول:" نحن أقرب لأوروبا. هل سمعت بجوني لوغان؟".
قال:" آه. إيرلندا. جوني لوغان. جبش التحرير الإيرلندي : بوم، بوم". وصوب نحورأسي مسدسا خفيا غامضا.
قلت:" نعم. إيرلندا".
بعد عدة لقاءات عامة، تناولنا الشراب في المقهى، ورافقته إلى السينما، ثم اختفى عن الأنظار لعشرة أيام. لم يوضح لي، ولم يتصل ببار الفندق ليخبرني أنه مسافر لبعض الوقت. لقد اختفى وحسب. كنت أنتظره كل يوم، وبذلت جهدا يائسا كيلا أتعلق به. ثم عاد بلا إنذار. وجاء مساء في وقته المعتاد.
عندما رأيته شعرت بجسمي يتحسس وبعبوس ينسحب على وجهي. فأخبرني أنه كان في زيوريخ بزيارة أخيه، وقال مع ابتسامة زوجة إن زوجة الأخ راودته عن نفسها في إحدى الليالي – فقد استلقت معه في الفراش. وقال إنها جميلة وتقوم بحركات مغرية في الفضاء، وقد طبعت قبلة على أطراف أصابعه. ضحكت. وقلت ، رام: يا لك من معزاة تركية عجوز وسخة. كم أنا مغرمة به. وكم اعتدت عليه. إنه صحبة جيدة حين لا يكون لي رفاق. أحب طريقة جلوسه في البار وهو يتأملني أثناء العمل. كان حضوره يريحني في عملي الشاق.
بعد عدة أيام من بداية غيابه الذي استمر لعشرة أيام بدأت أتقرب من ستيفان. وهو مواطن من البلدة الجبلية الصغيرة غير المعروفة التي أعمل فيها. حسنا ، في الواقع ستيفان هو من بدأ التحرش بي. مد رأسه فوق البار، وهو يلهو بكأس من ميلش غرينيدين. كان يطلب دائما هذا الشراب الزهري القوي. وهذا يذكرني بكوكتيل الحليب الذي كنت أصنعه في البيت وأنا صغيرة، بمزج قليل من المسحوق الباهت مع الحليب.
قال ستيفان:" أرغب بدعوتك إلى مكان آخر".
كانت بنات البار العاملات تتلقين مثل هذه الدعوة طوال الوقت لذلك قلت:" آه ، حقا؟".
" كلا. كلا. ليس مثل الآخرين. فقط أود أن أكون رجلا طيبا معك". رفعت ذراعه من المنضدة ومسحت بقايا البيرة بقماش قديم. وقلت له:" شكرا لك يا ستيفان. لدي ما يكفي في طبقي. آسفة".
ضحك وهو يقول:" في طبقك. ما معنى ذلك. أنا لا أفهم حقا. من فضلك سأرافقك إلى الجبال بالدراجة النارية". وابتسم وأظهر صفا من الأسنان النضيدة. كنت دائما أحب الأسنان المنتظمة. فقلت:" تقصد إلى منطقة هازليبيرغ في ضوء القمر". فغمز لي وابتسم.
" هذا يبدو رائعا. ولكن أنا مرتبطة".
حرك يده من وراء البار للتأكيد وقال:" من هذا؟ من؟ هل هو الرجل التركي؟ أف... لقد رافق كل أنواع النساء هنا". فغابت ابتسامتي وقلت:" اصمت يا ستيفان. هذا يكفي".
انزلق كوبلي العجوز على المقعد لمجاور لستيفان وألقى قطعة نقدية على الكونتور. وقال:" أيتها المضيفة الإنكليزية. أنا بحاجة للبيرة".
أحضرت له مشروب اللاغير ( جعة خفيفة صفراء. المترجم)، وأضفت الرغوة أخيرا بالطريقة التي يحبها، وابتسمت وأنا أقدمها له. وقلت له: " تفضل".
قال: " أيتها المضيفة الإنكليزية. لماذا لك نظرات حزينة دائما".
ابتسمت كرة أخرى وأنا أقول له:" أنا إيرلندية يا كوبلي. كم مرة يجب أن أزف لك هذا الخبر ؟".
ألقيت فاتورة السعر في العلبة الموجودة على الكونتور، كثير غيرها سوف ينضم إليها قبل أن أتخلص منها حينما يسكر كوبلي بما فيه الكفاية ويذهب إلى البيت. وسمعته يغمغم ثم لوث شاربه بقليل من رغوة البيرة بعد أول جرعة كبيرة.
تذكرت شفتي ستيفان وهما تعضان حلمتي ثديي، والبشرة الصفراء الناعمة لوجهه الذي يلمع فوق كرة ثديي الشاحبين. كنا في فندق ويسيس كروز، فندق بسيط على أطراف الطريق الرئيسي. كانت هذه الدعوة منه. وكانت هذه أول مغامرة جنسية حقيقية لي. لذلك انتلبني القلق، بالطرقة العامة الغامضة، وبعد ذلك بدأت أنزف. شعر بالأسف على الملاءات، وتسرب مني الدم البني القاني الذي تركته خلفي. وهذا وضعه في مازق نفسي. وفي الصباح حزم الفراش، وسحب الملاءات ونظر حوله بحثا عن مخبأ يودعها فيه.
قلت مع تنهيدة: " ضعها على الفراش فقط. ما سبب انزعاجك؟".
قال مع تكشيرة:" لماذا تنزفين؟".
" لم أفعل ذلك عمدا".
قال ستيفان فجأة:" يجب أن أسافر في الغد. للخدمة العسكرية. سأكون غائبا لفترة طويلة. هل بمقدوري أن ألبث معك هذه الليلة في غرفتك. قبل أن أرحل؟".
" بالتأكيد".
وضعت أصابعي في شعره الناعم الطري الأشقر فألقى كومة الملاءات في الزاوية. وحين غادرنا الفندق، اشترينا بعض الكعك المحشو بالتفاح والتهمناه ونحن نجلس على منصة في ضوء الصباح البارد. وأخيرا عدت أدراجي إلى غرفتي في منطقة العاملين داخل الفندق.،و أنا أجر جبالا من الهواء المنعش بمنخري بدفعات وهبات شهية. كنت سعيدة لأنني وحدي. دخلت من الباب الخلفي وطلبت المصعد. كان هذا هو يوم عطلتي. وبينما المصعد يحبو إلى الأعلى، خططت للحصول على دوش، وشيء للقراءة، وكتابة رسالة ثم استراحة. وعندما فتحت الباب المؤدي إلى ممر العاملين، رأيت رام مقرفصا أمام غرفتي.
سألته:" كيف علمت موضع غرفتي؟".
هز منكبيه وقال:" هذا ليس صعبا". أشعل سيجارة ونفخ الدخان نحو الأعلى باتجاهي. كانت عيناه سوداوين . ثم أضاف بقوله:" أين كنت ليلا؟".
وضعت المفتاح في القفل وقلت له:" هذا ليس شأنك".
تبعني رام إلى الغرفة. وأغلق الباب. كانت غرفة نومي مستوية: فيها سرير مفرد، وخزانة، ومقعد بلا ذراعين. وهناك صور لأفراد عائلتي وبعض بطاقات التهنئة السويسرية. وقد ثبتها على الجدار. نظر رام إلى الصور وقال:" أشخاص جميلون".
جلست على السرير وتخلصت من حذائي. كانت الليالي الطويلة في البار قد ضغطت على قدمي وآلمتهما. بعد ذلك خلعت الجوربين ولعبت بأصابع قدمي حول أطراف السجادة. ركع رام قربي على الأرض مثل شخص عزم على الصلاة، ودفعني إلى الخلف على الوسادة، وحاصرني بدءا من عيني وهو يفك الأزرار بأصابعه الكبيرة. ثم تسلق فوقي. وشعرت بثقل عظامه تضغط على عظامي. وهدأت أعصابي قليلا حينما عض على أسنانه بصوت مخنوق. يا له من حيوان. نظرت من فوق منكبيه فقط نحو الجدار الأبيض المتموج. وتساءلت هل بدأ الثلج الطازج بالسقوط في الخارج. وعنما فرغ من شأنه، دخنا، وألقينا الرماد في طبق وضعه رام بتوازن على صدره. ثم قال:" وإذا".
" إذا ماذا؟".
" لماذا ترافقين هذا الرجل المجند؟". ومرر يده فوق ذراعي.
" ماذا تقصد بترافقين؟".
" آه. تعلمين ماذا أقصد".
قلت له: " ولكنه ليس عسكريا في أية حال". واستغربت كيف عرف بشأن ستيفان.
استندت على الكوعين لأنظر إليه وقلت له:" كل السوبسريين جنود، ولكنهم لا يحاربون".
وأضفت: " رام أنت. لا تغار منه. أليس كذلك؟. تذكر. أنت من لم يرغب بالتورط معي بجدية". وطبعت قبلة على خده.
فقال وهو يضحك ويقرص ذراعي:" يا لك من فتاة سيئة".
تكلمنا عن مسائل خاصة: قليلا حول العائلة، وبعض القصص الصغيرة. وأخبرته عن جدتي، وكيف أمضيت معظم طفولتي معها ولذلك أنا أشتاق لها الآن بعد موتها. فابتسم وقبل أنفي. ثم حدثته عن ليلة الصيف التي قابلت فيها زوجين يتناقشان حول جسر أوكونيل الموجود في دبلن، كانت المرأة تصيح في وجه الرجل، ثم هرعت إلى جدار النهر وقفزت في المياه المضطرمة. ةضحكت فربت على جبيني، ومسح بأصابعه فوق كل واحد من الحاجبين.
وأخبرني أن أخته، التي بلغت ثلاثين عاما من العمر، تضع قوسا على شعرها مثل بنت صغيرة، وقال إنها تحتفظ بدجاجات وأن " ذكور – الدجاج" تعضها دائما.
عض أصابعي، وهو يرسم بشفتيه منقارا ناعما، ثم ضحكنا وتحولت الضحكات إلى قهقهات تصدر من البطن، ثم تعانقنا بالأيدي، وتبادلنا قبلات عنيفة، ومارسنا الجنس.
شعرت بالمتعة، وببهجة الولوج والحرارة المتفاقمة، وباحتكاك الجلد والمرونة الفائقة وسرعة الأنفاس.
فيما بعد تكلم معي رام باللغة التركية – باقة من كلمات غريبة – وهمست له بكلمات إيرلندية، بكلمات أغنية عن بنت لطيفة هي أغنية a chailín álainn ( الفتاة الجميلة. المترجم) . ثم سقطنا في النوم، ونحن نلف أطرافنا حول بعضها البعض.
استيقظت على نقرات خفيفة على الباب وكان هذا ستيفان ينادي باسمي. رفعت رأسي، مضطربة، ونظرت بأرجاء الغرفة في حالة ذعر غير واضح المعالم. كان هذا هو المغيب – إنه الليل. ورام قد رحل. سمحت لستيفان بالدخول، وأنا أستتر بملاءة.
قال وهو يضع أصابعه على كتفي:" هل كنت بانتظاري؟".
تراجعت إلى الدائرة الدافئة في فراشي وأشعلت سيجارة ثم قلت له:" ابتعد عني. أنت متجمد من البرد". فأشعل الضوء ولاحظت انه بردائه العسكري.
سحبت نفسا وأنا أصيح:" أو..وي". أسقط حقيبته على الأرض وسحب بندقية من وراء خصره. وأدهشني أن أرى ذلك.
قال ستيفان:" أين أضع هذا؟".
أخبرته أن يضع السلاح في الخزانة. ولبست ثيابي بسرعة وغادرنا الفندق لنشق طريقنا إلى أقرب بار في ثلج يهبط مثل الطحين. كان قمر خفيف معلقا فوق الجبال. وأمضينا الأمسية في بار فندق هيرشين، ونحن نشرب الميرلوت بأكواب خضراء لها ساق رفيعة. وتحادثنا ودخنا السجائر، ورأسانا متعانقان. أخبرني ستيفان أنه يحب الهواء الطلق وأنه قرأ روايات إنكليزية كاملة بمعونة القاموس. وقد تأثرت بذلك. وزرع النبيذ في بطني نوعا من التألق المبهج وعندما لحق بي التعب من الشراب عدنا إلى غرفتي.
توجب علي أن أهرّب ستيفان بالمصعد حتى لا يراه رؤسائي أصحاب الفندق. كنا ثملين ولذلك نمنا بسرعة. كان السرير المفرد صغيرا علينا معا فاستيقظت في منتصف الليل وأنا اشعر بآلام البرد في خاصرتي. وقد جف لساني من النبيذ. فتخطيت ستيفان وذهبت إلى الخزانة لأرتدي ثوب النوم- الثوب الذي تقول عنه أختي إنه " ثوب الملاذ" لأنه من طراز قديم، وله شكل انتقالي. كان يخص جدتي وأنا أرتديه لأشعر بقربها.
كان القمر يلقي ضوءا باردا في الغرفة.
وكان سلاح ستيفان مستقرا في الخزانة بين ثيابي ، بظله الطويل والبارد في الخلف. حملته، وجلست القرفصاء ووضعته على ركبتي. كان بلون الشوكولا البنية، وله لمعان مثل بوط من الجلد. نقرت عليه بأصبعي، ومسحته بيدي، المغلاق، الزناد، الماسورة. ونظرت إلى ستيفان: كان أشبه بمرحلة ما قبل النضوج- بلا شعر، نحيلا وطويلا. وبينما فولاذ المسدس البارد على فخذي، راقبته نائما، وخطر لي أن أرتدي قفازات، قفازات قطنية بيضاء وأمرر يدي فوق كل شبر منه. وأحببت أن ألمسه بأصابعي وهي في القفاز وأمسد على كهف صدره، نزولا حتى المعدة باتجاه الشعر المتكوم بشكل V الذي يغطي إحليله. ثم أنظر كيف يستطيل تحت تأثير لمساتي مع أنه نائم.
وهنا سمعت دقات على الباب. استغرقت في التفكير، ولم أرغب بالرد أول الأمر. لكن تحرك ستيفان، وألقى برأسه على أطراف الوسادة.
كان هذا رام. وسمعته يقول:" اسمحي لي بالدخول يا طفلتي". جمدت وسمعت نفسي وأنا أتنهد. ثم نقر بصوت أعلى، ونادى باسمي. وقفت- وأنا أقبض على البندقية. وشعرت كأنني عجل صغير، أتحرك بشكل مهزوز على سيقان رفيعة. وأخيرا تبدد ضباب السكرة الأخيرة. فوضعت البندقية تحت السرير وارتديت كيفما اتفق رداء نوم جدتي. كان رام ينادي من جديد وبمقدوري أن أستدل من صوته أنه ثمل. وكان يقول:" اخرجي. لدي ما أقوله لك".
جلست القرفصاء بمحاذاة الجدار، متمنية لو يرحل. ولكنه خبط على الباب، وأيقظ ستيفان الذي قال:" ما هذا؟ ما الأمر؟" وجاهد ليجلس. ثم أضاف:" لماذا أنت هناك؟". أشرت له بيدي ليصمت. فقال:" ماذا؟" بصوت أعلى. كان رام يتلكأ رام عند الباب ويأمرني بصوت مرتفع للخروج. وزمجر يقول:" أفترض أنه في الداخل بصحبتك".
وتخبط ستيفان في محاولة للتخلص من الشراشف وهو يقول:" ما هذا؟".
ترنحت وأنا أمسك بيده وقلت:" لا تفتح له". لكنه وقف ليرتدي سرواله ولاحظ كيف أن مقدمة البندقية تبرز من تحت السرير. فانتشلها ونظر لي. وقال: " لا يتوجب عليك أن تلعبي بهذه".
ضرب رام الباب مرة ثانية، وفي هذه المرة بإيقاع طويل. طب – طب ـ طبطب - طب – طب. فارتدى ستيفان سرواله وفتح الباب والبندقية تتأرجح بين يديه. فشخر رام بوجهه قائلا:" ماذا؟ هل تنوي إطلاق النار علي أيها العسكري المخنث؟".
واهتز رام أمام البندقية وهو يتحداها. فرفعها ستيفان أمامه، بشكل تهديد علني، ولكن ليس بوسعي أن أقول أن رام ارتعش من ذلك خوفا. فوقفت بينهما.
قلت له:" هيا يا ستيفان، ارجع إلى الداخل وتخلص من تلك البندقية السخيفة". فهز رأسه، ولكنه خفض البارودة. فأضفت:" من فضلك. من الأجدى أن أتكلم معه بطريقتي". تقهقر ستيفان إلى داخل الغرفة، وترك الباب مواربا. وصمد رام في مكانه. قلت له:" اذهب إلى البيت يا رام. أنت مزعج". فتهالك وارتمى على كتفي واضطررت أن أوقفه عند حده.
هنا مال فوقي ونتوء وركه بين ساقي وقال:" أنا سكران". وأضاف: " لا تسمحي له أن يلمسك". وهمس بسخرية في أذني من بين خصلات شعري وقاومت لأستمر واقفة تحت ثقله. ثم ابتعد عني وسار بخطوات مترنحة في الممر، وفي النهاية ارتطم بالباب ليفتحه. فذهبت عائدة إلى غرفتي.
قال ستيفان:" يا له من أحمق".
فقلت بسرعة:" كلا هو ليس كذلك". وتسلقت السرير ودخلت تحت الملاءات واستدرت لأواجه الجدار.
كان رام يجلس في البار، وكماه مرفوعان. وبقربه كوبلي العجوز، وكان ينفخ بغليونه الرديء. كنت أقدم الإكسبريسو لجماعة من الأمريكيين العائدين للتو من رحلة في ضوء القمر. كانوا مرحين وكريمين معي، واقترحوا أنه يجب أن أرافقهم في المرة القادمة. فابتسمت بتهذيب وقلت كم أود ذلك.
وهنا صاح رام:" بيرة". نظرت إليه، ثم اقتربت منه لتهدئته. فألقى قطعة ورقية تساوي خمسين فرنكا. أعدت له الورقة النقدية قائلة:" ما شأنك؟. ادفع ساعة تغادر". فقال مجددا وهو يلقي النقود على صدري:" هاتي البيرة". ورفع يديه ليظهر لي خطوطا تدل على أثر لجروح في معصميه. وقال:" لقد قتلتيني". سكبت البيرة ووضعت باقي المبلغ على الكونتور. رمى النقود على الأرض عند قدمي وقال:" احتفظي بها. هذا ما تريدينه. نقود الرجال". نظرت إليه بغضب. فهمس بصوت كالفحيح:" تريدين جنديا مرتزقا". ومال بوجهه فوق البار نحو وجهي. فهمست له:" رام. هذا يكفي".
شخر بي وجرع البيرة، دون أن يرفع عينيه من أمام عيني. وقال:" كأس آخر". ثم ضرب كأسه على الكونتور.
قلت له:" انصرف إلى البيت يا رام". كان الأمريكيون يراقبوننا ويتهامسون. ألقى رام قطعة نقود ورقية بقيمة مائة فرنك. وهذه سقطت على الأرض وطارت فوقها مثل ورقة شجرة في الشتاء.
تراجعت ونظرت إليه، وتركت النقود حيث هي وابتعدت عنه. ثم قمت بخدمة أناس آخرين كانوا في البار.
ثم سمعت صوتا يقول: " أيتها الساقية الإنكليزية. أحضري لهذا الرجل البيرة وأنا أرغب بكوب آخر". نظرت إلى العجوز كوبلي وهززت رأسي. فمد رام ذراعه فوق كتفي كوبلي. وصاح:" إثنان بيرة حالا" وهز أصابعه أمامي. وأضاف يقول للعجوز :" لقد قتلتني"، فرد بالضحك. لكن التزم الأمريكيون الصمت، وحمل أحدهم كوب الإكسبريسو وذهب إلى طاولة عند الباب وتبعه الآخرون، رجل بإثر رجل.
قلت له:" من فضلك انصرف إلى البيت يا رام". وشعرت بالعرق يذرف من وجهي كالدموع. فزمجر قائلا:" كلا. كلا، لن أذهب إلى الببيت". وحرك معصميه فوق البار ثم قال:" انظري ماذا فعلت بي". اقتربت منه لأواجهه. كانت الجروح التي ألحقها بنفسه تصنع خطوطا متقاطعة :كأنها خيوط حياكة.
قلت له:" ليس لي علاقة بهذا". فجمع أنفاسه من خلف الكونتور، وحاول أن يقبض على قميصي. لذلك قفزت إلى الخلف.
وهنا رمى مائة فرنك ورقية أخرى نحوي وقال:" لماذا لم تخبريني أنك تعرفت على شخص آخر؟. رغبت بالنقود فعاشرت هذا الجندي. لقد قتلتيني. أنا ميت". وفي هذه المرة رميت النقود إليه بقوة. وقلت له:" تكلم معي حينما تسترد وعيك يا رام. أو اصمت". وحاول أن يركز على وجهي ولكن رأسه ترنح وانتصب. وتدخل العجوز كوبلي بقوله:" عليك أن تتحلي باللطافة مع صديقك أيتها المرأة الإنكليزية". ونفث دخان تبغ غليونه بوجهي. فأمسكت بكوب بيرته ورميتها في غسالة الصحون، وأطبقت بقوة الباب المتأرجح لأمنع تسرب ضوضاء مطبخ الفندق. وجلست على طاولة معدنية وبدأت بتدخين سيجارة. وكانت نهايتها تتوهج في العتمة. وبعد أن انتهيت منها، تنفست من أعماقي وعدت أدراجي من خلال الباب إلى البار.
كان رأس رام مستقرا على البار. وقد وصل والده ووقف معه بيدين معقودتين فوق مؤخرة رأس ابنه وهو يربت على شعره. كان يلهو بمسبحته الزرقاء، يضغط على الحبات ويلقيها وينظر بوجهي. وقد توترت شفتاه تحت شاربه الغزير ثم نفض رأسه أمامي. وقال:" لم تكوني طيبة مع ابني". ثم جر رام ليقف على قدميه وقاده من الباب ليغادر. ولم ينظر أي منهما إلى الخلف.
2007
صالح الرزوق – آب 2012

تعليق



ZeniGv

2015-12-19

What a joy to find such clear thnniikg. Thanks for posting!

رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow