Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

دكــــــان الـــتبــــغ " فرناندو بيسوا " ترجمة: المهدي أخريف

ألف

خاص ألف

2012-08-18

(( 1 ))
لا أساوى شيئاً
ولن أكون ابداً لا شيء .
لا أستطيع أن أرغب في أن أكون لا شيء
عدا هذا ، أملك كل أحلام العالم في دخيلتي ..
نوافذ غرفتي،
غرفة واحد من هؤلاء الملايين في العالم
لا أحد يعرف منه
( وحتى لو عُرف ، ماذا سيُعرف عنه ؟ )
نوافذ مطلة على غوامض شارع يجتاز هالناس باستمرار
تطل على شارع يصعب على الفكر ارتياده
واقعي ، واقعي حتى الاستحالة ، واضح بطريقة لا تخطر على البال
بغوامض الأشياء تحت الأحجار والكائنات
بغوامض الموت الذي يُخزّز الحيطان
ويزرع البياض في شعورالرجال
بالمصير الذي يقود الكل في عربة اللاشيء
أنا اليوم مهزوم كما لو كنت أعرف الحقيقة
صاح كما لو كنت على وشك الموت
لا أخوة مع الأشياء لدى أكثر من
أخوة وداع فيما هذا المنزل وذلك الجانب من الشارع
يغدوان صفاً من عربات قطار
صفارة ممتدة داخل جمجمتي
رجة في أعصابي وطقطقة
في عظامي لحظة الإقلاع
أنا اليوم مبلبل الخطر كمن فكّر فوجد ثم نسى كل شيء ؛
أنا اليوم موزع بين انحيازي
للطبكيرية المقابلة كشيء واقعي من الخارج
وبين الإحساس بأن كل شيء هو مجرد حلم
بوصفه شيئاً واقعياً من الداخل
أخفقت في كل شيء
ولما لم يكن عندي أي هدف من أي نوع فقد بات كل شئ
غير ذي قيمة لدى
ما لقنوني إياه
قذفت به من النافذة الخلفية.
لقد ذهبت إلى الحقول تحدوني غايات كبيرة
وجدت أشجاراً وأعشاباً فحسب
والناس الذين كانوا هناك كانوا مثل الآخرين.
أترك النافذة مفتوحة وأجلس على كرسي .. فيم ينبغي أن أفكر ؟
ماذا أستطيع أن أعرف عما سأكون أنا الذي لا أعرف من أكون ؟
أن أكون ما أفكر فيه ؟ أفكر أن أكون أشياء عديدة !
وهناك الكثيرون يفكرون أن يكونوا ذلك الشيء نفسه الذي لا يمكن للكثيرين أن يكونوه.
أعبقري أنا ؟ في هذه اللحظة ثمة
مئة ألف دماغ تؤمن مثلي بأحلام عبقرية
ومن يدرى هل سيحفظ التاريخ حلماً واحداً منها
وهل سيبقى غير الزبل للعديد من الغزوات المستقبلية
كلا .. لا أومن بنفسي
في كثير من المارستانات يوجد مجانين كثيرون ذوو يقينيات كثيرة
وأنا الذي لا أملك أيا منها . أأكثر تأكداً من الأشياء أم أقل ؟
كلا ، لا أومن بنفسي
أليس ثمت في كثير من غرف السطوح وغيرها
نبغاء لأنفسهم في هذه الساعة يحلمون ؟
كم من تطلعات رفيعة ونبيلة وصاحية
- إن كانت حقاً رفيعة ونبيلة وصاحية -
ربما قابلة للتحقيق
لن ترى أبداً نور الشمس الفعلية ولن تصل إلى آذان الناس ؟
العالم مخلوق لمن ولدوا كي يمتلكوه
لا لمن يحلم بأنه قادر على امتلاكه ،
ولو كان على صواب
لقد حلمت بأكثر مما حلم به نابليون نفسه
ضممت إلى صدري المفترض إنسانيات
أكثر مما ضم المسيح
شيدت في السر فلسفات أكثر من كل ما كتب أي كانط.
لكن كنت وسأكون دائماً مجرد ساكن غرفة في سطح
ولو لم أعش فيها ..
سأبقى دائماً من لم يُخلق لذلك
سأبقى دائماً ذلك الذي امتلك بعض المزايا
سأكون دائماً ذلك الذي توقع أن يفتحوا له باباً في جدار بلا باب
والذي غنى ترنيمة اللانهائي في خُم الدجاج
الذي سمع صوت الله في بئر مغلقة.
....
(( 2 ))
أوَ أومن بنفسي ؟ لا بنفسي ولا بأي شيء
لتسكب الطبيعة
شمسها ومطرها على رأسي المتقد
ولتكنس ريحها شعري
وما تبقى ليأت ِ
إذا كان لا بد أن يأتي
أولا يأتي أبداً .
عبيد قلبيون للنجوم نحن
نفتح العالم قبل نهوضنا من السرير
نستيقظ فإذا هو صفيق
نخرج إلى الشارع فإذا هو غريب عنا
وهو الأرض بأكملها والنظام الشمسي ودرب التبانة
وما لا يحدد ..
( كلي الشوكولاته يا صغيرة
كلى الشوكولاته !
سترين لا توجد ميتافيزيقا تُضاهي الشوكولاته
سترين كل الديانات لا تُعلّم أكثر مما تعلمه المِقشدة
كُلي أيتها الصغيرة القذرة كلي !
ليتني أستطيع أكل الشوكولاته بمثل اليقين الذي به تأكلينها
غير أنني أفكر لدى نزع اللفافة الفضية التي هي ورقة من قصدير
في أن أقذف إلى الأرض بكل شئ مثلما فعلت بحياتي نفسها )
لكن تبقى على الأقل مرارة ما لن أكونه أبداً
الخط السريع لهذه الشعار
بوابة منكسرة على المستحيل
إنني على الأقل أمحض نفسي ازدراءً بلا دموع
نبيلُ على الأقل بفعل الحركة الجنتلمانية التي أرمى بها في تيار الأشياء
الثياب القذرة التي هي أنا
لأبقى في بيتي من غير قميص .
( أنت التي تواسين وليس لك وجود لذلك تواسين
إلهةً يونانية كنتِ ، مثل تمثال وُهب الحياة
أو نبيلة رومانية ، مستحيلة ومشؤومة
أميرة تروبادوريين ، مركيزة زاهية من القرن الثامن عشر
لطيفة جداً وملونة ذات لباس مكشوف وبعيدة
عاهرة شهيرة من زمن أجدادنا ، أو من شيء حديث لا أستطيع حتى أن أتخيله
كوني كل ذلك كيفما كان ، وإذا كان هذا هو الإلهام فلتلهميني !
...
قلبي دلو مقلوب
مثل مُحضّري الأرواح
أستحضر روحي فلا يظهر شيء
أدنو من النافذة وأنظر إلى الشارع بوضوح مطلق
أرى المتاجر ، الرصيف ، أرى السيارات التي تمر ، أرى الأحياء بملابسهم يتقاطعون
أرى الكلاب الموجودة بدورها
وكل هذا يثقل على مثل حكم بالنفي
كل هذا ، لا يمت بصلة إليّ ، مثل كل شيء )
لقد عشتُ ، أحببت بل وآمنت حتى
واليوم لا يوجد متسول لا أحسده على حاله ، فقط لأنه ليس أنا ..
في كل شخص أرى الأسمال ، القرحة والكذب .
وأفكر : ربما ما عشت قط ولا أحببت ولا آمنت
( إذ من الممكن أن نغير واقع هذا كله بدون أن نفعل أي شيء منه )
ربما كنت موجوداً بالكاد مثل سحلية بتروا لها الذنب
فالذنب وحده ينط وينط ، مفصولاً عن الجسد
فعلت بنفسي ما لم أكن أعرفه
وما كان بإمكاني أن أفعله بي لم أفعله
القناع الذي ارتديته لم يكن قناعي الأفضل
وفوراً حسبوني ذلك الذي لم أكنه ، لم أفند حسبانهم وضيعت نفسي
عندما أردت نزع القناع
التصق بوجهي
عندما نظرت في المرآة
كنت قد شخت
ثملاً كنت ، لم أعد أعرف وضع القناع الذي لم أنزعه
طوحت به
وفى خزانة الثياب نمتُ
مثل كلب مُعتنى به
لكونه غير مؤذٍ
لسوف أكتب هذه الحكاية لأبرهن على نبلي .
(( 3 ))
يا جوهر موسيقى أشعاري اللامجدية
هل أقدر أن ألقاك كشيء يخصنى ، كشيء أنا صانعه
بدلاً من أن أبقى قبالة الطبكيرية
حيث أدوس وعيي بأنني موجود
مثل بساط يتعثر فوقه سكير
أو حصير سرقه غجر وهو لا يساوي حبة خردل .
لكن صاحب الطبكيرية ظهر بالباب ولبث واقفا هناك
أنظر إليه بضيق من يحمل رأساً في وضع غير مريح
بضيق فهم سيء للروح .
سيموت هو وأموت أنا
هو سيترك يافطته وأنا سأخلف أشعاري
بعد حين ستتلاشى اليافطة وأشعاري ستغيب
بعد ذلك سيموت الشارع حيث كانت اليافطة
ثم تموت اللغة التي بها كتبت تلك الأشعار
فيما بعد سوف يتلاشى الكوكب السيار الذى حدث فيه هذا كله ..
في كواكب أخرى لمجموعات أخرى سوف تواصل كائنات
شبيهة بالبشر
وضع أشياء تشبه الأشعار
تشبه العيش تحت يافطة متجر
دائماً شيء ما قبالة شيءٌ آخر
دائماً شيءٌ لا جدوى منه تماماً مثل آخر
دائماً ما هو مستحيل وما هو واقعي في البلادة سواء
دائماً سرُ العمق أكيد مثل غوامض السطح
دائماً هذا الشيء أو دائما ذاك أو لا هذا ولا ذاك
لكن هناك رجلاً دخل الطبكيرية ( ألشراء التبغ؟ )
فإذا الواقع المعقول يهوي بغتة على مرة واحدة
أنتصب بحيوية ، مقتنعاً ، إنسانياً
وأبدأ في كتابة هذه الأبيات التي سأقول فيها العكس
أشعل سيجارة لدى التفكير في كتابة الأبيات
وأتذوق في السيجارة حرية الانعتاق من كل أشكال التفكير
أدخن وأتابع الدخان كما لو أنه مساري الخاص
وأتلذذ في لحظة إحساس
بالتحرر من كل التأملات
واعياً أن الميتافيزيقا إنما هي نتيجة لمزاج متعكر
وبعد هذا كله أتراجع فوق مقعدي
وأتابع التدخين
سأتابع طالما القدر يتيح ذلك لي
( لو تزوجت ابنة غسالتي لربما كنت سعيداً الآن )
أغادر مقعدي ، ما دام الأمر كذلك ، أتجه صوب النافذة
لقد خرج الرجل من الطبكيرية ( أَوَدسّ بقية النقود في جيب البنطلون )
آه إنني أعرفه ، إنه إستيبا الذي بلا ميتافيزيقا
( صاحب الطبكيرية يعود إلى باب دكانه )
مدفوعاً بغريزة إلهية ، إستيبا استدار
ولمحني :
حياني بيده فصحت به ! وداعاً إستيبا
...
وإذا الكون
يتشيد من جديد في داخلي
بدون مثل أعلى ولا أمل
وصاحب الطبكيرية يبتسم .
...
15 يناير 1928

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow