Alef Logo
ابداعات
              

مدفع الانتحار* فصل من رواية لبرهان الخطيب

ألف

خاص ألف

2012-08-15

أخیرا وأنا في بؤرة انشغال بالروایة الجدیدة تحك إصبع العملاق یافوخي..
الصبي قربي یشیر بذقنه: أجب، تلفون البیت یرن..
هتاف بعید غیر غریب، مداه أفق النص المریب، وقت غیر مریح.. وواحد یصیح:
ـ عرفتني؟ أنا أنيس.. من بغداد.. كنتَ تسميني المجنون.. الآن أنا مجنون رسمي.. مع هذا أوعدك.. تراني لو التقينا حين تصل بغداد أعقل الجميع، صدقني.
ـ تفضل عزيزي أنيس، أمر؟ خدمة؟
ـ تدري لماذا أخابرك؟
ـ أسمعك، تفضل..
ـ طبعا لا تدري. تذكر على الأرجح كلامنا، قبل نصف قرن تقريبا؟
ـ قبل نصف قرن؟!.. أنا لا أتذكر عشائي أمس!
ـ عن الانتحار!! كيف لا تذكر! الآن نضجت الفكرة.. لم يبق لتنفيذها سوى أن تأمرني لأفعلها، هذا لو فشلتُ في إقناعك بفكرتي الجديدة.
ـ هاه! و.. ما زالت عندك فكرة جديدة؟!
ـ أي مفكر لا يخلو من فكرة جديدة، مختصر فكرتي الآن.. اخترتك أنت لتكون صاحب الشرف..
ـ لافتتاح حفلة زواج جديد.. في.. ماذا صاحب الشرف!
ـ في إطلاق مدفع.. الانتحار.. تدري لماذا اخترتك أنت لا غيرك؟
ـ يا معوَّد بالخير، من دورة الضباط سرحوني لتوجيه فوهة المسدس إلى السماء بدل الهدف!
ـ لا تخف، الإيعاز سهل، والتنفيذ سهل، والموت مريح ببلد كسيح، والسلاح مكوم زبالة!
ـ إيه.. معلوم.. لكل واحد طريقته بالاحتجاج.
ـ احتجاج.. ما بس على رخص البشر، أيضا على غلاء الدجاج!
ـ وما لقيتَ غيري لتنزيل الجرم في رأسه.. أقصد إعلان احتجاجك!
ـ تريد الصدق؟ لم يبق في نظري ذبّاح شريف في الدنيا سواك..
ـ قلتَ مدفع انتحار قبل قليل.. الآن ذبح حلال في بالك؟! وفوقها ذباح شريف! شكرا على الثقة والألفة!
ـ أكيد شريف، لابتعادك علمتُ عن المنافقة مختارا، عن الثقافة والإعلام والأفلام.
ـ قل مرغما.. أو مترفا الأصح.
ـ هذا طبعا إذا لم تصبح من الأوغاد حتى الآن..
ـ كيف نتأكد من أي شيء هذه الأيام.. قل لي رجاء.. لأتعلم!
ـ يا أخي، حتى أنا القديس، تعرفني جيدا، تلوثت، هل تتصور هذا؟
ـ الحقيقة.. صعب تصور عكس ذلك.. في وضع بغداد الحالي.
ـ تَذْكُر كم كنتُ متمسكا بالنزاهة والكبرياء والشرف وغيره من بيض اللقلق ذاك؟ أسفا، لا يفقس غير وحوش منذ الغزو، و.. حتى الملوث منا لا يمكنه العيش مع تلك الوحوش، إلاّ إذا كان موهوبا، للقتل، للزوغان، بالرسم، بكتابة مثلك.
ـ وأنت؟!.. أنت كنت من الفاهمين المتقدمين.
ـ أنا؟! أنا ناقص موهبة تعلم.. وأعيش بين ناقصي ذمة وناموس.. فماذا أفعل؟
ـ تبقى تكافح، من المهد إلى اللحد..
ـ تعبتُ، قلتُ لنفسي آن الأوان، يجب أن انتحر، مليون ينتحر سنويا في العالم، هذه المرة قلت لن أؤجلها، وأريد موتي بيد نظيفة، لذلك اخترت يدك.. الممسكة بالقلم، بالكومبيوتر، حقا.. ما زلتَ نظيفا؟! أو صرتَ مثلهم؟ اقصد مثلنا..
ـ تقييم شخص يصدر من غيره..
ـ اعترف لا تخجل، كنا صريحين حريصين على حل المسائل، وضيعنا الوسائل.
ـ مع الأسف.. كثرة صارت لا تبالي..
ـ كثرة الآن تعترف بنذالتها، تفتخر بقرنين، دون تلوين، دون شحذ وتعطير..
ـ لا تبتئس.. كل مشكلة لها تأطير.
ـ بالأقل ساعدتني على الاعتراف الآن. لكن بربك لا تفكر أبحث عن خلود لذلك اخترتك، في أمل أن تذكرني بسطرين ثلاثة في آخر كتاب وأُعرَف مثل كلكامش اليائس بين الأمم. بالمناسبة، سفره إلى أعالي الفرات أيضا نوع من انتحار.
ـ هو أيضا بحث عن شيء شبه مستحيل، خاب بحثه، مثلنا جميعا، ثم اكتفى بامرأته وطفله.
ـ لا تقنعني بتعويض الخسارة مع امرأة، كلكامش لم يحدثنا عن بقية حكايته معها.
ـ يمكن على أي حال الاكتفاء بتورتة دافئة.
ـ يأخذوها منك، الجميع في مغامرة جديدة الآن، إلى ومن بلاد الرافدين، إلى أعالي الموت مثله، أنت أيضا، آن لك أن تكلم البشرية بالجملة بدل المفرد..
ـ عن تمزق خيمتنا الأخيرة؟
ـ بلي.. عن خيبتنا المريرة.
ـ صديقنا الفرنسي القديم يقول: من اليأس يبدأ التفاؤل الحقيقي!
ـ يقصدَ التفاؤل المؤقت حتما أستاذ برهان..
ـ يوجد تفاؤل، لا يوجد مؤقت ودائم.
ـ كلام كتب، خارج سياق تاريخنا، ليس منا ولا لنا. نحن حلت علينا لعنة النفط.
ـ بفضلها منتهى اليأس من الزمان، نجلس تحت سدرته نحيك المصير في أمان.
ـ معلوم، نحيكه بخيوط من نار، نلتهم متواضعين قنابل يدوية بدل الثمار كالجرار، ونتسلى بثرثرة منومة صيرناها فلسفة، لنا هي امتياز واحتكار. بالمناسبة أنت أيضا كنتَ تفكر في الانتحار!
ـ تذكر أنت الكثير!
ـ كيف ننسى أحلى أيامنا! لماذا لا نفعلها سوية، ها؟ هكذا أونس لكلينا، صدقني.
ـ دقيقة يوسف، خبصتني، العيش في بغداد أصبح انتحارا، أدري، فلماذا تريد وضع تورتة على تورتة بمشروع انتحارك الملوكي هذا ها؟!
ـ عفارم عليك! ما زلتَ تذكر اسمي الحقيقي أيضا! طبعا تذكره، الأسماء الحزبية صارت أسماء مولات. لكن، أنت شاطر، تدري، انتحار عن انتحار يختلف، قلتُ أريد انتحارا نظيفا، لا بقندرة، و إلاّ هي بمتناول يدي..
ـ فهمتُ، تريدَ انتحارا مترفا، استعراضيا، تاريخيا، بأفعى، بسم سقراط، كاميكازي، هريكاري..
ـ أين رحت، ذلك ليس مودة عندنا في بغداد، المودة الآن تفجير إرهابي، كاتم صوت، عبوة لاصقة..
ـ وهي كلها ضيقة عليّك، تريدَ انتحارا على مقاسك، افصله واضعه بيدي؟!
ـ بلي، قلتُ.. بيدك الكريمة، لو صدق إحساسي، يصعدني للسماء مباشرة.
ـ صعود وردة لا خردة.. هكذا أفهم عليك؟!
ـ بلي، دون مرور بقفص حفظ أموات، ومن غير قرف وآهات..
ـ وكم تدفع لي مقابل هذه الخدمة سيد يوسف؟!
ـ أبو حسن! لا أمزح! أعطني وعدا، لا تدعني أطيل وتجعلها حكاية للناس.
ـ أفهم عدّادك يوشك ينهي مكالمتنا..
ـ قل لي.. أتصل على تلفون بيتكم أول وصولك بغداد؟..
ـ نية المجيء إلى وكر الملذات وصلتك؟! الريح لا تستريح فعلا!
ـ اللئيم خلدون أخبرني، تذكره حتما، كنتما مؤخرة في بنطلونين، أقصد العكس..
ـ تصورت نزعتك إلى السمو راسخة!
ـ اسمعني فدوة، في البداية أوكلت له مهمة تطويبي للأبدية، قال كبقال: أجِّلها، حتى وصول المايسترو الكبير حضرتك!
ـ صحيح هو أيضا تكلم في ذلك. لا أمزح يوسف، أمامك طابور ترى بنفسك، كل أبطالي يريدون الانتحار..
ـ ما هذا؟! جاء عرسهم مع عرسي؟!
ـ كل الأشغال ها الأيام مستعجلة، المحتل وشك انسحاب تعلم.
ـ كل عقلك ينسحب؟!
ـ هكذا يقول وأمامنا بقية العمر نختبر، ثانية، عاشرة، علام العجلة. فانتظر، قد تنسى فكرتك العبقرية هذه حين أدلك أذنك بين إصبعيَّ وتتذكر.. ما هكذا اتفقنا في الشباب على مقارعة الزمن.
ـ لا تذكرني بالشباب، لئلا أعطس.. ويصل رَشقي ستوكهولم!
ـ إذن نسيتَ أيامنا الحلوة في الإسكندرية وشارع أبي نؤاس؟!
ـ أعطني وعدا، دمويا، بأن نلتقي حين تكون في بغداد.
ـ من غير وعد نلتقي، الناس يلتقون في الآخرة، أليست بغداد الآن بوابتَها؟!
ـ نزول عليك! كعهدي بك صادق، لذلك أحببتك. لا تغافلني وتفعلها قبلي. أنا صاحب الامتياز.
ـ صار، بس خلي بالك على نفسك، أقصد من نفسك، كي نلتقي في الأقل.
ـ من ها اللحظة، ممنوع عليّ وعليك النظر إلى نعال أو آلة جارحة، ومنها العواطف، أو كي؟
ـ أفضّل قولنا القديم.. كي.. أو.. لم تنسها طبعا؟
ـ كن.. أمك.. أو الأسوأ تقصد؟ لا طبعا، لا أنسى كل كلماتك المأثورة.
ـ تفاهمنا إذاً.
ـ نحن كنا دائما متفاهمين أبو حسن.. لا أدري لماذا خابرتك!
ـ لأني كنت أريد سماع صوتك.. وأنت حزرت.
ـ تواصلنا تليباتي من زمان، قبل اختراع الموبايل بخمسين سنة. ويتكلمون ضدنا.
ـ لا عاش مَن تكلم ضد العراقيين.
ـ آها.. الآن أعرف لماذا أفكر في الانتحار.. لأني أتكلم ضدهم!
ـ خلص، منذ الآن عدنا يا يوسف جبهة واحدة.
ـ تصل العراق تتأكد بنفسك، لا جبهة لك غير معي، أو مع بنات.. آوى.
ـ آوى لغيري.. بنات نحكي فيها عند اللقاء.
ـ لا أريد الإطالة عليك.. انتظر نهاية الطلقة.. أقصد البطاقة.. بطاقة التلفون.
ـ إذاً على أحدنا أن يبدأ يا ظالمني!
ـ المرحومة درت أمامنا خراب واحتلال، وإلاّ ما غنتها ساعتين قبل نص قرن.
ـ اليوم كنتُ أسمعها أيضا.
ـ الدهشة الحقيقية حين نلتقي.
ـ منذ الآن أنا فيها.
ـ اسمع الآتي إذاً..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذا الفصل من رواية برهان الخطيب الجديدة عشاق بلا حدود غير الصادرة حتى الآن تلاه المؤلف أمام جمهور أمسية أدبية في بروكسل.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow