Alef Logo
دراسات
              

الانشقاق.. كعملية تفتيت وتشكيل وتنوير

علا شيب الدين

خاص ألف

2012-07-25

إلى جانب القراءة السياسية لـ"لانشقاق" الذي يُعتبر ظاهرة جديدة على حياة السوريين، أي القراءة الآنيّة التي تأخذ بعين الاعتبار الغاية من الانشقاق أو نوايا المنشق وأسباب انشقاقه ودوافعه؛ ثمة فسحة شاسعة لأن يُقرأ الفعل نفسه كفكرة أو مفهوم، من دون أن يطغى تأثير الحدث السياسي على قراءته وتحليله وتفكيكه، ما يسمح للمرء التفكّر فيه بذاته ولذاته. ويبدو أن تعبير " انشقاق" الذي من شأنه الانعتاق من السلطة والانسلاخ عنها أكثر انسجاماً مع واقع الثورة الذي تعيشه البلاد منذ منتصف آذار/مارس2011، من تعبير "انفصال"، على الأقل من الناحية اللغوية، فوقْع مفردة انشقاق على الأذن، ثم على الذهن والنفس والوجدان يثير شتى أنواع الحماسة، وربما الفرح الممزوج بالتفاؤل، فتكرار حرف القاف مثلاً، عدا عن نزعة السخط، والنزَق الذي تشير إليه المفردة، والمعنى الذي تُترجَم من خلاله على الأرض، كل ذلك وأكثر يجعل منها أكثر مواءمة للاندفاع الثوري من مفردة "انفصال" التي قد يبدو إيقاعها اللفظي أقل حدِّة بالمقارنة مع الإيقاع نفسه لمفردة "انشقاق"، مع أن كلتا المفردتين ربما تفيدان المعنى ذاته سياسياً.



ومع أن الانشقاق ظاهرة جديدة على المجتمع السوري كما أسلفنا، لكنه ليس دخيلاً، ولا قادماً إليه من خارجه، إذ يبدو أنه عملية تطوريّة بطيئة وصاعدة سارت بها الذهنيّة السورية منذ أن بدأ حكم حافظ الأسد الديكتاتوري، الاستبدادي، العسكري/الأمني. فالانشقاق هنا نضوج، وثمرة معرفة حقيقية، ومعايشة حثيثة لسلطة يُراد الانشقاق منها وعنها. وعبر فعل الانشقاق نفسه يبدأ التاريخ، وتغدو المعرفة بالذات أكثر وضوحاً وحكمة وصدقاً؛ لأن الاستبداد، أوالحكم الشمولي/التوليتاري هو حكم يعجن كل مظاهر التنوع والحيوية والخصوبة والكثرة والتعدد بعضها مع بعض، ويجفِّفها حتى تغدو في نهاية المطاف (كتلة) واحدة صلبة عصيّة على المرونة والحركة والصيرورة، وضمن هذه الكتلة يُقصى الإنسان/الفرد ويُغيَّب، وتضيع كل فاعلية حرة من شأنها العمل الذي يسهم في صناعة التاريخ، فيصبح الإنسان هنا خارج التاريخ والزمن. ومادام الاستبداد محكوماً بالمطلق، وبالأبدية والسديمية، حيث لا تغيير، لا تطور، لا تصاعد، لا هبوط، لا إيقاع، لا حركة، لا دينامية.. كأنه العدم؛ وفقط هناك السكون، والتجانس والمساواة العمياء؛ يصبح الانشقاق كفعل حركيّ يقضّ مضجع السكون فاتحة التاريخ، وإيجاد النظام حيث لا نظام، وإذ يبدأ التاريخ يبدأ القانون والتشريع والتنظيمات السياسية والمدنية، فالروح الفاعل الذي كان مطموراً في لجّة العماء، أي الكتلة، قد انبلج عبر الانشقاق لينير، ويميِّز، ويشكّل..؛ وسوريا التي حُكِمت لعقود بواسطة ديكتاتور هو واحد أوليّ تجلّى في واحد ثانٍ، وثالث، ورابع...؛ إلى أن أمست "سوريا الأسد"، تبدو كأنها كانت في انتظار فعل مختلف وخلاق يفجّر الواحد، ويزعزع سكونه، ويبدو أن الانشقاق هو ذاك الفعل المختلف الذي تمرّد على الواحد المتكتِّل وعرّاه، ما يعني تفتّت الكتلة وتلاشيها شيئاً فشيئاً تبعاً لتصاعد الانشقاق وازدياده.



إن الصدمة الناجمة عن الانشقاق عن (النظام الكتلة)، من شأنها تفجير الإبداع، أي الخلق عبر التمايز والتناقض، إذ لا إنتاج من التماثل المطلق الذي يمهر نظام الاستبداد. والمراقب المـتأمل لطبيعة الوجود الإنساني قد يستشفّ أن جلّ الإنتاجات الإنسانية الأخلاقية والجمالية والحضارية والعلمية قد وُلدت من رحم الصراع والتناقض والاختلاف، ومن المواجهة بين الإرادات، والتطلع إلى إثبات الوجود ومنحه معناه ومغزاه. إضافة إلى ذلك، فقد أثبتت التجربة أن دولة الديمقراطية والعدالة لن تتأتى إلا بإراقة الدماء، وانتصار قوى النور والحرية على قوى الظلام والعبودية، ولن تتوطد أسس دولة الحق والقانون إلا على أشلاء الضحايا هنا وهناك. وما النظام السوري المستبد والحالة هذه إلا كتلة لا متمايزة، ولا متشكّلة يلفّها الصمت المطلق حيث الكل ممزوج في الكل في حالة هيولية وفي وسط عتمة كالحة، وإذ يحدث الانشقاق عن تلك الكتلة لا بد وأن تولد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتدبّ الحياة في أوصال البشر الذين استحالوا طيلة عقود أصناماً أو آلات لا تفكر، لا تعمل، لا تعقل، لا تشعر، وليبدأ بعدها التمرّد على الاختزال الذي اختصر الإنسان ككائن معنى إلى كائن بيولوجي فحسب حيث فقدان المعنى في هذه الحياة.



يشطر الانشقاق الكتلة فيشظّيها؛ لينقل العقل من عالم المشابهات والتوافقات، إلى عالم التناقض والتعارض، عالم المفارَقة والمغامرة المتحرِّرة من التدجين والتّسييس والتأطير، هكذا؛ يكون الانشقاق نزوحاً عن الشيخوخة، أي القِدَم وما ينطوي عليه من أزمات ومشكلات عميقة ما عاد العيش في ظلها ممكناً. إنه نزوح تتفتّح منه ومعه قوى شبابية، حيوية، وذات فعالية دائمة وحركة دائبة، قوى ستبثت تفوقها على آبائها وأجدادها. لأنها الجديد الذي لا تستطيع القوى القديمة المترهّلة أن تقضي عليه وتعيد الأمور إلى نصابها الكسول، الخامل ذي الهدوء الكئيب والقاتل. وقد شقّ الشعب السوري لنفسه طريقاً، ودفع أمامه سيولاً جارفة لن يكون في مقدور أية قوة أن توقف جريانها. والانشقاق هنا سيل يواجه مستنقع السلطة الجاثمة على صدر هذا الشعب منذ نحو نصف قرن. وعلى هذا دخل الاثنان، أي الشعب والسلطة في صراع وجود، وهو صراع إرادات متنافرة متخارجة. ويبتغي الشعب من هذا التخارج إخراج البلاد من حالة السلب والعماء والخراب إلى حالة أخرى، هي حالة بناء وإعمار ونظام وقانون وحضارة. وسيجري بعدها احتفال مهيب يُتوَّج فيه الشعب سيداً على البلاد وخيراتها وثرواتها. بعد أن يكون قد تم الإجهاز على (النظام الكتلة) عبر شطره وشقّه.



أن ينشقّ المرء يعني انتزاع زمام المبادرة من السلطة التي احتكرت المبادرة طيلة عقود، وإعادة سيادة الفرد على حياته الشخصية، واحترام حريته في الاختيار. إنه الفرد الذي عتق نفسه من حكم الأسياد، فلم يكن ليحدث أن يبادر المرء إلى ترك عمل أو وظيفة أو منصب بإرادته، وإن حصل ذلك فهو يكاد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، كون الأمر يعود لوليّ النعمة والنقمة أولاً وأخيراً، فهو من يقرر منحهما متى يشاء، وهو من يقرر سحبهما متى يشاء. أما الانشقاق الثوري فهو انشقاق إرادويّ، وقد زاد قوى الحرية والتغيير انتصاراً وثقة أنّ السلطة بدأت تضعف فزادت الانشقاقات، وبدأت مؤسسة العائلة المالكة/الحاكمة العسكرية تتشقق، حتى أن ذاك المجنّد المهمش، الجائع، ذا البزة العسكرية المتسخة المهمَلة، والذي رأى أغرب المآسي وأعجبها بات الآن نزقاً معلناً انشقاقه عن مؤسسة عسكرية ظالمة وخائنة لقسمها في حماية الأرض والعرض والوطن والشعب، ورافضاً الانصياع لأوامر القائد العام للجيش والقوات المسلحة، الذي هو الرئيس السيد، وحاكم البلاد في آن معاً. وهنا تكمن المفارقة!


على أن أكثر ما يعززه الانشقاق من الناحية الأخلاقية والقيمية، هو الاعتراف بالخطأ والرذيلة، توقاً إلى الصح والفضيلة، لأنه الدليل على حجم الفساد والانحطاط الأخلاقي الذي اعترى (النظام الكتلة)، وإذ يعلن المرء انشقاقه عنه معناه إعلانه الثورة على ذاته أيضاً، رغبة منه في تنظيفها، وتفتّحها من جديد على عالم آخر تتوفر فيه القيم والأخلاق الضرورية لأن يحيا البشر في ظلها كبشر.









تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

الشر إذ يتديَّن

06-تموز-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow