Alef Logo
دراسات
              

لأن الأنا مصدر الشَّرِّ ومركزه

علا شيب الدين

خاص ألف

2012-07-11

تلكم، كانت إجابة المفكر جمال البنا خلال استضافته في إحدى حلقات "قريب جداً" على قناة "الحرة" حين سأله مُعِد ومقدِّم البرنامج جوزيف عيساوي عن سبب دأبه على التعبير عن نفسه بصيغة الجمع، إذ يقول: عملنا بدلاً من عملتُ، أو تكلمنا بدلاً من تكلمتُ. وفي معرض الإجابة عن السؤال ذكر البنا أن الأنا هي أول ما تلفّظ به الشيطان حين خاطب آدم، ومن هنا ينبع حرصه على تفاديها في كلامه. لكنه مع ذلك يعتبر أن الشر مفيد كونه يضيء الخير ويميِّزه، فبالأضداد تُعرَف الأشياء، ولولا الشر لما عُرِف الخير.


/في سياق الحوار نفسه، ناقش عيساوي مع البنا العديد من آراء الأخير الليبرالية/الإصلاحية، آراء غايتها النهوض بالمجتمع والإنسان، وكان البنا يؤكد مراراً أنه لا يفتي إنما يجتهد. ويبدو أنه تبنّى أفكاراً تدعو إلى إزالة السلطة كأفكار محمد عبدو عام 1900 التي دعت إلى قلب السلطة الدينية، والإتيان عليها، إذ لا مانع لديه من قلب الأزهر الذي يمثل سلطة ومرجعية دينية ومركزاً للفقه والفتاوى الإسلامية.


يعتبر البنا أن الإيمان يجب أن يكون طواعية وحباً لا ضغطاً وقسراً؛ ففرض الإيمان يقتل الإيمان. وهو يدعو إلى الاجتهاد، والاجتهاد إعمال العقل والتفكّر في النص والدين من دون فرض الرأي، أو جعله قطعياً وثوقياً، ونهائياً. ولما كان من دعاة الاجتهاد وإعمال العقل والإعلاء من شأن العمل لدى الإنسان فهو يعتبر أن الجهاد في الدنيا أصعب وأهم من الجهاد في سبيل الله؛ فالجهاد في سبيل الله سهل إذ يموت المجاهد بكل بساطة بطلقة أو بضربة ما، أما الجهاد في الدنيا فهو مكابدة دائمة ومثابرة على العمل سواء أكان ذلك في العلم أو في تربية الأولاد أو في العمل أو غير ذلك، فالجهد الذي يبذله الإنسان كي يؤدّي دوره ورسالته في الحياة صعب جداً.



وحين سُئِل عن الشورى الإسلامية (الديمقراطية) أجاب: إنها أفضل من ديمقراطية أثينا، فديمقراطية المدينة (المسجد) لم تلغِ المرأة ولا عامة الناس، بل كانت شاملة للجميع، بينما ديمقراطية السوق (سقراط) ألغت المرأة والعبيد والأشخاص القادمين من خارج البلاد، واكتفت فقط بالمواطنين الأحرار فكانت ديمقراطية ذكورية مختصرة. إن الإنسان في زمن الآلهة المتعددة هو الذي صنع الآلهة أو خلقها كما يقول، فـ(هزيود) مثلاً والشعراء الإغريق حين صوَّروا الآلهة في "الأولمب" كيف تغضب وترضى كانوا بذلك يخلقونها، والإنسان هنا كان حراً بالمطلق وغير مقيَّد. أما في ديانات التوحيد، مثل الدين الإسلامي، فالله يخلق الإنسان ويصير الإنسان خليفة له على الأرض وعليه أن يؤدّي دوره في الدنيا وهنا أصبح الإنسان مضبوطاً ومقيَّداً.


/يكاد البنا يقترب من (الفوضويين) الذين يؤكدون بالمطلق على الفرد، ويريدون تالياً هدم كل أجهزة الدولة والشرطة والقضاء والسجون والحكومة، وكل ما لا يحفِّز الفرد على المبادرة الصادرة من داخله بحيث يكون الرادع الأخلاقي والقانون والمسؤولية والعمل كلها نابعة من داخل الفرد ومن صميم وجوده، وتعبر عن استقلال إرادته وحريته في الاختيار والتعبير، وهنا فقط تكون المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية حقيقية ومتماسكة؛ فالسلطة الخارجية (خارج الفرد) غير حقيقية بالنسبة إليه كونها تقوم بدور قسري آمِر ولا تفسح في المجال لا لحرية الفرد ولا للمبادرات الفردية. وباختصار، إنها، أي السلطة الخارجية، لا تثق بالإنسان وبحريته، بل تسخّره من أجل خدمة الدولة. وعلى هذا، فالمعيار الحقيقي لاختيار الفرد هو غياب أية سلطة، فإذا كان الفرد حراً وينطلق من رادع قانوني وأخلاقي نابع من ضميره سيبقى متحمِّلاً المسؤولية حتى في غياب السلطة، أما إذا لم يكن الفرد حراً وكان مقموعاً من السلطة فهو سينتهز أول فرصة لغيابها كي يقترف أفعالاً غير مسؤولة. السلطة إذن: تُخيف ولا تُقنِع.



وفي الإجابة عن سؤال خاص بـ"الرّدّة"، أكد البنا على حرية الإنسان وحرية اختياره، ولا مانع في أن يختار الفرد الدين الذي يؤمن به ويخدمه وبالتالي لا عقوبة بشأن "الرّدّة"، وهو يستند في ذلك إلى آيات قرآنية تحضّ على الحرية والاختيار مثل " لا إكراه في الدين".. و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ويقول: إن عقوبة الردة أخروية لا دنيوية، وتبعاً لذلك هو ليس مع قول عكرمة بن العباس: "المُرتدّ يُقتل"، وقول عكرمة هذا كان مثار جدل بين المحدثين فالإمام مسلم رفضه مثلما رفضه آخرون قبله. وانسجاماً مع الحرية التي يؤمن بها يرى البنا إن الإنسان مثلما هو حر في الاختيار يجب أن يحترم آراء وحرية الآخرين، فللإنسان الحق في أن يرتدّ عن الجماعة لكن ليس له الحق في أن يقاتلها بعد أن يرتدّ عنها؛ لأنه هنا يكون قد وقع في تناقض. وإذ يتفكر المرء في رأي البنا في الحرية هنا يدرك مغزى قوله إن السبب في كل ما فعله هو حريته واستقلاله فهو يؤكد أنه لم ينتم إلى آراء الآخرين إنما كوّن رأيه الخاص وإيمانه الخاص. وإن الحرية هي العلاج لكل المفاسد؛ فعندما يُستأصل الاستبداد وتنهض الحريات تنهض المجتمعات وينهض الإنسان في كل المجالات.



إن المرأة في عصر الرسول ولغاية عصر عمر بن الخطاب كانت تتمتع بحرية رأي وكلمة وكانت ذات مكانة، هذا ما يذكره البنا في المقابلة نفسها ويورد على ذلك مثالاً؛ إذ في إحدى المرّات كان عمر بن الخطاب يتحدث في المسجد عن مَهر المرأة؛ فقامت امرأة واعترضت وقالت له: لا يحق لك قول هذا. ولكن فيما بعد أصبحت المرأة شيئاً، يتابع البنا، ودائماً يتم قمعها وكبتها وكبت رأيها وإبعادها عن مختلف مجالات الحياة. وفيما يخص الإمامة لا مانع لدى البنا في أن تكون المرأة إمام المصلّين في الجامع. أما الحجاب فهو كما يقول لم يكن مُثاراً كقضيّة إلا في العشرين عاماً الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. وعلى هذا، يصرّح بأنه لا توجد آيات قرآنية تحضّ على الحجاب، ومرة واحدة لا غير جاء ذكر الحجاب ولم يكن المقصود منه غطاء الرأس إنما الحاجز الذي يكفل صون خصوصية الشخص تجاه الآخرين الفضوليين المقتحمين لهذه الخصوصية. والحجاب لم يكن فرضاً على النساء إنما كان محصوراً بنساء النبي فقط تمييزاً لهنّ عن الأخريات، وفيما بعد تم فرضه من قبل الرجال على نسائهن تيمُّناً بنساء النبي. إذن: فُرِض الحجاب من الرجال لا من القرآن. ويتطرق البنا إلى نقطة يراها مهمة وهي أن غطاء الرأس كان يُستعمل لحمايته من أشعة الشمس أو الغبار والأتربة وفيما بعد أُعطيَ الغطاء معنى آخر، ويقول إن من يلبس الطربوش مثلاً لا يعني أنه متدين، فالدين ليس له علاقة باللباس. ويواصل تقديم رؤاه التنويرية فيما يخصّ الفصل بين الجنسين، ويؤكد أنه أمر خطير وكريه وغير طبيعي، إذ من الطبيعي تواجد الجنسين معاً في الحياة. ولا مانع من القبلات قبل الزواج فهي تخفف من الضغط الناجم عن عدم ممارسة الجنس، إذ من المحتمل أن يبقى الشاب إلى سن الأربعين مثلاً من دون زواج ومن غير الممكن عدم تفريغ طاقته.



الخِلافة تعني العدالة والمساواة والاحترام والمدنية وهذا انتهى منذ عهد عمر بن الخطاب، لكن فيما بعد برز القمع والتسلط وكبت الحريات وخصوصاً عند معاوية بن أبي سفيان وابنه زياد وكذلك الحجاج...إلخ. بهذا أجاب البنا عن سؤال بشأن "الخلافة"، ويرى أيضاً أنه ليس من دواعٍ لتقديس التراث وتوقف الزمن والرأي والعمل عند ما فعله السلف وعند ما فسَّره الفقهاء، بل لا بد من تجاوز التراث والاحتكام إلى النص فحسب، وعدم الرجوع إلى آراء وتفسيرات الفقهاء وأحكامهم. وإنما السند الأول والأخير هو النص القرآني. والدين كما يراه هو قيم ورسالة تدعو إلى العدالة والمساواة والمحبة وهو يختلف عن الفلسفة التي تمثل وجهة نظر معينة نسبية كآراء الفلاسفة الأوربيين ومقولة الواجب مثلاً. إذ الفلسفة تبقى ذاتية أما الدين فهو عام وموضوعي بالمطلق، لأنه يمثل القيم، والقيم فوق الناس جميعاً. ويتابع قائلاً: ينبغي أن نعرف أن الدين وحي وهو كلام الله، مُنزَل، ولا علاقة للأشخاص به ولا حتى الرسول، ولا يجب أن نقرأ الآيات قراءة تاريخية، ولا أن نحاول معرفة أسباب الآية أو نفسرها معتبرين تفسيرنا نهائياً. فالدين رسالة للناس أولاً وأخيراً، والله للجميع ولا ينبغي لنا أن ننصِّب أنفسنا حكاماً على الآخرين، وليس لنا الحق في أن نقول إن البوذي مثلاً لا يدخل الجنة...؛ فالله هو الذي يحكم على الناس أجمعين. ويدعو البنا إلى فصل الدين عن الدولة، فالدولة كما يقول هي عبارة عن حكومة وشرطة وسجون، أما الدين فهو قيم ورسالة، وعندما تختلط الدولة بالدين تفسده، لذلك يجب ألا يُزجّ الدين في الدولة وألا يُسيّس ويوضع في غير مكانه السامي على التاريخ والحدث والخاص. وعن القرآن الكريم يقول: إنه موسيقى، فهو يشدّنا عند سماع أنغامه، والمقصود منه تركيز السمع، إذ تدخل الموسيقى الأذن وتذوب فيها الروح وتنسجم وتتناغم معها وفهمها ليس ضرورياً. ولأن الإيمان موسيقى لا يدخل الفهم فيه، فعندما يستمع المرء إلى موسيقى بيتهوفن مثلاً تدخل إلى أعماقه بشكل يختلف عن فهمه أن هذه السيمفونية رقم كذا ومصنف كذا...؛
وللحديث بقية دوماً..


هوامش:

ـ1

ـجمال البنا مفكر إسلامي مصري، له العديد من المؤلفات، منها (حرية الفكر والاعتقاد في الإسلام) (الإسلام والعقلانية) (المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء) (نظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي). ويذكر أن البنا من محافظة البحيرة، بلدة المحمودية، وُلِد عام 1920م، وينتمي إلى أسرة إسلامية مفكّرة أثرت في فكره كما يقول وأسهمت في تشكيل وعيه؛ فوالده (أحمد جمال الدين عبد الرحمن البنا) مفكر وله العديد من الكتب والدراسات في الإسلام منها تصنيف وشرح مسند الإمام أحمد بن حنبل، كما أن شقيقه الأكبر (حسن البنا) مؤسس حركة "الإخوان المسلمين" 1928 التي أصبحت مؤسسة دولية قدّمت فكراً إسلامياً جديداً.
ـ2
أسس جمال البنا (حزب العمل الوطني الاجتماعي)، وهي المرة الأولى في التاريخ التي تدخل فيها كلمة "اجتماعي" في تسمية حزب، وتشير إلى الاشتراكية والاجتماعية، لكن هذا الحزب حورب واعتبر منافِساً للسلطة وكسب الجماهير، لذلك نصحه شقيقه حسن البنا بأن يسميه جماعة العمل الوطني الاجتماعي بدلاً من "حزب"، لأن لمفردة "حزب" مدلولات سياسية. وكان للبنا الكثير من النشاطات في المجالات العمّالية، ونقابات العمال وفي مجالات اجتماعية وإنسانية أخرى مثل رعاية أسر المسجونين وغيرها.

ـ3

سُجِن البنا في عهد الملك فاروق، وفي المقابلة المذكورة تحدث عن أنه لم يكن هناك تعذيب، بل بالعكس كان هناك اهتمام بالسجناء من ناحية الأكل والشرب والنوم وحتى المطالعة والقراءة. ويقارن ذلك مع عهد جمال عبد الناصر الذي يقول عنه: إنه أساء في كل ما أحسن، وأحسن في كل ما أساء، فالأفكار عند عبد الناصر جميلة لكنها لم تلق طريقها إلى التطبيق، وعلى سيبل المثال كان عبد الناصر يقول عن العلم: " إنه كالماء والهواء"، ولكن في الواقع كان هناك الكثير من الطلبة الغائبين عن مقاعد الدراسة، ولم تكن الكوادر كفوءة، والعملية التربوية لم يقدها مدرسون مؤهلون. عدا عن ذلك، فزمن عبد الناصر كما يقول كان زمن التعذيب في السجون، وقد مورس التعذيب بإشراف ضباط نازيين، وبتدريب منهم.




















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الأسد يرقص مذبوحا من الألم

14-كانون الثاني-2017

كلما اقترب موعد اجتماع الأستانة ، كلما رفع الأسد من وتيرة قصفه المجنون للمدنين، وكأنه يريد أن يقضي على أكبر عدد ممكن من السوريين، ومن الحضارة السورية عقوبة قاسية لأنهم...
المزيد من هذا الكاتب

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

وُريقتان

02-كانون الأول-2014

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow