Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

مختارات من أشعار بودلير المنثورة إعداد

أحمد بغدادي

خاص ألف

2012-06-25

الإنسان الغريب *
ــ من تؤثر أيها الرجل الغامض . أباك أو أمك أو أختكَ أو أخاك ؟
ــ ليس لي أب ولا أم ولا أخت ولا أخ .
ــ أصدقاءك ؟
ــ إنك تستعمل لفظاً لا يزال معناه مستغلقاً عليَّ حتى اليوم .
ــ وطنكَ ؟
ــ لستُ أعرف أين يوجد .
ــ الجمال ؟
ــ أنني كنت أحبه عن طيب خاطر لو أنه كان إلهيّـاً وخالداً .
الذهب ؟
ــ أنني أبغضه .
ــ أيه ! .. ماذا تحب إذن أيها الغريب الشاذ ؟
ــ أحبُ السحبَ .. السحب التي تمرّ .. هناك .. السحب الرائعة .
***
النوافذ *
إن من يطل بنظره على ما يدور خلف نافذة مفتوحة لا يرى من الأشياء قدر ما يرى الناظرُ إلى نافذة مغلقة .. فليس ثمة شيءٌ يفوق نافذة تضيئها شمعة ٌ في العمق ِ والغموض والخصب والإبهام والروعة معاً ... إن ما يمكن أن نشاهده في ضوء الشمس أقل دائماً إثارة ً للاهتمام مما يحدث وراء زجاج نافذة .. ففي هذه الفجوة المظلمة أو المضيئة تحيا الحياة ؛ تحلم الحياة ؛ تتعذب الحياة .
إني ألمحُ من خلال موجات من سقوف البيوت امرأة ناضجة تظهر عليها التجاعيد ، فقيرة ، تنحني دائماً على شيء ٍ ما ، ولا تغادر أبداً مسكنها .. ومن وجهها وملبسها وحركتها ، بل من لا شيء تقريباً تصورت تاريخها ، أو على الأصح أسطورتها التي أرويها لنفسي بين الحين والحين وأنا أبكي .
ولو أنها كانت رجلاً هرماً مسكيناً لما أعجزني أن أتخيل أسطورته هو الآخر ثم آوي إلى مضجعي فخوراً بأني عشتُ عيشة َ أناس ٍ آخرين ؛ وشعرتُ بما يشعرون به من ألم .
وربما قلتُ لي : ( أواثقٌ أنتَ من صدق ِ هذه الأسطورة ؟ ) . ولكن ماذا يعنيني من أمر ِ موضوع الحقيقة الواقعة خارج نفسي ، مادامت قد أتاحت لي أن أعيش ، وأن أحسّ بكياني وقدري .
المرآة *
دخل على رجل ٍ دميم ونظرَ إلى المرآة ، فقلتُ له :
ــ (( لماذا تنظر على نفسك ِ في المرآة وأنت لا تستطيع أن تراها فيها إلا وتغْـتم ؟ ))
فردّ الرجل ُ الدميم قائلاً :
ــ " سيدي " لقد نَـصّتْ المبادئُ الخالدة التي أتت بها سنة 89 (( 1789 تاريخ الثورة
الفرنسية )) على أن الناس جميعاً متساوون في الحقوق ، إذن فأنا أملكُ حق النظر إلى مرآة . أما أن ذلك يمتعني أو يغمني فهذا أمرٌ لا يعني سوى ضميري )) . لقد كنتُ من غير شك ٍ على حق باسم الصواب ، ولكنه لم يُـخطئ من وجهة نظر القانون ! .

يأس المرأة العجوز *
أحسّتْ العجوز الصغيرة الذابلة بسعادة بالغة حين رأتْ هذا الطفل الذي كان في الجميع يتلقونه بالبشر ، ويحرصون على إرضائه :هذا المخلوق الجميل ،الذي يشبه في ضعفه العجوز الصغيرة، والذي هو مثلها بلا شعر ولا أسنان .
وأرادت أن تضاحكه وتبش له ، فدنت منه . إلا أن الطفل أصيبَ بذعر ، فأخذَ يضطرب من ملاطفات المرأة الطيبة المهدمة ، ويملأ البيت بالصياح ... وحينئذ ٍ انزوت العجوز الطيبة في عزلتها الأبدية ؛ وقَـبَـعَـتْ في ركن ٍ وهي تبكي وتقول لنفسها : (( آه ٍ ! لقد ولّـى بالنسبة إلينا نحن النساء المسنّـات التعيسات عهدُ إشاعة الرضي ، في نفوس الأبرياء ، أننا نثير الرعب في الأطفال الصغار الذين نريد أن نحبهم ))

محاسن القمر *
لقد نظرَ القمرُ ــ وهو التقلب عينه ــ من خلال النافذة حين كنت نائمة في مهدك ؟ وقال لنفسه :
(( هذه الطفلة تعجبني )) .
ونزل في رفق ٍ على سلمه المصنوع من السحب ، ومرّ من خلال زجاج النافذة دون أن يُـحْدِث صخباً ، ثمّ غمرك بحنان ٍ رقيق ٍ يشبه ُ حنان الأم ، وألقى بألوانه على وجهك . فظلت حدقتا عينيك خضراوين ، وعَـلتْ خديك صفرة ٌ غريبة . وحين أمعنت النظر إلى هذا الزائر انفتحتْ عيناكِ بشكل ٍ عجيب . وضغط َ على جيدك ِ بحنو ٍ كبير جعلكِ ترغبين دائماً في البكاء ... ومع ذلك ففي إفصاح القمر عن سعادته ملأ الغرفة َ كلها وكأن جوّها من الفوسفور أو من السّـم المضيء وكان كل هذا الضوء الحي يفكر ويقول : (( إنك ِ ستخضعين إليّ لتأثير قبلتي .. إنك ِ ستكونين جميلة بالصورة التي أريدها لك ِ .. ستحبين ما أحب وما يحبني : الماء والسحب والصمت والليل، البحر الخضم الأخضر ، الماء الذي لا شكل له والماء المتعدد الأشكال،المكان الذي لن تكوني فيه،
المحب الذي لن تعرفيه ، الزهور العجيبة ، الروائح التي تُـسْـكِـر ، القطط المغشي عليها فوق البيانو ، والتي تنوح كالنساء بصوتٍ أجشٍ وعذب ! ... وسيحبّـك ِ ، أحبائي ستكونين ملكة الرجال ذوي العيون الخضراء ، ستكونين ملكة هؤلاء الذين يحبون البحر ، البحر المضطرب الأخضر ، والماء الذي لا شكل له ، والماء المتعدد الأشكال ، والمكان الذي لا يكونون فيه ، والمرأة التي لا يعرفونها ، والزهور المشئومة التي تشبه المباخر التي تُـستخْدم في شعائر دين مجهول ، والروائح التي تزعزع الإرادة ، والحيوانات البرية الشهوانية التي ترمز إلى جنونهم .
من أجل هذا تجدينني الآن أيتها الطفلة العزيزة المدللة الملعونة جاثياً على قدميكِ ، باحثاً في بدنكِ كله عن شعاع ِ الإلوهية ، شعاع الأم التي تفسّـر ما يُخبّئه القدرُ ، شعاع المرضعة التي تسمم جميع غريبي الأطوار .


هوامش: ــ الشعر ــ مجلة شهرية للشعر العربي ( القاهرة ) .
العدد الرابع عشر " السنة الثانية 1965 "




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

سحبان السواح

لا يمكن إلا أن نحمل المعارضة السورية في الخارج، حصة في هدر الدم السوري، لأننا يمكن أن نختلف ونحن في دولة ديمقراطية، ونتعارك ونشد ربطات عنق بعضنا بعضا، نتجادل ونتقاتل...
المزيد من هذا الكاتب

أيتها البلاد القتيلة

08-نيسان-2017

جنس الجنة.. المكافآت والغيب!!

25-آذار-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

من دفتر أنثى عاشقة

30-تشرين الثاني-2016

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow