Alef Logo
ضفـاف
              

أدب النهايات المفتوحة : / أجرى اللقاء

صالح الرزوق

خاص ألف

2012-05-20

لقاء مع الروائي الإيراني مسعود عاليمي
مسعود عاليمي كاتب أمريكي من أصول إيرانية. يكتب القصة القصيرة والرواية ويساهم في زوايا صحفية تراها خصوصا في جريدة (الإيراني). يعمل في الولايات المتحدة بصفة مهندس إدارة شبكات باعتبار أنه مهندس إلكترون. في أولى رواياته وهي بعنوان (مقاطعات) الصادرة عام 2008 يرسم صورة حية و حزينة عن إيران، ويعيد إلى الحياة، في مشاهد حكائية، حقائق الوجود اليومي لأفراد الشعب، مع التركيز على كل الأسرار التي يحوكونها، والمكائد التي اضطروا لحبكها، وكل أنواع الإعتداء على حقوقهم والتي توجب عليهم أن يطالبوا بها (كما قالت ناهيد رشلان مؤلفة رواية بنات إيران و رواية القفز فوق ألسنة النار).
وفي هذه المقابلة يلقي الضوء على جوانب متعددة بما فيها خبراته السياسية والثقافية، وتراكم خبراته العامة والخاصة و رأيه بظاهرة ( الربيع العربي ).
كان أول سؤال على النحو التالي:
1 – لماذا تكتب باللغة الإنكليزية فقط؟ وهل لديك أية نصوص باللغة الفارسية؟.
قال الأستاذ مسعود عاليمي: توجد طريقتان للإجابة على السؤال. وأقصر جواب هو: لأن قرائي يتكلمون اللغة الإنكليزية. ولكن الجواب المفصل يجب أن يضع بالحسبان رحلتي الطويلة من البدايات إلى هذه اللحظة.. طبعا بدأت أكتب في بواكير عمري باللغة الفارسية. وأتذكر أنني كتبت وأنا بعمر 8 أو 9 القصائد والقصص الأخلاقية التي أعتقد أنها سخيفة حقا، لكنها كانت تمرينات على مهنة الكتابة. وعندما هاجرت إلى الولايات المتحدة، انشغلت لفترة من الوقت بالدراسة، وفيما بعد، أصبت باليرقة التي تندفن في الأعماق، يرقة الكتابة، وأعتقد هذا بدأ بتأثير من ثورة عام 1979، وكان من الطبيعي أن أهتم بالكتابة السياسية. بعض المفكرين والمثقفين المخضرمين يعتقدون أن الكتابة والسياسة صنوان. وكانت هناك جريدة شهرية ينشرها مواطنون إيرانيون في فترة الثمانينات والتسعينات في واشنطن العاصمة. ولها اتجاه أدبي واجتماعي وغالبا ما نشرت فيها بواكيري. ومع التقدم بالعمر أصبحت جماهير القراء من اليافعين الذين لا يعرفون اللغة الفارسية. وهكذا ركبت الموجة وغيرت لغتي. من الطبيعي أن المؤثرات المحيطة توجه أسلوب الكتابة. فالمرء لا يستطيع إلا أن يكتب بصيغ وتراكيب من يعيش بين ظهرانيهم.
2 – متى ولماذا غادرت إيران إذا؟.
ج - كنت في حوالي الثالثة أو الرابعة عشرة من العمر عندما وقعت بيدي أول خريطة للعالم وكانت في مكتبة غوتنبرغ بطهران حيث تباع الكتب الروسية ولكن مترجمة إلى الإنكليزية. لو لم تخني الذاكرة كانت مكتبة غوتنبرغ في زقاق شهرزاد، والذي أعيدت تسميته بعد الثورة وأصبح اسمه زقاق الإنقلاب، وهو مقابل جامعة طهران. وكانت الخريطة التي رأيتها هناك مطبوعة على ورق جيد وقد نشرها معهد موسكو للجغرافيا.
في وسط الخريطة كان الاتحاد السوفييتي يبدو كبيرا ويستحوذ على الاهتمام. و كانت أمريكا من جهة أخرى مقسومة إلى نصفين، وموزعة بين هوامش الخريطة بحيث أن المشاهد لا يفكر بها طويلا. ثم في السنوات اللاحقة بدأت أحضر ندوات جمعية الصداقة الإيرانية – الأمريكية، وهناك رأيت خريطة أخرى للعالم. وهي من منشورات الجمعية الجغرافية الوطنية، وكانت تصور أمريكا كإسفين في وسط الخريطة، وتقطع الاتحاد السوفييتي السابق كم هذا مدهش. لقد رسمت هاتان الخريطتان في ذهني رؤيتين مختلفتين للعالم واستمر ذلك لأجيال. وكانت تبدو إيران في تلك الفترة شديدة التماسك. وأعتقد أن كل أبناء جيلي شعروا بذلك. لقد كبرنا في ظل الغرب. وكان الغرب يبدو لنا مثل كيان معقد. من جهة، كنت أقرأ وأستمتع بقصص توين وهمنغواي وفولكنر. ومن جهة أخرى كنت محتارا كيف استطاع الغرب أن يحتمل نظاما يفرض رقابة على هذه المؤلفات.
غادرت إيران عام 1977 بعد المدرسة الثانوية. وكنت في السابعة عشرة ولدي أفكار عظيمة. ولم تكن بشائر ثورة 1979 في الأفق. كنت أحب أن أذهب إلى مركز العالم لأبحث عن الأجوبة التي ترد على أسئلتي. ولكن حدث شيء مضحك بعد أن توجهت إلى الولايات المتحدة. اشتعلت الثورة في البلاد وانقلب العالم رأسا على عقب. كان من المفروض أن أنتهي من الجامعة وأعود، ولكن مع هذا الحدث الكبير حاصرتني الأسئلة، وحتى مفهوم "الوطن" أصبح غريبا. كانت التبدلات بنظري وجودية. هل بمقدورك أن تقول عن مكان يعدم فيه أقرب الناس إليك وطنا؟. لم أكن متعاطفا مع النظام السابق، ولكن الطريقة الجديدة التي دأبت عليها الحكومة البديلة، كانت مثل افتتاح فترة استعباد إضافية، يكون فيها كل شخص "عبدا". وهنا واجهني السؤال التالي: "هل هذا هو وطني؟". ومنه نجمت أجوبة تلقائية: هل الوطن هو المكان الذي تولد فيه أو المكان الذي "تعيش" فيه. لدى الأمريكيين إجابة مباشرة. إنه الأخير.
3 - بالنسبة للجواب السابق أغتنم الفرصة لأميز بين السياسة الخارجية والداخلية وذلك ضمن إطار ظاهرة العالم الثالث. الصراع في هذه الثقافات يكون دائما فظيعا وقد يجلب بعض الثقة المناسبة التي تخدم أطرافا كانت غائبة بشكل متعمد من المعادلة الاجتماعية. ردة الفعل في هذه الظروف تستغرق فترة أطول. أنت تعلم أن كل رئيس جمهوري يميل لتغيير وتعديل ما قدمه الرئيس الديمقراطي وهو في سدة السلطة. ولكن طبعا بأساليب ناعمة مع أنها أحيانا تجبر بعض وظائف الدولة أن تتوقف أو أن تنفجر في دول الجوار.
والآن ننتقل إلى سؤال آخر: هل إن الخيال في الكتابة يمنحك فرصة إضافية للحياة؟.
ج - لو أن "الكتابة" تعني "الاكتشاف" فالغرب هو من قدم لي الفرصة لأكتب. أدبنا، الأدب الذي تربيت بين أحضانه (دعنا نسميه أدب "البلد السابق") يبدو لي مبالغا به ومستهلكا. كل شيء في مكانه ولا يوجد إمكانية لكشوفات جديدة. كل مفهوم خضع للملاحظة وتعرض للنقد والتشريح مرات كثيرة. من الفردوسي إلى سعدي حتى حافظ ومولانا، ثم إلى ما قبل الحداثة والحداثة، لقد تم استكشاف العالم ولا توجد فرصة أخرى لكاتب آخر كي يمرر رأسه ويرى بنفسه ماذا يجري. لذلك ربما يعتقد الناس في منطقتنا أن الكاتب عبارة عن عامل كسول ينفق وقته بالكلام. ولكن في الأدب الإنكليزي يوجد دائما متسع. لا أحد يقول إنك تنفق وقتك جزافا. وتوجد دراسات جامعية تعلّم الطلبة كيف يكتبون القصص. وهذه تدعى "الكتابة الإبداعية"، ومن المتوقع أن تتطفل على كل شيء وأن تكتب عن كل الأشياء. أنت محترم ويمكن أن تعيش من مهنة الكتابة. في الغرب نحن نعلم أن العمل بالأدب يوسع العقل البشري حتى آخر حدوده في مجال الشعور و التفكير.
4 – عن الغرب و الكتابة. أخبرني أستاذي البريطاني وهو ويليام جاك وتنغتون (وكان رئيسا لتحرير مجلة دولية متخصصة) أن العلوم والثقافة لا تدعم الكماليات بينما أصحاب المهن الحرة مثل الحداد والنجار ينعمون بحياة مريحة. ويمكن أن أقول إن مستوى الحياة في الغرب لا يعكس أهمية الأنتلجنسيا و لكن الوضع الحقيقي للإنفاق الوطني على وجه العموم. ما رأيك؟.
ج - أعتقد أن أستاذك على حق. يبدو أن الشرق الأوسط له مستويات حياة منخفضة بينما المثقفون لديهم مكانة رفيعة. ولكن في الغرب الوضع بالعكس تماما.
5 – أنت تكتب القصة القصيرة. هل تعتقد أنها تكفي لرسم صورة الرعب والألم التي يعاني منها الجنس البشري؟.
ج - أكتب أيضا المسرحيات، ونشرت رواية. أتعامل مع مختلف ألوان التعبير. لو أن الجنس البشري يتألم، على الكاتب أن يعلم أن هذا هو ما يؤثر في شكل كتابته. وسواء عبرت عن الشقاء بأسلوب القصة أو الفيلم أو المسرح فهذا موضوع آخر. كلها أشكال نبيلة، وتعتمد على الكاتب فقط وعلى طريقته المستخدمة في التعامل مع فنه. ولكن اسمح لي أن أضيف قليلا حول مصدر "الألم". الألم بحد ذاته لا يضمن قيمة العمل الأدبي. الفن لا يهتم بمعاناتك. على الفنان أن يستنفذ المصادر "من هنا وهناك". والفن يأتي بعناصر متعارضة: الفنان يرفض الواقع. الفنان الأصيل يبتعد عن الواقع لأنه يجبره على مقاومة غرائزه، وهذا بشكل غير مباشر يدفعه للاختباء في عالم خيالي وباطني. فعالم الخيال يكون أوسع و يقدم الفرصة لأحلام الكاتب وأمنياته كي تتحرك بحرية. في هذا العالم الفانتازي، يقترب الفنان من خيالاته المتعددة التي يرغب بها، وهذه الموهبة تقدم له القدرة على صناعة حقائق جديدة و قيم يخلق بها واقعا جديدا، وهكذا تتقدم الحضارة و تتطور.
6 – أنت تتبع في كتاباتك القصصية أسلوب النهاية المفتوحة. في قصة "نصف شبر" لا تذكر أبدا ماذا جرى في نهاية المطاف للسفاح. وفي "أمام السفارة" قدمت المشكلة ولكن لم تذكر بأي اتجاه كانت تتطور ولماذا. هل هذا لأنك لست متأكدا من أهدافك ومن وضعيتك في هذه الحياة؟.
ج - لا أعلم هل إن القراءة العميقة في قصص الآخرين تنتهي بتقديم مفتاح يفسر الحياة النفسية. ليس هكذا تورد الإبل. الكاتب يلتقط المشهد فقط أو الصورة أو اللحن الذي كان موجودا من قبل. لو لم أكتب عن المستقبل التالي في قصة فهذا لأنه ليس مهما لي. فهو موضوع مختلف و يتطلب قصة جديدة.
7 – أي كاتب تفضل؟.
ج - مهما حاولت أن أتخلص من مشاعر العاطفة التي أكنها للكتب وأن أمتنع عن سياسة التفضيل والميول، أرى أنني أحبذ بشكل طبيعي المؤلفات التي تنسجم مع تجاربي السابقة ومعلوماتي وكل حياتي. وأفضل النوع الذي يخاطب ظروف الإنسان الشامل والكوني. وإن النواحي الصامتة في هذا النوع يكون بسبب الاختلاط المتزايد بين الناس، مزيد من الأعراق والثقافات والأمم تتواصل مع بعضها البعض. فكاتب مثل سلمان رشدي وكازو إيشوغورو وميلان كونديرا أمثلة جيدة. وإن مفهوم الأدب العالمي كما بينه الناقد فيكتور شولوفسكي أكد أن ترسترام شاندي هي الرواية النموذجية في عالم الأدب.
8 – ما رأيك برواية (عمي نابوليون) للكاتب الإيراني عراج بيزيشكزاد؟.
ج - عمي نابوليون هي الرواية الإيرانية الأولى. لقد وضعت حدا مرتفعا لم يتمكن أحد من الاقتراب منه حتى الآن.
9 – هل بمقدورك ان تخبرنا قليلا عن روايتك وعن الظروف التي كنت تمر بها و أنت تكتب؟.
ج - إنها قصة مختلقة عن رجل شاذ يلقى القبض عليه خلال مظاهرة سياسية في طهران ويعتقد أنه ناشط سياسي ومضاد للنظام. ولا يستطيع إثبات أنه بريء ولكي يثبت ذلك، عليه أن يكشف عن ميوله الجنسية المثلية. وكما تعلم، المثليون لا يتلقون المعاملة المناسبة في إيران. وهذه المحنة تقوده إلى اللقاء مع أحد الحرس الثوري الذي يطلب منه أن يكتب له عن ماضيه. وأثناء ذلك، يحلل التاريخ المعاصر للبلاد.
9 – ما هو مصدر قوتك اليومي في الولايات المتحدة؟
ج - تدربت على العمل كمحترف في شبكات الكومبيوتر، وأنا كاتب أيضا. دائما أنظر لمهنتي كمرحلة انتقالية. هاتان حالتان متناقضتان في الوجود العضوي. وكذلك أقترب من الصحافة بين حين وآخر. أحب الكومبيوتر لأنه دقيق و ينظم حياتي. وأحب الكتابة لأنها تسمح لي بحرية التعبير عن النفس باستقامة أخلاقية عالية تتوفر في القصة. في العلوم و في التحليل النفسي والعمل الاجتماعي أو في السلك الديني لا تتوفر هذه الإمكانيات.
10 – هل تحب أن تعيش في الولايات المتحدة باستمرار. هل تحب مسكنك هنا. اللحظة التي تفتح فيها عينيك صباحا. اللحظة التي ينتابك فيها الإرهاق وتقرر أنه يجب أن تأوي للفراش.
ج - لو أنك تسألني هل أنا سعيد في الولايات المتحدة أقول نعم. أنا سعيد. قدم لي هذا البلد أشياء كثيرة. وأثمن هدية تلقيتها من أمريكا هي الرؤية وموهبة الكتابة. هذه طريقة للنظر إلى عالم مختلف فعلا عما سواه. ولو أنك تسأل هل أحب مسكني ومستوى الحياة في الولايات المتحدة، الجواب لا يزال نعم. طبعا أواجه مشاكل عابرة مثل أي مكان آخر. في أحد الأيام أستيقظ باكرا بعد ليلة ماطرة وأنتبه أن سقف مرآب السيارة يسرب المياه. ويجب أن أنفق النقود لإصلاحه. مشاكل من هذا النوع دائما موجودة وعلى البيت أن يتلقى الصيانة باستمرار.
11 – هل تقرأ في المكتبات العامة وهل تزور الحدائق وتقابل الأصدقاء من كلا الطرفين: إيرانيين وأمريكيين، سيدات ورجال، إلخ....
ج - كل ذلك. أنا لست مغلق الشخصية. ودائما أستمتع بالرفقة. ولكن طبيعة الكتابة تحتاج لإنفاق ساعات طويلة مع نفسك ويوميا. ولو أنك كاتب مستقيم (ولا حاجة لأن تكون كاتبا لو أنك لا تميل للاستقامة) لا تستطيع أن تلتقي بالناس الذين تود أن تقابلهم. هذه هي حدود المهنة، وعليك أن تتأقلم معها.
12 – هل تخبرنا قليلا عن المشهد المعاصر للأدب الفارسي (أقصد الإيراني بالحدود السياسية المعاصرة).
ج - في مسيرة الأدب الإيراني عدة منحنيات. بعد الحرب العالمية الثانية انفجرت الكتابة الجديدة. خلص نعمة يوشيجي الشعر في الأربعينات والخمسينات من حدوده القديمة وولدت على يديه القصيدة الإيرانية الحديثة، أو "القصيدة الجديدة"، وتبع خطه أحمد شامولو، فروغ فرخ زادة، أخوان السعالي ونادر ناديربور وغيرهم.
في مجال القصة بدأ صادق هدايت بكتابة القصة القصيرة وقدم للقصة الإيرانية الحديثة الشكل الفني وسار في ركابه صادق شوباك. واستفادت أيضا الرواية الإيرانية من أعمال كتاب مثل إبراهيم غولستان وأحمد محمود ومحمود دولت عبادي وإيراج بيسشكزا. وكان غلام حسين سعيدي كاتبا مسرحيا عظيما ينتمي للعصر السابق على الثورة. ومع أن هاديت لم يتحمل ثقل الوطن وغادر إلى باريس وشعر أنه في وطنه الثاني انتحر في عام 1929. بمقدورك أن تقول أن هذا الجيل أغنى الحساسيات الجديدة. ثم جاءت الثورة لتبدل من كل الأشياء.
بالعادة تفتح الثورة الطريق لأصوات جديدة وترفع من شأن آداب عصرها لتصل إلى مستويات أرفع، غير أن هذا لم يحصل في إيران بسبب الطبيعية الدينية للنظام الجديد، لقد توقف كل شيء، وأجبر الشعراء على التقاعد أو الهجرة. و إن روائيين مثل أحمد محمود ومحمود دولت عبادي استمروا لبعض السنوات ثم أصمتوا.
وآوت باريس سعيدي بسبب غضب الملالي عليه، ولكن أجهزت عليه جرعات لم تكن تنتهي من الشراب والاسترخاء. وحاول أن يتغلب على كسله بنشر مجلة فصلية أدبية، وقد وصل إلى العدد رقم 7 ثم توقف. وأصاب الخراب حياته، وتوفي أخيرا بسبب نزيف دموي في القرحة بعد ليلة من الإفراط بالشراب. ولذلك حينما أنظر إلى المشهد الأدبي الفارسي المعاصر، لا أرى لسوء الحظ ما يدفعني على الأمل. معظم الكتاب خارج البلاد، و غالبا في أوروبا، ويكتبون في مطبوعات قليلة الانتشار ومعظم الأحيان لا ينتبه لهم أحد.
13 – المحافظون أم الثوريون أم الإصلاحيون. من له أكبر الأثر في النشاط الوطني للأنتلجنسيا.
ج - لو أنك تسأل من أين تتلقى النخبة الإيرانية مصادر إلهامها، فهذا سؤال صعب. لا أظن أنه تبقت لدينا أنتلجنسيا في إيران. كلهم أموات أو في الشتات. وأعتقد أن المحافظين قتلوا كل أعدائهم وهم الآن يحكمون بقبضة من حديد. أما الإصلاحيون فقد انتهوا ومعظم مفكريهم يرقدون في السجن أو يعيشون في المنفى. ولو أنك تقصد بالمشهد المعاصر للمجتمع الإيراني الأحزاب التي تؤثر على أفراد اامجتمع، هذا مجددا سؤال صعب. فأنا بعيد عن المشهد السياسي ولا أستطيع أن أتكلم عنه.
14 - أنتجت الحرب على الإرهاب في الولايات المتحدة كما لا بأس به من النصوص. ماذا عن الربيع العربي الذي هو أساسا بفعل تحريض و إشراف الغرب و الولايات المتحدة.. فهم متورطون بالسياسة على الأرض من غير لغو أو كتابات، و لاسيما الكتابات الإبداعية و هذا يستبعد من حسباننا التقارير و ألأخبار و ما شابه. هل تعتقد أن الضمير الأورو أمريكي يعمل باتجاه مختلف عن القرار السياسي أم ماذا؟..

ج - الكتاب في أمريكا متفائلون جدا و يحدوهم الأمل بما يبدو أنه يقظة عربية. طبعا كلهم مع الربيع العربي، كما هو حال عموم الشعب الأمريكي، و مع ذلك يتابعون الأحداث مع قليل من التحفظات : هل هذه ثورة عمياء و ستنتهي فقط بنهر من الدماء و القمع و إعادة الوضع لما كان عليه مع إنتاج ديكتاتوريات أخرى بأدوات مختلفة، أم أنها ثورة شعب جاهز حقا لقطيعة تامة مع الطغيان بكافة أشكاله..
من الناحية الإبداعية لم أمر على نماذج أدبية كثيرة حول الموضوع باستثناء حفنة من القصص القصيرة هنا و هناك. هذه الأمور تحتاج لوقت، كما تعلم، المجريات الاجتماعية و السياسية تحصل بسرعة فائقة. و لكن الإبداع لا يلحق بالركب الواقعي و بما يجري على الأرض فورا، و يحتاج لوقت و لمواد يجب أن تختمر و تنضج قبل أن تترك أثرا.

15 - لإيران موقف قوي بخصوص ما يجري في سوريا و العراق، إلى أي مدى وصل الكتاب الإيرانيون مع الأحداث التي تتطور على الأرض؟ من فضلك بعض الأمثلة لو أمكن.

ج - تم استثمار النظام الإيراني في سوريا بشكل موسع، لأنه الحليف الوحيد في المنطقة. و سوريا تستضيف حزب الله و هو صناعة إيرانية، و قد تدرب و تم تمويله بالبترو دولار الإيراني كي يقف بوجه إسرائيل. و الدولتان سوريا و إيران حليفتان ضد ما يخيل لهما أنه اعتداء غربي إسرائيلي. و لذلك ليس مفاجأة أن إيران و سوريا تنظران لللأحداث تقريبا بشكل متماثل. و مع ذلك ينظر الشعب السوري و الإيراني لما يجري بشكل مختلف. و على ما يبدو أن شعوب البلدين يسيرون وراء منافعهم و اهتماماتهم، و هي تتحرك بعكس وجهات نظر حكومتيهما. و دعنا نواجه ما يحصل بصراحة، لقد أصبح نظام الأسد عبءا على سورية و سقوطه سيترك النظام الإيراني من غير صديقه الوحيد في المنطقة.

16 – حسنا. ما سبق سياسي جدا. ويبدو أن الأسئلة لم تحرك ذهنك الأدبي بشكل جيد. لنحاول الصياغة مجددا. قدمت المشكلة العراقية الإيرانية للقراء عددا كبيرا من النصوص الأدبية، و لا تزال. من ذلك مينا ضد صدام ، قصة لمرجان كمالي، نشرت في العام السابق بعد هذه الحرب الكارثية بربع قرن تقريبا. و قل نفس الشيء عن غزو أمريكا للعراق. مؤخرا ( بالتحديد في عام 2011 ) قرأت لنيد باركر قصة وثائقية بعنوان الطريق إلى بغداد. هذا يعني بعد ثماني سنوات على الغزو.
و لكن الأدب، لنقل الأدب العالمي، لم يصل لكلمة حول الربيع العربي. هل تعتقد أنه مع الوقت سوف يستجيب كتاب لهم وزن و يتكلمون عن المسألة كما حصل مع براغ و ربيعها. و في الذهن ميلان كونديرا. أو ربما العكس، سوف تسير الأمور باتجاه آخر و تذهب نحو أفق مختلف كما فعل باسترناك و نابوكوف.. أحدهما اختار الصمت و الثاني رحل إلى منفاه.

ج – لا يوجد " أدب عالمي " مونوليثي. و فكرة أن هناك " أدبا عالميا " موحدا و يتحلى بأخلاق محددة فكرة ذاتية و مخادعة. يوجد مؤلفون و كتاب، و هم يتأثرون بالأحداث العالمية. و لدينا أدب و مقالات سياسية. قرأت العديد من المقالات السياسية عن سوريا و العراق و أفغانستان أيضا. و لكن بالنسبة للأدب لتصل إلى شيء له قيمة، لنقل علينا أن ننتظر مرور جيل أو إثنين. و إلا سوف نحصل على قصص لها دوافع سياسية. و أنا لا أهتم بهؤلاء.
لم يكمل باسترناك الدكتور زيفاكو حتى 1956. و قصة تلك الرواية الخالدة وقعت أحداثها خلال الثورة الروسية في 1917. لقد استغرقت عملية التخمير 40 عاما. الأسد لم يرحل حتى الآن. انتظر رحيله، و أضف لذلك 40 عاما، و حينئذ فقط سوف يكتب الأدب الذي يتكلم عن سقوطه و عن الثورة السورية الكبرى. ربما بقلم صالح الرزوق. من يعلم ؟..

17 – يسعدني أن أكتب عملا أساسيا عن الحراك الاجتماعي و السياسي في سوريا. من موقعي كشاهد على الأحداث التي أرى أنها تأخذ شكل دورات متكررة و منغلقة على نفسها. و لكن المشكلة أن عمري سيكون بحوالي المائة عام. و الآن ماذا عنك، ما هو مشروعك المقبل؟.
ج - أود أن أكتب كوميديا. وأعتقد أنها أصعب أشكال الكتابة إذا أردت لها النجاح.
18 – حينما تقرأ وتكتب، هل يحصل ذلك بنية مسبقة أم نتيجة دوافع غريزية مفاجئة؟.
ج - أقرأ في الميترو وأنا في الطريق إلى العمل أو إلى البيت. وهذا يستغرق ساعتين يوميا. وأكتب بالعادة في الليل بعد أن يرقد الأطفال في أسرتهم. وأكتب من التاسعة مساء وحتى منتصف الليل وأحاول أن أواظب على هذا النمط ستة أيام في الأسبوع. "الرغبة والاحتياجات" موجودة دائما وأتمنى لو أنها غائبة. ولكن ربما في حال غيابها لن يتوفر الضغط الذي تزدهر بعده الكتابة. وأعتقد أن "الرغبة والحاجة" بمفهومك لا تنشط إلا على مستويات التصعيد. ولذلك أقول إن المسألة أقرب للوعي المتعمد. أنا "أختار" أن أكتب وأضع برنامجا زمنيا أحاول أن ألتزم به.

أيار 2012


BOOK MARK PAGE PRINT SEND TO FRIEND TOP









تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

منتخبات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 2 / ترجمة

09-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow