Alef Logo
مقالات ألف
              

حول العلاقة الجمالية بين الثائر والثورة في سوريا

علا شيب الدين

خاص ألف

2012-05-09

في 6/4/2012 رفع ثوار "عامودا" في محافظة الحسكة لافتة تضمّنت مقولة لـ(لوركا) (ما الإنسان دون الحرية يا ماريانا؟ كيف سأحبك إذا لم أكن حراً؟ كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟)؛ وكانت لافتة من بين آلاف اللافتات التي رُفعَت منذ اندلاع الثورة السورية كاشفة عمق علاقة جماليّة عبَّرت عن تواصل روحي مثلما هو جسدي بين الثائر والثورة؛ طالما أنها علاقة تعقد الصلة بين الواقع بكل قباحاته وبين الجمال عبر معايَشة جمالية بين الذات الثائرة وموضوع هذه الذات، أي الثورة.




هكذا؛ تبدو الثورة السورية كأنها سعي من أجل انتصار الجمال والروعة على الشرِّ والابتذال والقبح. ولعل انضواء التنوّع في الثقافة، والعلم، والدين، والطائفة، والقومية، والمنطقة، والعمر، والجنس، والعمل، والطبقة الاجتماعية داخل وحدة كلية هي ثورة شعبية، لعل هذا التنوّع كان مصدر جمال الثورة من حيث هو انسجام. فجمالية الانسجام هنا تبدّت في وحدة المتنوِّع والمتناقِض (تيمّناً برؤية هيغل للانسجام). يُضاف إلى ذلك، التناغم بين حركة الفرد/الثائر كجزء كان على مرّ عقود ساكناً راكداً وحركة الثورة ككل. ومع انسجام الحركة بين الجزء والكل غدَت العلاقة بين الثائر والثورة حافزاً لإقامة علاقة جمالية بين الفرد وذاته، وبين الفرد ومجتمعه، وبينه وبين مثله الأعلى. إن الجمال هنا، وقد أصبح مع الثورة (حياة)، يقترب من الجمال في الفن من حيث إن الجمال وليد التوافق بين ما ينبغي أن تكون عليه الأشياء ووجودها الواقعي؛ فالثورة السورية جميلة بمقدار ما أفصحَت عن انسجام أحاط بالزخم الشعبي الشائك والمتنوِّع. انسجام تبدّى في وحدة الشعارات والهتافات، ووحدة الأغنيات والألحان والتصفيق في التظاهرات، ووحدة إيقاع الجسد الروح طاوَل شرق البلاد وغربها مثل جنوبها وشمالها. وهذا ما وجد تعبيراً عنه بين الشكل والمحتوى في الثورة.



ولئن كانت العلاقة التي تعقد الصلة بين الثائر والثورة السورية ذات طابع جمالي؛ فإن هذه العلاقة لم تقتصر على قيمة (الجمالي) فحسب؛ بل طالت قيماً جمالية أخرى مثل (الجليل)، و(المأساوي)، و(الهزلي). وقد تبدّى الجلال في الثورة السورية فيما ولّدته الظاهرات غير العادية، والشجاعة غير المألوفة التي أظهرها الثوار، من شعورٍ دفع إلى فرح غير عادي ممزوج بعاطفة التقدير العالي والاحترام، و ولّد لذّة مركّبة من ألم ومتعة محفوفة بدهشة العقل الرّوحية. ناهيك عن ذلك، فإن جلال الثورة فاجأ العالم وهزَّه، كونه ارتبط بشعور الشعب السوري الثائر بقدرة الثورة على خلق واقع جديد يكون وليداً لقواه المبدِعة، ولمحاولته الارتقاء على ذاته، وتأكيد التصميم على الإمساك بمصيره وشروط وجوده في العالم. وقد بدا جلال الثورة السورية أوضح من خلال تقابله مع دناءة نظام يسيطر عليه الجانب الحيواني والفظاعة والتشوّه والعقم وشهوة السلطة والمال. هذا من جهة.



ومن جهة أخرى، ارتبط الجلال في الثورة السورية ارتباطاً وثيقاً بـالمأساة وبالموت. إنه الموت المأساوي الجليل الذي لزم عن ثورة حرية وكرامة؛ فاقترن بالشهادة التي جعلته مبجَّلاً من حيث هو موت من أجل حياة، ومن أجل قضية عادِلة. ما دفع بالثائرين إلى مقارَعة السلطة التي ظنّت أنها بالقتل ستنهي طموح التغيير الجموح؛ ففضّلوا الموت الحر على عيش العبودية، وأنعشوا المخيال الديني الذي ألهب حماستهم الثورية (عالجنة رايحين/ شهداء بالملايين). وقد يحقّ لنا تشبيه موت ثائر سوري خرج محتجّاً ضد الظلم والطغيان بتراجيديا جدّية جداً انتهت نهاية محزِنة تجسّدت بالموت الجليل؛ لكنها تراجيديا لم تولِّد لدى الباقين من الثائرين شعوراً بالألم والحزن الحقيقييْن فحسب؛ بل كانت دافعاً هزّهم وعمَّق وعيهم ونقَّى عاطفتهم من أجل الاستمرار في الثورة؛ لأن موت الثائر هنا لم يكن موتاً للمثل الأعلى للثورة المتمثل في إسقاط النظام البعثي/ الأمني، وإشادة دولة الديمقراطية. وعلى هذا، تظلّ القضية التي مات من أجلها الثائر جديرة بأن يواصل الآخرون من بعده النضال؛ طالما أنها قضية وجودية مصيرية تمسّ جميع الثائرين. ومتى غدا المصير المأساوي ثمناً مبرِّراً للانتصار الأخلاقي الذي أحرزه الثائر بموته؛ فإن عبارة (الموت ولا المذلة) تنمّ حينها عن ضرورة تاريخية تسهم في صنع المثل الأعلى للثورة. فالصراع المأساوي بين النظام والشعب السوري أحال الفرد/الثائر الذي يواجه الضرورة التاريخية إلى قوة تاريخية مقابِلة. والمُلاحَظ أن المأساة التي تحدّث عنها أرسطو قديماً، والتي تجعل الناس أعلى مما هم عليه، قد نجحت فعلاً في جعل ثوار الكرامة في سوريا أعلى مما هم عليه؛ و ولّدت لديهم شعوراً أخلاقياً عميقاً، وموقفاً نقدياً ثورياً دفع إلى التفكير المسؤول في مستقبل الدولة والفرد والمجتمع. وهذا ما نفسِّر به الإصرار على إسقاط "نظام" بذل قصارى جهده وبطشه من أجل تدمير سوريا، وتمزيق نسيجها الاجتماعي.



ومن الصراع المأساوي بين القديم (النظام) والجديد (الثورة)؛ نبعَ الهزلي كقيمة جمالية تصل بين الثائر والثورة عبر العلاقة والمعايَشة الجمالية ذاتها. تجلّت الهزلية في الثورة السورية من خلال إبراز التناقض بين بَلى النظام القديم، وبين مطالبته مع ذلك بأن يُعامَل معامَلة الجديد الحي الذي يواصل مسيرة "الإصلاح". ولأن الثائر اكتشف هذا التناقض في الواقع؛ ولأنه تخطّى النظام القديم وما عاد أسيره؛ آثر الضحك والسخرية. ولا شكّ أن السخرية هنا هي أحد التعبيرات الحقيقية عن الهزلية من حيث تضمّنها تقويماً نقدياً يبعِد الثائر السوري عما لم يعد يتمسّك به، وما أصبح غريباً عنه، بتحويله إياه إلى أمرٍ مُضحِك. وبما أن الضحك بحد ذاته ظاهرة فيزيولوجية نفسية قد يلجأ إليها الإنسان في أوقات المحن العصيبة للتكيّف إيجابياً مع مآسي الراهن عبر حفزٍ لقواه؛ فقد عمَد الثوار إلى امتهان النكتة الذكية التي قد تساعد في تبديد مزاعم النظام بأنهم "عصابات مسلحة". ولعل الفيديوهات التي صوّر فيها الناشطون، في جوّ كوميدي ساخِر، أسلحة وقنابلَ ومدافعَ تم تصميمها من خضار وعلب عصير فارغة واسطوانات، لعلها أمثلة تدلّل على علاقة جمالية اتخذت من الهزلية رابطة بين الثائر والثورة. هزلية طالت المجتمع الدولي أيضاً ساخِرة من مواقف لا ترقى إلى مصاف ثورة بهذا الرقي؛ مثلما لا ترقى إلى مستوى شعب يتعرّض إلى حرب إبادة وجرائم ضد الإنسانية، ولا فتات "كفرنبل" في محافظة إدلب التي تضمَّنت رسومات كاريكاتورية فضحت تواطؤ زعماء العالم تدخل في إطار الأمثلة المهمة جداً على ذلك. ما يثبت قوة الثورة في تحدّيها للعالم بأسره.

إن انطواء الثورة على الضحك والنكتة، يحثّ المرء على التفكّر بصفات مثل التصلّب والتعصُّب المشحون بأديولوجيا الحزب الواحد، والعنت والعبوس والتجهّم، وغيرها من الصفات الجدّية التي تأصّلت في نظام الصمود والممانعة السوري؛ مُفضيَة إلى كره المرح والفرح والحياة. ما قد يدفع تالياً إلى عقد مقارَنة بين هذا النظام وبين نظام الكنيسة في القرون الوسطى. نظام الكنيسة الذي انصبّ كل تفكيره بالعذاب الأبدي وحياة ما بعد القبر وإقصاء كل ما من شأنه الفرح والحيوية. وعبر هذه المقارَنة البسيطة قد تُتاح إمكانية استشفاف عمق الثورة السورية كثورة حياة تتنصّر للإنسان العادي، وتُظهِر شقاء الإنسان الجدّي الصارِم، ووهْم الإنسان الجامد الصامد إلى الأبد.










تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow