Alef Logo
مقالات ألف
              

من يومياتي حول الثورة السورية/2

علا شيب الدين

خاص ألف

2012-04-24


بروميثيوس أودّ أن أكون، فأسرق نيران الآلهة مرتين، مرة لأضرمها في طغاة الأرض وظلّامها الظالمين، وأخرى لأهديها لمهمّشيها المظلومين المظلِمين فتنيرهم...



ثورتنا والعالم..



كان يفكّر في نبوءة آينشتاين (لا أعلم ما الذي سيحدث في الحرب العالمية الثالثة، ولكن ما أعلمه جيداً أنه في الحرب العالمية الرابعة ستتقاتل الناس بالعصي)، حين قال لي: يراودني شعور بأن الثورة السورية قد تشعل حرباً عالمية ثالثة. فقلت: ليكن، لا رجوع عن هذه الثورة، وليحترق العالم بنيرانها المبارَكة، فلنيران هذه الثورة وظيفتان: الحرق، والإنارة، وإذا كان من شأن الحرق ترميد الماضي، فالإنارة من شأنها الإشراق...
ثم تابع يقول: نعم، ليحترق العالم المتواطئ الذي لا يتوقف عن الحديث عن "طرفين" يمارسان العنف في سوريا، فهل من يقتل بسلاح فردي خفيف دفاعاً عن النفس، وعن المدنيين العزل يوازي من يهاجم، وبكل أنواع الأسلحة؟!
قلت: ليس من عنف في سوريا، فالعنف قد نصف به نظرة عدوانية مثلاً، أو صفعة على الخد، أو قتلاً برشاش خفيف أو مسدّس كأقصى حد. ولكن أن تقتحم المدن والبلدات بجيش كامل العدّة والعتاد، وأن تقصف بالدبابات، وبالمدفعية، وبراجمات الصواريخ، وأن تُقتل النساء والأطفال والشباب والشيوخ، وأن يُعتقل الآلاف ويُمارَس عليهم أشدّ أنواع التعذيب تصل أحياناً إلى درجة مفارَقة الحياة، وأن يُختطف ويُفقد الآلاف، وأن تُغتصب النساء، وأن يُذبح البشر ذبح النعاج، وأن تُقتَلَع الحناجر وتُبتَر الأعضاء التناسلية والأطراف وتُنزَع الأظافر، وأن تُحرق البيوت وتُنهب الممتلكات، وأن يُهجّر الآلاف إلى لبنان، وتركيا والأردن، عدا عن حركة النزوح الهائلة في الداخل السوري، وأن.. وأن، حينها يكون من أكبر المغالطات التاريخية، والمنطقية، والأخلاقية، والواقعية وصف ما يجري على الأرض السوريّة بـالـ "عنف"، ولا يُقال: إنها حرب.. حرب إبادة حقيقية تشنّها سلطة لا شرعية ضد شعبها.



في المتجر..



هي مصادفة ربما، أني لم ألتقِ يوماً بتاجر ورجل دين في آنٍ معاً وكان محترماً، والمصادفة عينها قادتني إلى أحد المتاجر في مدينة السويداء، متجر يمتلكه رجلان يرتديان زي طائفة الموحدين الدروز "أجاويد يعني"، ولكن بفصيح العبارة، لم يحمل أي منهما قيم الجود، والجودة، والإجادة وما شابه. وصلتُ إلى هذا الحكم بعد التجربة معهما حين طلبتُ نوعاً من الصابون كنتُ قد اشتريته من عندهما قبل مدة قصيرة بسعر معيّن، لكنهما في هذه المرة طلبا سعراً أعلى بكثير، وحين اعترضتُ على السعر الجديد مقارِنة إياه مع السعر الأول، قالا لي - وسأورد ما قالاه باللّهجة نفسها - : ( شو بدنا نعمل خربوها، وقيادتنا ما إلهاش دخل، ورح تقظي عالمخربين وترجع البلد مثل ماكانت). المضحك في الأمر، أنه لم يشكّا ولو للحظة أنني معارِضة لـ "القيادة"، وتكلّما معي بأريحية شديدة على اعتبار أني ابنة المحافظة، وأني بداهة (درزية ولازم كون موالية لأولاد العم)، غير أن المفارَقة الغريبة العجيبة بالنسبة لهما، كانت حين قلت: ( القيادة هيي إلي خربتلنا البلد، شو رأيكن نبطّل نفاق؟)، فما كان منهما إلا أن صمتا صمتاً جباناً، وتغيّرت ملامح وجهيهما، وربما دار في ذهنهما سؤال نادم حول لماذا امتدحا القيادة وخسراني كزبونة؟. المهم أني اشتريت الصابون بالسعر الجديد الغالي وخرجت، وما أن خطوت بضع خطوات حتى اجتاحني شعور بالهزيمة، والسّخط، فعدتُ أدراجي واضعة في ذهني أن أسجّل موقفاً يجعلهما يفكّرا ألف مرة قبل أن يؤيدا "قيادة" تشنّ حرباً على شعبها منذ أواسط آذار2011، فأرجعتُ الصابون، ووعدتهما بألا أشتري من عندهما ثانية. وثانية خرجتُ من المتجر الصغير، وفي رأسي يطوف السؤال الآتي: إذا كان هذا حال صغار التجار، فما هو حال كبارهم من الداعمين الشّرسين للنظام، المموِّلين لشبيحته، والدائبين على قمع الثائرين الأحرار؟!





غرام وهيام..



في الحافلة، جلسَتْ إلى جانبي امرأة مغرمة بالقائد الرّمز المفدّى، وراحتْ طوال الرحلة تحدّثني عن عشقها لأزرق العينين، وعن امتعاضها من "تخلّف الثورجيين"، تارة تصفهم بالحُثالة، وأخرى بالهمج والرّعاع، يعني تماماً كما تلقفت أذناها من سيّدها الأعظم. أما أنا، رحتُ أرقب الأوساخ تحت الأظافر التي لم يقو الطلاء الأحمر الفاقع على إخفائها، مثلما لم يستطع عطرها الواخز تورية رائحة الجسد الواخزة أيضاً. وحيث إنه لا يحقّ لي الاعتراض على نظافتها الشخصية، وربما على هيامها بقائد الوطن وكرهها للثوار، كنتُ صامتة طوال الوقت، بيد أني خرجتُ عن صمتي، ودعوتها للكفّ عن وصف ثوار الحرية والكرامة بالهمج والرّعاع والمتخلّفين حين بدأتْ برمي قشور البسكويت والمناديل الورقيّة من نافذة الحافلة.



بعد الاعتصام..



بعد أن ضُرِبتُ في الشارع، وسُحِبتُ من شَعري؛ اعتقلتُ، وداخل المعتقل التقيتُ بعنصر أمن كان أحد اللذين أوكِلتْ إليهم مهمة إهانتي، فطلب مني أولاً أن أُخرِج "الفيس بوك" فوراً ومن دون كثرة حكي ولا جدال، فقد كان يعتقد أن الفيس بوك جهاز مثل جهاز الموبايل مثلاً.
كانت هذه القصة المُضحِكة/المُبكية، واحدة مما قصّته عليّ (س.خ) وهي إحدى الناشطات اللواتي حطّمن طوطم الشارع السوري، وخرجن محتجّات.. كاسرات حاجز الخوف.. متحدِّيات رعب الأمن، ليعتصمن أمام وزراة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، ويومها ضُرِب أستاذ الفلسفة الدكتور طيب تزييني ثم اعتقِلَ أيضاً. يبدو أن ذلك الرّاغب في لمس "الفيس بوك" ما هو إلا عيّنة من عيّنات عناصر الأمن اللذين يمارسون ضد المعارِضين والمحتجّين كل ما يخطر على البال وما لا يخطر.



فرار لكنه انشقاق..!


عند حوالي الساعة الثانية صباحاً طرِقَ الباب بشدّة، فاستيقظت ابنة خالتي مذعورة، هي التي لم تعتد على طرق الباب في مثل هذا الوقت، وقبل أن تفتح، سَمِعَتْ ابنها يقول: (إمّي هذا أني افتحيلي لا تخافي). لم تكن عودة ابنها ذي العشرين عاماً من خدمته العسكرية هذه المرة كغيرها من المرات، ففي هذه المرة جاءها هارباً، فارّاً، لايريد الرجوع إلى "حمص" حيث يخدم، بعد أن رأى ما رأى من ويلات وبشاعات، وبعد أن عاش تجربة رعب ولّدت في داخله كل أسباب ترك الخدمة العسكرية، وغضّ الطرف عن كل العواقب المحتمَلة. وأمه التي ما انفكّت تسمع عن عسكريين يرجعون إلى ذويهم في الأكفان هنا وهناك في أرجاء محافظة السويداء كافة، والتي ما انفكّت تنام وتستيقظ داعية الرب أن يحمي ابنها، وجدَتْ في هربه حبل نجاة ينتشلها من قلقها الدائم، ووجعها المستمر، فقررت مساندته، وحين أتوا كي يسألوا عنه في المنزل قالت لهم: (أني بعثت ابني ليخدم بالجيش مش لينقتل، ابني مش منشق بس أني ما عاد بدي إبعثو منشان ما يرجعلي مقتول). تجدر الإشارة إلى أن ابنة خالتي معارِضة صامتة، وهي من المدرِكات جيداً لأسباب عودة ابنها إلى البيت، وقد لجأت إلى المناورة مع من سأل عنه لحماية ابنها، ولحمايته فقط، هذا ما همسته في أذني في ليلة ماطرة من ليالي شباط.




إصرار..



صديقي اليساري مصرٌّ على أن الثورة السورية ثورة فقراء ومفقَرين، وطويلاً ذكّرته بردّ الشعب الثائر على مستشارة الرئيس حين أقدمَتْ على رشوة الناس من خلال زيادة رواتب العاملين في الدولة (يا بثينة يا شعبان/الشعب السوري مو جوعان)؛ لكنه ظلّ مصرّاً على أن الثورة ثورة فقراء ومفقرين. وعندما حاولت أن أناقشه بشأن خروج آلاف مؤلفة بمشاركة الأثرياء في حي "المزة" في قلب العاصمة دمشق، تابع الإصرار على أن الثورة ثورة فقراء ومفقرين.
ينبغي العلم أني محبِّة لصديقي اليساري، وشاكرة له شغفه بالفقراء والمفقَرين، ولكن لا أعلم ما الكيفية التي تمكّنه من رؤية الحياة من منظور الحياة نفسها؟! وكيف له أن يشيح عقله قليلاً عن أيديولوجيا لا ترى في الثورة إلا أناساً فقراء ومفقرين؟! فالثورة السورية ليست إلا واحدة من ثورات "ربيع عربي" طرحَتْ فيه الشعوب الحرية كفعل، فعل يتفلّت من قبضة كل الأيديولوجيات، لا بل إن ثورة الشعب السوري هي الأهم كثورة حرية وكرامة في المقام الأول (الشعب السوري ما بينذل)، (الموت ولا المذلة). إنه الشعب الذي آثر الانعتاق، وما عاد يرضى بالعبودية والخضوع (ما رح نركع/ما رح نركع).



































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

الشر إذ يتديَّن

06-تموز-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow