Alef Logo
يوميات
              

هكذا تكلم النرد

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2012-04-13

المشهد الأول:
جناحان مضطربان لدوري صغير يخفق في صدر السماء.
في حين،
تَفتح عينيك على السواد، تفتح عينيها على السواد.
ينسل منك الزمان والمكان، ينسل من خديجة الصغيرة آخر خيوط الحياة.
لحظات كسنين الكراهية تنفذ في الفراغ الثقيل، مصلوب على سرير وثير، ومن جذور اللاوعي والإغماء الخفيف تخرج من جسدك، تدور في الأثير كراقص، وفي الأسفل تلمح خشبة متعفنة لا تلبث أن تُعيدك إلى نفسك.
في الأسفل أيضاً وتحت حطام بيت تهدم يختلج جسد خديجة، نعنعة برية سحق كل ما فيها. رغبتها الأخيرة تستجدي رائحة جدتها، ذيل فستان والدتها، شقاوة شقيقيها، ذراعي والدها، تستذكر رمل الأرض تحت قدميها، والماء المتدفق من صنبور الدار يسقي جديلتها.
من أطراف الهذيان يعود في تشكله الوعي، بصعوبة تنهض، تستحم، تأكل، تشرب، تدخن، تقرأ، تسكر، تتعطر، تنكح، تتفلسف، تشتم، تبصق ، تنتحب، تتألم، تبتسم ........ بينما يطمرون خديجة في حفرتها الجديدة.
هكذا تكلم النرد.
**********
المشهد الثاني:
يحط الدوري على حافة النافذة.
الدخان يندلق من أسفل الباب وثقبه، مصحوباً برائحة اللحم البشري المشوي.
السكين المسنن يعكس في طرفه سحنة القاتل المشوه، مصبوغاً بآبار الدماء الكامنة في جوف النساء الراحلات على بساط الضغينة.
الغريزة الحيوانية الجائعة تتخمر برائحة الأطفال، أما صرخاتهم تُوسع من ثقوب العطش لمزيد من حز الرقاب.
في الصندوق الأسود كراهية نقية وحب مشوه، يركل بخفة داخله آخر ملامح الإنسان، وتتفجر فيه فنون الحقد والطغيان.
يرتسم المشهد بانتصار بطولي في حدقات القطيع الفارغة، وتبول عليه مثانة طه المرتجفة.
**********
المشهد الثالث:
قريباً من المشهدين السابقين،
يقف الصنم على قاعدته الرخامية السوداء الباردة، في وسط الساحة القديمة.
عالياً، ممشوقاً، شامخاً، برونزياً.
كتفاه عريضان، ملامحه حادة، نظراته ثاقبة، يداه طويلتان، وخطوته واثقة، عصيٌ على مؤامرات العصر وانقلابات الطقس و تقلبات النفس.
قدميه تسحق الربيع وقبضته تعصر العناقيد.
مهيباً، عنيداً، قاسياً، أشبه بقرصان يده المعقوفة من فولاذ، على كتفه الأيمن طبع له البشر في مخيلتهم صقراً يناسب المقام، تاجاً يبقر الغمام، سوطاً تحت نيره يرزح العباد والدواب، وأحاطوه ببضع هالات.
دار حوله الدوري المنهك، حط عليه، تغوط، زقزق، وطار.
**********
المشهد الرابع:
حسناؤنا تصل إلى قلعة الغول، لا تفتنها حدائق الورود أوسكرة العطر، ولا تغريد حسون أو جناح فراشة يرقص على إيقاع الضوء، حواسها المطفئة لا تأبه باحتفاليات الحياة والوجود، وإنما عيناها الثاقبتان للجشع جالت وزاغت وشهقت، على الحرير والمخمل ارتمت، وإلى صدرها المستلب عانقت الجواهر واللآلىء والأمشاط العاجية، ارتخت شفتها السفلى لمرأى المرايا الباروكية والشمعدانات الفضية، غرقت أخيراً بين الأطقم والفساتين والأحذية الباريسية.
لم تكن المفاجأة في أن الغول لم يتحول إلى أمير، بل في تحول الحسناء إلى غولة تنتشي بالقتل والذبح ولزوجة الدم.
بغتة اصطادت عصفورنا الدوري الجميل، وعلى سفرتها احتفلت بحشرجاته الملتهبة في انطفائه الأخير.
**********
المشهد الأخير:
السماء مثقلة بالأرواح والنواح، مثقلة بإشارات التعجب والإستفهام.
السماء بعيدة وأسراب الطيور قادمة.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow