Alef Logo
دراسات
              

خالد العظم أحد ثلاثة رجال عظام صنعوا مجد سورية / ج 2

وائل السواح

خاص ألف

2012-03-11

وداعا للديموقراطية الأولى:
في نهاية 1948، واجه الرئيس شكري القوتلي أزمة حكومية حادة، أجبرته على أن يختار شخصية غير حزبية ليشكل الحكومة. كان القوتلي يعاني من عقابيل تمديد رئاسته دورة ثانية، بخلاف الدستور. ولعله، كما يرى بعض المؤرخين كان يريد تمرير اتفاق مد خطوط النفط السعودي إلى سورية، على يد شخصية مستقلة نزيهة لا يطالها الشك بإيثار مصلحة خاصة على مصلحة البلد، فاستدعى خالد العظم الذي كان هو نفسه قد أبعده إلى باريس ليكون وزيرا مفوضا هناك. وشكل العظم ثاني حكومة في حياته السياسية، بعد أن تجاوز عدة صعوبات كادت أن تدفعه للاعتذار والعودة إلى باريس وإرسال رسالة اعتذاره من هنا. ولكنه قرر المواجهة وحصل على تأييد مطلق من الرئيس، واتفق الطرفان على أن الخطر الأول الآن هو مواجهة الخطر الهاشمي الآتي من العراق ومواجهة الدولة اليهودية التي انزرعت إلى الجنوب من الحدود.
بالنسبة للعظم كانت سورية درة تاجه، وكان الدفاع عن استقلالها وتنميتها وتطويرها أبعد غاياه. وكان يرى أن بديله للحكم المطروح عادل عسيران لن يكون قادرا على مواجهة هذه التحديات السياسية والاقتصادية، فقرر الاستمرار وتشكيل الحكومة.
وكانت الأيام وااسنون قد زاددت خبرته فيمجال العمل البرلماني والحكومي. وخففت م حدته وخشونته التي كانتا تميزان حياته النيابية الأولى، عندما كان يرد بقسوة أو يغادر الجلسة كلما أحس سوء نية من أحد النواب. غير أن خبرة السنين وإقامته في باريس، حيث حضر الكثير من جلسات النقاش في البرلمان الفرنسي أكسبتاه خبرة ومرانا استفاد منهما بكثرة في حكوماته التي شكلها من 48 إلى 51، وفي مناصبه الوزارية الأخرى.
وكان أهم ما أنجزته هذه الحكومة هو إنجاز الاتفاق النقدي المعقود مع فرنسا وعرضه على محلس الشعب، ومعالجة النتائج الكارثية لخسارة فلسطين وموضوع الخبز. وكما سوف نرى، فإن كل حكومات العظم كانت تركز على الإصلاحات الاقتصادية والتنمية واستقلال سورية وتكريس مفهوم سورية بعتباره وطن السوريين، وليس جزءا من وطن آخر.
على أن العظم لم ينتبه وهو يوجه كل جهده إلى إصلاح النقد إلى الخطر القادم من خاصرته، وهو خطر الجيش. ففي صباح أحد ايام آذار 1949، قرر شكري القوتلي أن يحضر تجربة الذخائر التي اشتراها الجيش مؤخرا، في سهل المزة ، وصحبه في ذلك خالد العظم رئيس الوزراء ووزير الدفاع. واستقبلها رئيس اركان الجيش الزعيم حسني الزعيم، فقط ليفاجاالرئيسان بأن الذخائر فاسدة، وأن الطعام الذي كان يقدم للجنود كان فاسدا أيضا. وهنا ارتكب الرئيسان خطيئتين بحق العسكر: فأما القولي فقد صفع عقيدا بالجيش؛ وأما العظم فقد أحال العقيد البستاني الذي كان مسؤولا عن المشتريات في الجيش إلى المحاكمة. وكانت المحاكمة سوف تبين أن العقيد البستاني لم يكن لوحده في الصفقات الفاسدة، فتحرك الجيش بقيادة الزعيم البرازي ليستولي على الحكم ويعلن البيان رقم 1، والذي بدأ عهدا من الانقلابات العسكرية السورية التي وأدت الديموقراطية السورية في مهدها.
وفي حوالي الساعة الثانية من صبيحة يوم 30 آذار، اقتحمت ثلة من الجنود منزل خالدالعظم، واقتاداه بقوة السلاح إلى سجن المزة، حافي القدمين، حاسر الرأس، بدون نظارتيه اللتين كان لا يستطيع الرؤية بدونهما، وليس عليه سوى بيجامته التي كان ينام فيها. واقتاده العسكر إلى سجن المزة حيث وضع في زنزانة، ترابية مستطيلة، ضيقة، فيها فتحة لمرحاض تنبعث منها رائحة كريهة. وقال العظم لنفسه:" إذن هذه هي السلول." لم يكن العظم قد أمر بسجن أحد في حياته، وعندما كان بإمكانه كان أقرب إلى العفو، وكان هو الذي سوف يعفو بعد سنوات عن عدنان لأتاسي فيخفف حكم الإعدام عنه. وشعر العظم بالبرد الشديد والوحدة والخوف والعطش، وافتقد ظارته التي لا يستطيع الرؤية بدونها. ثم تذكر الحدود الجنوبية والجيش الإسرائيلي ومشروع الهدنة ومطامع الهاشميين في سورية، فوقع في بلبلة وخوف على نفسه وعلى بلده. ولم يكن العظم من النوع الذي يتمتع بقوة الاعصاب في حالات ماثلة، لذلك عندما زاره اثنان من أقربه انخرط في بكاء مرير. وفي اليوم التالي نقل العظم إلى المستشفى العسكري حيث وضع مع الرئيس في غرفة واحدة، ثم عزل عنه وغيرت نوعية الطعام المقدمة إليه ونزعت منه الكتب التي أعطيها بعد أن ردوا نظارته إليه، فأضرب عن الطعام حتى أعيدت إليه أشياؤه. وفي هذا الوقت كان القوتلي يبدي بسالة عجيبة في رفضه الاستقالة وفي كيله سيلا من الشتائم والسباب على قائد الانقلاب ومن شايعه. وفي 7 نيسان وافق على تقديم استقالته، فكتب سطرا واحدا: "أعلن استقالتي من رئاسة الحكومة السورية." وهو سوف يعيد البكاء مرة ثانية عندما سوف يتعقل مرة ثانية، بعد ثلاث عشرة سنة، إثر انقلاب 28 آذار 1962.
هل كانت الأسلحة والأغذية الفاسدة هي السبب الوحيد وراء انقلاب الزعيم؟ أم أن هنالك أسباب أخرى من ولدنة السياسيين وتراجع الأداء لوطني وهزيمة العرب في فلسطين؟ ربما كان العاملان معا. بيد أن انقلاب الزعيم سوف يئد الديموقراطية السورية الوليدة غلى الأب. وحتى عودة الديموقراطية في الخمسينات لن يكون بمثل وهج لأربعينات، بسبب تدخل العسكر المستمر في أداء السياسيين.
أطيح بالزعيم، وانتخبت جمعية تسيسية فصاغت دستور 1950، وانتخب هاشم الأتاسي رئيسا للجمهورية وأراد رجلا مستقلا قادرا على قيادة البلاد سيسا واقتصاديا لإخراجها من دور العنف والركود التي مرت به، فلم يجد خيرا من خالد العظم. وشكل العظم بين 1950 و1951 وزارتين كانتا براي الكثيرين من أهم المراحل السياسية التي عززت استقلال سورية السياسي والاقتصادي. وفيهما قام العظم باستكمال سياسة الاصلاح النقدي وفصل الجمارك السورية-اللبنانية، واغلق الحدود مع لبنان، وبدأ ببناء مرفأ اللاذقية وسكة الحديد الحجازية وغيرها من المشاريع التي أعطت سورية وججها المستقل.
في أواخر عام 1949، تسلم خالد العظم رئاسة الحكومة في الجمهورية السورية. وكانت العلاقات مع الحكومة اللبنانية بين شد وجذب منذ حصول كلا البلدين على استقلاهما قبل ست سنوات. وسبب توتر العلاقات كان شعور السوريين بالغبن من هيمنة الرأسمال اللبناني على الاقتصاد في سورية ولبنان معا. وذلك بسبب الوحدة الجمركية بين البلدين. فقد كانت الجمارك المشتركة مرؤوسة دائما من قبل مدير لبناني، وكانت الحكومة اللبنانية ترفض تداول رئاسة الهيئة بين البلدين.
وغالبا ما كان المدير اللبناني يتجاهل مصلحة السوريين في عملية الاستيراد والتصدير. ولأن المرفأ المشترك كان في بيروت، ولأن سورية لم تكن تملك مرفأ مستقلا، كان اللبنانيون أقدر على التحكم بهذه العملية، التي غالبا ما تترك أثرها على اقتصاد الدولتين معا، خصوصا إذا أضفنا ذلك أن اللبنانيين كانوا يتمتعون بميزة حصرية الوكالات الأجنبية لكل من سورية ولبنان.
وارتأى العظم أن من العدل أن يتم تعميم الخير على الشعبين السوري واللبناني، طالما أنهما يملكان إدارة جمركية موحدة، وطالما أن البرجوازية اللبنانية تلعب دورها بالأصالة عن نفسها والنيابة عن شقيقتها السورية.
ومن هنا كانت فكرة العظم قيام وحدة اقتصادية بين البلدين. ولتحقيق ذلك طلب من وزير اقتصاده معروف الدواليبي أن يجتمع مع قادة الرأي الاقتصادي في سورية لأخذ رأيهم. وبالفعل اجتمع الدواليبي مع خبراء اقتصاديين ومع ممثلي الغرف التجارية والصناعية والتجارية لمدة أيام في جامعة دمشق. ووصل الجميع إلى رأي موحد: إما وحدة اقتصادية ونقدية يخلص لها البلدان وإما انفصال عاجل يكون فيه كل من البلدين حرا في اتباع السبيل الذي يناسبه.
وقرر العظم أن يرسل إلى الحكومة اللبنانية مذكرة يعرض عليها فيها رأي حكومته في مسألة الوحدة الاقتصادية ويطلب من نظيره اللبناني، رياض الصلح، الرد في مهلة معقولة. وشرح العظم في مذكرته أن من أسباب الضعف والاضطراب اللذين منيت بهما المصالح المشتركة ارتكازها على اتفاقات مؤقتة قصيرة الأمد، محدودة النطاق وسعي الحكومتين عند أي خلاف إلى حلول مؤقتة جزئية للقضايا الأساسية والطارئة.
وجاء رد الرئيس الصلح سلبيا، ملاحظا أن حكومته لا يسعها التسليم بمحتوى المذكرة السورية التي وصفها بأنها اتخذت شكل "إنذار." وفي اليوم التالي أصدرت حكومة العظم مرسوما بفصل الجمارك السورية عن اللبنانية وتأسيس مديرية عامة للجمارك مرتبطة بوزارة المالية.
ولتعزيز الموقف السوري، قرت حكومة العظم أيضا إصلاحات نقدية جذرية، بتطبيق أنظمة القطع على العمليات التجارية بين سورية ولبنان، وعدم السماح بتدفق القطع السوري إلى لبنان لتبديله بالليرة اللبنانية لتسديد قيمة البضائع التي تشتريها سورية. وهو ما كان أدى إلى هبوط الليرة السورية وارتفاع قيمة الليرة اللبنانية.
ثم قررت الحكومة منع نقل البضائع من لبنان إلى سورية باستثناء البضائع العابرة (الترانزيت) والبضائع المعفاة من الجمارك والمحروقات. وصدر ذلك بالمرسوم التشريعي رقم 71 لعام 1950.
وكانت أول خطوة قام بها الرئيس العظم بعد توقيع الرئيس هاشم الأتاسي على المرسوم هو لقاء السيد رشدي الكيخيا، رئيس مجلس النواب لإطلاعه على المرسوم، ومن ثم لقاء الصحافيين وإبلاغهم نص القرار ومضمونه وإجراؤه حوارا مطولا معهم حول ذلك، فلقي منهم دعما غير مسبوق.
يقول العظم في مذكراته إن تأييد هذا القرار "كان شاملا جميع أنحاء البلاد وجميع عناصرها." وهو يعزو سبب الارتياح إلى أن الشراكة الجمركية كانت قد "عادت بالخسارة على البلاد،" واستبشر السوريون بإلغاء الوساطة التجارية اللبنانية في جميع المستوردات السورية من الخارج. وتحمس الصناعيون لمنع مزاحمة الصناعة اللبنانية لمنتجاتهم، وهي مزاحمة كادت تؤدي إلى إفلاس بعضهم.

كان قرار العظم ضربة كبيرة للاقتصاد اللبناني ولمكانة الرئيس الصلح السياسية. غير أن العظم لم يكن يريد ذلك، خاصة وأنه كان دائما معجبا بتوجه الصلح القومي. لذلك حين أرسل الأخير وسيطا يطلب من خلاله أن يقوم العظم بزيارته في بيروت، سارع المنتصر السوري إلى تلبية الطلب وزار بيروت وتحدث مع الرئيسين الخوري والصلح، وأكد لهما أنه قدم إلى بيروت "لكي يعلم الرأي العام السوري واللبناني والعربي أننا وإن اختلفنا في الشؤون الاقتصادية فإن اتحادنا في الشؤون السياسية العربية وطيد لا تزعزع."
ويبدو الآن أن قرار العظم حقق منافع لا تحصى للسورين عموما، فبدأ السوريون، حتى اللذين لم يتعاطوا التجارة في سابق حياتهم، يبذلون جهدا واسعا في التجارة الدولية، وراحوا، وفقا لسجلات غرف التجارة السورية، يستحصلون على وكالات الشركات الأجنبية في سورية، ويستجلبون البضائع الأجنبية إلى سورية مباشرة بعد أن كانت تأتي عن طريق التاجر اللبناني حصرا.
يقول العظم في مذكراته إن أهل دمشق حفظوا له "في قلوبهم منة لتحقيقي ما عاد عليهم جميعا بالوفر والربح والعمل." ويبد أن الدمشقيين أظهروا له هذه المنة في الانتخابين التشريعيين في 1954 و1961، حين فاز العظم بأعلى نسبة من الأصوات، وتفوق على مرشحي الحزبين الكبيرين آنذاك: الشعب والوطني، وجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب التقدمية كحزب البعث والشيوعي.
يمكننا هنا أن نميز دور رجل الدولة الليبرالي القوي بسلسلة من السمات. أولا: كان من المؤكد أن قرار الرئيس العظم يومذاك قرارا اقتصاديا محضا، وليس ردة فعل سياسية على موقف سياسي قامت به الحكومة اللبنانية أو الشعب اللبناني.
ثانيا: حين دار بخلد الرئيس العظم فكرة إنهاء الوحدة الجمركية، كان أول شيء فعله أن استدعى عددا كبيرا من قادة الرأي الاقتصادي ليشاورهم في الأمر، ويرى إلى حسنات مثل هذا القرار وسلبياته على سورية والسوريين عموما.
ثالثا: تم دراسة القرار في مجلس الوزراء، ثم صادق عليه رئيس الدولة، وتم إطلاع رئيس البرلمان عليه.
رابعا: سارع رئيس الحكومة إلى الاتصال بالصحفيين لإبلاغهم بالقرار وشرح أبعاده لهم، ولم يتركهم يتحزرون فيما إذا كان هنالك قرار سياسي بهذا الخصوص أم أن الأمور خطوة مزاجية اتخذتها جهة ما.
خامسا: سارع العظم إلى زيارة بيروت واللقاء مع الرئيسين الخوري والصلح لإيضاح الأمر ولإفهام الرأي العام في سورية ولبنان أن الموضوع اقتصادي بحت وليس له أي بعد سياسي. وكرر الشيئ نفسه في اجتماع الجامعة العربية في القاهرة.

سادسا: أغلقت الحدود في وجه الشاحنات اللبنانية التي كانت متجهة للتفريغ في سورية فقط ولم تمنع الشاحنات العابرة (الترانزيت.)

وأهم من كل ذلك، فقد كانت خطة العظم خطة اقتصادية متشابكة ومتكاملة. ولقد ارتبطت قضية الفضل الجمركي مع ثورتين حقيقيتين قام بهما رئيس الحكومة، هما: إصلاح النقد وإنشاء مرفأ اللاذقية.
على صعيد إصلاح النقد،أصدرت حكومة خالد العظم سلسلة من القرارات والتشريعات كانت في جملتها تهدف إلى إلغاء حق المصرف السوري في إصدار النقد وحصر هذا الحق ملكا للدولة السورية وحدها، عبر مؤسسة سورية مائة بالمائة أطلق عليها اسم "مؤسسة إصدار النقد السوري." وأدت ثورة العظم النقدية إلى رفع قيمة الليرة السورية فصارت تساوي أكثر قليلا من 405 ميلليغراما من الذهب.
وأما إنشاء المرفأ فكان واحدا من أهم المشاريع الاقتصادية والعمرانية التي ينبغي أن ترتبط باسم هذا الرجل المتفرد. لقد رأى العظم أن الفائض الممكن تصديره من الناتج الزراعي والصناعي السوري متمركز في شمال وشرق البلد أكثر من جنوبه وغربه. فإذا افترضنا أن حلب هي مركز تخزين للمواد المراد تصديرها، فإن حسبة صغيرة تخبرنا أن مرفأ في اللاذقية سوف يختصر أكثر من نصف المسافة إلى بيروت. فإذا أضيف ذلك إلى ضرورة أن يكون لسورية مرفأ تسيطر به على سياسة التصدير والاستيراد من أجل استقلال اقتصادي حيقي، علمنا كيف كان العظم يربط بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، في نسيج فريد في تاريخ سورية.
خسارة سورية:
هل قامت الوحدة بين سورية ومصر بسبب خالد العظم؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى ساذجا. فالقوميون يرون أن الوحدة تحققت لأنها مطلب جماهيري للشعبين العربيين في البلدين. أما الماركسيون فقد طوروا نظرية مفادها أن البورجوازيةالسورية سارعت برمي نفسها في أحضان الرئيس المصري جمال عبد الناصر خوفا من تزايد خطر الشيوعية في سورية. على لأن ثمة من يرى أن سبب الوحدة كان خالد العظم، وبتحديد أكثر كان مفهوم سورية الذي رفعه العظم وناضل من جله، وكان من الممكن أن يحققه لو أتيح له مزيد من الوقت.
في الوقت الذي كانت القوى الإقليمية والدولية تتصارع على جذب سورية كل إلى طرفه. وفي الوقت الذي كان حزب الشعب والرأسمالية الحلبية والهاشميون يحاولون تحقيق وحدة سورية مع العراق المدعوم بريطانيا، وكان الحزب الوطني والرأسمالية الدمشقية تقف في وجه ذلك التيار وتشد سورية أكثر باتجاه الحلف المصري-السعودي، المدعوم أمريكيا، ظهر خالد العظم بمفهوم سورية، باعتبارها وطنا للسوريين وباعتبارها بلدا مستقلا كامل السيادة. ومن أجل ذلك كان هم العظم هو تحقيق الاستقلال الاقتصادي للبلد بعد الاستقلال السياسي. من هنا نفهم استراتيجية العظم في العلاقات مع لبنان والسعودية وفرنسا، وأهم من كل ذلم الاتحاد السوفياتي، الذي رأى فيه إمكاني لتنمية اقتصادية حقيقية، تؤدي غلىزيادة الدخل القومي زيادة تجعله قادرا على مواجهة النفقات وإيجاد موارد جديدة للدولة. ومن هنا نفهم حرصه على بناء مرفأ اللاذقية والسكة الحديدية والإصلاح النقدي.
هذه الرؤية كانت خطرا على جميع اللاعبين الأساسيين في الداخل والخارج. فالقوميون والبعثيون والاشتراكيون العرب كان هاجسهم تحقيق الوحدة العربية الكبرى؛ والهاشميون كان يريدون وحدة مع العراق والأردن؛ والقوميون السوريون كان طموحهم وحدة الأمة السورية في سورية الكبرى؛ أما العسكر والمرتزقة من السياسيين وقادة الانقلابات فكانوا يميلون مع التيار ومع مصالحهم الخاصة حيثما مال. على أن العظم لم يكن ليشكل خطرا جديا كبيرا، رغم الشعبية التي يتماع بها في دمشق، لأنه كان دائما لاعبا فردا. الخطر جاء عندما قرر خالد العظم تشكيل حزب سياسي يضم فئات واسعة من البورجوازية المدينية الإسلامية-المسيحية على امتداد سورية. وكانت المبادئ العمة للحزب تقوم على "التقدمية المتئدة والتطور الاجتماعي، الذي يضمن رخاء الطبقات (...) عن طريق وضع مشاريع زراعية وصناعية وعمرانية ضخمة تزيد في الانتاج القومي." أما الأشخاص الذين كانوا سوف يؤسسون نواة هذا الحزب فهم رجال لا يرقى إليهم الشك من نحية كفاءتهم ونزاهتهم وحسهم الوطني، من مثل هاني السباعي وجورج شلهوب ورئيف ملقي وأسعد المحاسني وهاني الريس.
هنا تحول الخطر الفردي ليغدو خطرا جماعيا قادما من حزب سياسي منظم قائم على مبادئ وقواعد وبرامج محددة ويقوده إضافة إلى العظم حفنة من أهم رجالات سورية في ذلك الوقت. وهذا هو الخطر الذي دفع برجل كشكري القوتلي ومن يمثلهم من فئات اجتماعية واسعة يقبلون بوحدة مستعجلة مع مصر. وهكذا، وبدون أن يقصد، دفع خالد العظم الذي كان يعمل من أجل مفهوم سورية كوطن للسوريين إلى، إلى خسارة سورية كوطن.
ولم يأل العظم جهدا في بذل كل ممكن للحفاظ على كيان سورية في إطار اتحاد فدرالي، وطالب ببقاء الأحزاب وبقاء دولة الوحدة دولة برلمانية تحد من صلاحيات الرئيس، على الطريقة السورية، لكنه جهوده العقلانية ذهبت سدى تحت أقدام البعثيين والشعبيين والعسكرالذين طغت عواطفهم على عقلهم فارتموا في أحضان الرئيس الأسمر الشاب، فقط ليتنفضوا هم أنفسهم على نظام الوحدة، بعد 38 شهرا، أمضاها العظم في بيته، منكفئا ومكتئبا وشبه سجين، حيث لم يسمح له بمغادرة سورية حتى يوم 27 أيلول، 1961. ويصف العظم السنة الأخيرة من عهد الوحدة بشكل خاص بأنه كان "كابوسا ثقيلا." ويضيف أن موظفي المخابرات كانوا "يختلقون وسائل الضغط المعنوي علي. فتارة يحولون دون دخول أصدقائي إلى داري، أو يرسلون من يهددهم ويخيفهم من الاستمرار على ذلك. وتارة كانوا يبعثون بدراجة نارية يركبها إثنان من عملائهم، أو بسيارة محشوة برجالهم، لتلاحق سيارتي وتلامسها، حتى تكاد السيارتان تتصادمان." بيد أن أسوأ ما تعرضله خالد العظم عندما حجزت السلطات على منزله وأثاث بيته، فاشتد الخناق عليه، لدرجة أنه عندما سمح له أخيرا بالذهاب إلى لبنان، شعر كأنه خلق من جديد، وفق تعبيره.وقال لنفسه:" لا شيئ أعز من الحرية. ولو كان المرأ فقيرا معدما، (فإنه) يكفيه غنى أن يكون حرا."
ونام تلك الليلة نوما هادئا ومديدا، ليصحو في اليوم التالي على خبر فصل الوحدة بين سورية ومصر. انهمرت الدموع من عينيه، كما يقول عند سماعه النشيد السوري الذي "حرمنا من سماعه ثلاث سنوات." وحزم حقائبه ليعود إلى بلده، ولكن ذلك ان بالأمر اليسير. فلسبب ما ارتأى سادة دمشق الجدد وحكومة السيد مأمون الكزبري أن عودته ليست ملائمة. وكان ذلك أمرا عجبا، فالعظم كان الوحيد الذي تحفظ على الوحدة وانتقدها ولم يستلم ي منصب سياسي طوال عهدها. على أن المنع لم يطل أكثر من يام، سمح له بعدها بالعودة في الوقتالمناسب ليشارك في الاجتماع الشهير لذي عقده السياسيون في منزل أحمد الشرباتي. كان هذا الاجتماع التوتر هوالذي حسم أمر العهد الجديد. ولقد حضره أهم السياسيين عصرذاك، من أقصى اليمين غلى أقصى اليسار. ولعب العظم دورا مهما في الحصول على الإجماع المطلوب لتأييد استقلال سورية وإعادة الحكم إلى المدنيين.
بيدأن العسكريين الذين هيمنوا على الوضع بعد الانفصال لم يكونوا فعلا يرغبون بالعودة غلى ثكناتهم والإفساح فيالمجال أمام السياسيين ليحكموا البلد. ولذلك كان أهم أعداؤه هو الرجل الذي كان يمثل أهم مدني قادر على حكم سورية في ذلك الوقت. والحق أن علاقة العظم والجيش كانت دائما متوترة، فلا هو أحب العسكر ولا هم أحبوه. ومنذ أول صدام له عندما كان وزيرا للدفاع مع حسني الزعيم، لم يعرف يوما لم ينغص العسكريون فيه حياته.
ولكن حتى العسكر لم يستطيعوا هزيمته في اللعبة الديموقراطية رغم التدخلات الكبيرة التي قام بها الجيش في انتخابات 1962. وحصل العظم مجددا على أعلى نسبة من أصوات الدمشقيين (قرابة الخمسة وثلاثين ألف صوتا.) وبذلك كان محتما تكليفه بتشكيل حكومته الخامسة التي انتهت كما انتهت سابقاتها بحدث كبير هو انقلاب 8 آذار، 1963. وكانت خطته الأساس في حكومته تلك "أن تترافق الديموقراطية السياسية بالديموقراطية الاجتماعية." وبالفعل، عملت حكومة العظم على البدء بإرساء الجناحين التي لا يمكن للديموقراطية أن طير إلا بهما. وألغى العظم الأحكام العرفية التي كان الجيش والرئيس ناظم القدسي قد أعلناها في آذار 1962، الأمر الذي لم يرق للرئيس. وبعد انقلاب 1963، لامه البعض أن إلغءه قانون الطوارئ هو الذي سهل للناصريين والبعثيين القيام بالانقلاب. غير أن العظم ظل حتى النفس الأخير مؤمنا بالديموقراطية، ويتهم الجيش والرجعية لسياسية والولايات المتحدة بأن احدا منهم لا يحبذ نظاما ديموقراطيا برلمانيا في سورية. وهو يقول إنأمريكا "تستقبل بترحاب مخجل كل دكتاتور يقلب النظام البرلماني ويقيم محله نظاما فرديا تتعايش معه أمريكا وتضمن مصالحها بواسطته."
على أن الخير لا ينتصر دائما. ففي صباح يوم ربيعي جميل، كان عليه أن يغادر بلده مرة أخرى، ولكن هذه المرة إلى الأبد. وهو أبد لن يطول، إذ لم يمر عليه عامان في المنفى حتى فارق الروح وعومفلس، تاركا زوجته تعيش على إحسان أصدقائه القدامى حتى وفاتها.
الإنسان (خاتمة):

كان خالد العظم ليبراليا في السياسة والاقتصاد محافظا في الفن وبعض الجوانب الأخرى. فهو في الموسيقى متحمس لغناء سلامة حجازي الذي يتذكره منذ أيام طفولته، ويرى أن سيد درويش الذي يفخر المصريون به قد شوه الموسيقى العربية الراقية. ولكنه يشكر للسنباطي وعبد الوهاب وأم كلثوم وأحمد رامي أنهم أعادوا للأغنية العربية مجدها إلى أن جاء من يسميهم "المغنين الجدد الذين اكتسبوا شهرة لا يستحقونها من أمثال فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحرم فؤاد." ويرى العظم أن العامة قد تعلقت بهذه الأغاني الجديدة، لا لأنها تعبر عن روح موسيقية رفيعة، بل "لأن في مقدور اي من الناس أن يفتح فمه ويتلفظ كلمات أغاني عبد الحليم حافظ مثلا، مع شيئ بسيط من النغم ليشبه إليه أنه من عبقريته، ناهيك بالدعاية الواسعة التي ترافق مطربينا الجدد في الصحف والإذاعة والتلفزيون، والوله والإعجاب حتى العبادة، تظهرها فتياتنا الكواعب نحو المغني الشاب أو يظهرها شبابنا الصاعد نحو المغنية الفتية."
ورأي العظم في الأغنية العربية الكلاسيكية يماثل رأيه في الموسيقى الكلاسيكية العالمية التي يرى أنها تتراجع بقوة لصالح موسيقى البوب الصاخبة السريعة.وهو يربط ذلك بالسرعة التي صارت سمة العصر.
وكان العظم، رغم ليبراليته السياسية والاقتصادية متدينا في أعماقه، وإن كان تدينه هو ذلك النوع من التدين الذي عرفت به سورية على مر العصور. التدين العميق،الهادئ، المقرون بالسكينة والهدوء والذي لا ينكر على الآخرين دياناتهم، ولا يدفع أتباعه للتبشير والتكفير،وإنما يدفعهم لخوض علاقة حميمة خاصة مع خالقهم. على أن العظم لم يكن يحمل من الإجلال لرجال الدين مقدار ما كان يحمل للدين نفسه، ولطالما ضحك من نهمهم وحبهم للطعام ما ونوعا. وأهم من ذلك أنه لم يلجأ مرة للدين يستخدمه أداة في تحقيق غاياته السياسية.
وكان له رأي متقدم بالمرأة، رغم تجربته الخاصة مع زوجته الثانية. وهو يشيد بالمكانة التي وصلت إليها و "اشتراكها مع الرجل في محيطه وعمله ومورد رزقه، وتوليها أمر جمعيات خيرية مختلفة الأهداف، وانتسابها إلى الجامعة بمختلف كلياتها، وممارستها المحاماة والطب والتجارة والموارد العامة، وغير ذلك من مظاهر التطور الذي كاد ويصل السيدة العربية إلى سوية السيدة الأوروبية أو الأمريكية." بيد أنه يأسف لأن هذه المظاهر محصورة في بعض الأحياءالراقيةمن المدن الكبرى ويعبر عن أمله بأن يشمل هذا التقدم النسوة في المناطق الأخرى.
ولسووء الحظ، لم يكن العظم سعيدا في حياته العائلية. وقصته مع زوجته الثانية، فلها في حياته وقع مر وغصة دائمة. فبعد زواج هانئ، لكن قصير، مع زوجته الأولى السيدة سنية مردم بك، والذي لم يكمل العام، عاش العظم فترة طويلة عازبا عن الزواج، حتى وقع على ما يبدو بغرام سيدة جميلة هي السيدة ليلى الرفاعي، التي لا يأتي العظم على ذكرها مطلقا، على عكس ذكره زواجه الأول بالتفصيل. ولكن إذا صدقنا السيد أكرم حسن العلبي في كتابه "خالد العظم آخر حكام دمشق من آل العظم،" فإن السيدة ليلى "لم تجد عند خالدالعظم ما كانت تريده، فعكفت على الشراب والقمار في دارها في أبي رمامنة التي وهبها لها الزوج الولهان، ثم باعتها بعد وفاته وصرفت ثمنا على موائد القمار. وكانت في ذلك صويحباتها في مصر: الملكة نازلي والسيدة حرم النحاس باشا."
وبغض النظر عن رواية السيد العلبي فإن إغفال العظم الكامل لزوجه الثانية دليل على أنه لم يكن سعيدا جدا بزواجه منها. ويبدو مؤكدا أن الزوجين عاشا فترة طويلة بشكل منفصل، حيث كان العظم يسكن معظم وقته في دارته في دمر. وفي رواية للعميد مطيع السمان الذي كام يرئس حرس رئاسةالوزراء في ذلك الوقت، إن صديق العم السيد فؤاد محاسن جاء العظم في سنة 1955، إبان المعركة الانتخابية الكبرى بينه وبين شكري القوتلي، وأخبره أن السوريين لايقبلون أن تكون السيدة السورية الأولى سيدة كالسيد ليلى، وافق الجميع على ضرورة الطلاق. ويروي السمان أن القاضي جاء بالفعل ولكن العظم، بما يحمله من نبل وسعة أخلاق، لم يقدم على أبغض الحلال.
كان ذلك هو خالد العظم، وتلك أخلاقه. ما كان قادرا على أن يظلم أحدا، وما كان يكره شيئا كرهه الظلم، والمحاباة والتملق. كان شديد الاستقامة إلى حد الضجر، ولم يعرف عنه أنه استفاد يوما من منصب تبوأ. بل إن أهله وأصحابه كانوا يعرفون إنه لن يقدم لهم أي خدمة، خاصة. وعندما كان وزيرا للعدل في حكومة نصوح البخاري رفض أن يصدر عفواعن ابن عم له. ومشكلته الكبيرة مع زوجته الثانية أنه كان يرفض وساطتها لتعيين أقاربها في ووظائف عامة. وكان يكره الظهور أمام الناس في المقام الأول، ويفضل ألا يكون محط الأنظار. وحتى في حملاته الانتخابية، لم تسمح له ثقافته وأخلاقه أن يريق ماء وجهه للناخبين ويغدق لهم الوعود فقط لينسى كل ذلك بعد أن يفوز بالنيابة. ومع ذلك فقد كان يفوز [أعلى نسبة من أصوات الدمشقيين، دون أن يكون له حزب يدعمه. وقد يظن الذي لا يعرفه أن في سلوكه ترفعا وتعاليا، دون أن يدرك أن ذلك خجل أكثر منه كبرياء.
هذه الشخصية الرفيعة جعلت من العظم رجلا ديموقراطيا بامتياز كما جعلت منه رجل دولة بامتياز. كان يؤمن بالتطور التدريجي أكثر من إيمانه بالثورة، ويربط الديموقراطية السياسية بالديموقراطية الاجتماعية، ويكره تدخل الجيش بالسياسة. وكان رجلا وسطا، يرى أنه ليس هناك "نظام هو المثل الأعلى، وليس هنالك نظام سيء من جميع الوجوه. فمن يندد بالشيوعية ويقذفها بأتعس الوصمات هو جائر، ومن يتهم الراسمالية بأنها سبب تعاسة البشر مبالغ. فالحقيقة هي بين اليمين واليسار، في نقطة وسط تقرب من هذا المحور أو ذاك بنسبة ما يحتويه كيان الأمة من عوامل" مختلفة ومتنوعة. وببهذه الآراء العميقة والموضوعية، يرسم خالد العظم سمات لشخصية سياسية لم يجد الزمان كثيرا بمثلها على سورية الجميلة.
*******************************

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

تعويذة عشق

18-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow