Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الحرب على الإرهاب: 2

صالح الرزوق

خاص ألف

2012-02-28

الحرب على الإرهاب: 2 - العرق و البيو سياسة بقلم: فلاغوني أ. شيث
تتشكل عنصرية الدولة في قدرتها على إنتاج أعراق للتعبير عن شكل الذات وذلك بتقسيم المتصلة، وباستخدام مختلف النوعيات من المواصفات الشخصية، والغاية خلق انقسامات بين من هو على قيد الحياة ومن يحتضر. ويضع فوكو هذه العنصرية في أطر قوامها ماكينة عمل البيو بوليتيكا، وهي تتكون من أساليب لإدارة الإنسان بصفة أنه نوع بشري، وذلك يتحقق بالتحكم وبتنظيم صحة ونشاط التجمعات السكانية. على أية حال، يصر فوكو على أن العنصرية لا تنشط ضمن علاقات مواجهة عسكرية أو شبه حربية، ولكن تنشط ضمن علاقات متبادلة لها طابع بيولوجي( 20 ) وهذا لإنتاج أنواع أنقى. وعليه إذا، إن المعيار الذي تعمل باتجاهه السلوكات العنصرية قد يتضمن الموضوعات الجنسانية والصحية والطبية ، كما رأينا في تحليله للجنون والانحرافات والطاقة النفسية. ويقدم لنا فوكو أمثلة من الجنسانية باعتبار أنها الموضع الذي يلتقي فيه الجسم مع المجتمع، وهناك أمثلة إضافية من الطب باعتبار أنه تقنية تؤسس لرابطة بين نوعي المعرفة العلمية التي تنشط على مستوى عمل الأعضاء والبيولوجيا. ومنه يمكن للطب أن يكون " تقنية ذات مفعول سياسي" مؤكد ولا مندوحة عنه، وهذا يقود إلى آثار لها معنى " الرقابة و السيطرة "( 21) . ولكن العرق بحد ذاته في قراءة فوكو ليس بطبعه بيولوجيا ولا ظاهراتيا، ومع ذلك يمكن كتابته بواسطة ناقل أو معايير بيولوجية، كما نلاحظ ذلك من خلال خطاب سياسات الضمان الصحي وخطط الإحالة على التقاعد، إلخ. مثل هذه التطبيقات تعمل على مستوى الحياة ، ومع ذلك يمكن لها أن تؤدي إلى انتاج " أعراق جيدة وأخرى شريرة" (22).
وهكذا من الممكن أن تلاحظ كيف يمكن للمسلمين في خاتمة المطاف أن يأخذوا بنيويا صورة خطر يهدد المجتمع بشكل عام على مستواه البيو سياسي، وبالأخص كما فعلت سياسات مختلفة تبنتها مراكز الاعتقال والتوقيف و الهجرة، وطرائق توفير المدارس المجانية والرعاية الصحية المجانية. هذه كلها تعكس برود وحيرة الغرب تجاه مجتمعاته. وأضف لذلك، إن البيو سياسة تفشل في استيعاب كل مدخل وطريق يقود العنصرية إلى الصعود للسطح لتكون واضحة للعيان وذلك طوال عقود منذ أحداث 11 أيلول 2001.
إن الحضور القوي ( أو انبعاث) السلطات السيادية في الولايات المتحدة ( ولا سيما بعد 9- 11-2001) على ساحات السياسة العالمية، على ما يبدو بدأت تضع الأساس لانقسامات عرقية متعددة ، وهذا بحجة " الحرب على الإرهاب"، بالإضافة لمبررات أخرى.
لقد تم تركيب صورة " المسلمين" و" العرب " كأنهم عرق" شرير". وتذهب المعايير التي خضعوا بواسطتها للتقييم لما وراء حدود معيار البيو سياسي. فهي مدعومة بإيديولوجيا دينية ( إرهابية) ، وبارتباطات مع عالم السياسة والثقافة، وهي، بتعبير فوكو السابق، لا تزال تبدو مختلفة ومتمايزة عن البيو بوليتيكا. فالمسلمون الذكور يصورون بشكل إرهابيين مشتبه بهم ومن أتباع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأنور العولقي وخالد الشيخ محمد، مع نية مبيتة بالتطرف وارتكاب العنف. وقد عقدوا العزم على الإبادة الجماعية للآخر بمعنى أنه لهم ميول عرقية إجرامية تصل لحد الإبادة . وللمسلمات النساء نفس الصورة العامة، ترافقها سمات مختلفة قليلا بتفصيلاتها. ويمكن ملاحظة تهديدهم للولايات المتحدة وسواها في العالم غير الإسلامي من خلال ارتداء الحجاب، وفي نفس الوقت يمكن النظر إليهم كشاطئ ترسو عليه مشاعر البغض الجنسانية ومعاداة تحرير المرأة. إن الرجل والمرأة المسلمين هما مصاص دماء سياسي يعادي العلمانية والديمقراطية وحرية الجماعات الدينية الأخرى وتنطوي رغبتهما في الأعماق على أعمال التخريب والانتحار والهجوم بالمفرقعات.
لقد أدت أحداث 9-11-2001 والتطورات التالية لولادة قطاعات عنصرية محددة مثل المهاجر " الإرهابي" أو " غير الشرعي"، أو " العدو الفدائي"، وهي مجالات انتشرت على طرفي الخط الفاصل بشكل قطاعات بيو سياسية، ولكنها لا تعمل على عدة مستويات وفق شكل هذه القطاعات البيو سياسة . من المؤكد إن الجماعات المحلية، والمؤسسات الدينية ومختلف أنواع وسائط الإعلام، والمنظمات السياسية قد ساهمت بإقامة هذه المجالات وبصورة ردة فعل. وفوق ذلك، على مستوى أساسي، هناك أيضاً " الحرب ضد الإرهاب" التي تقودها الدولة، ولو أنه تجاهلتها عدسات البيو بوليتيكا، فهي لا تساعد على تعزيز قدراتنا لفهم المختلفات والمتنوعات العنصرية التي استجدت وظهرت للعيان.
إن عودة صعود السلطات السيادية بشكل مقنّع وباسم الحرب على الإرهاب وبروز قطاعات جديدة يجد لنفسه مبررات عنصرية تضع أمامنا السؤال التالي: كيف يتمفصل تحليل فوكو الذي ينير لنا به السلطة والعنصرية مع الأخذ بعين الاعتبار تلك الخلفيات. وهل يمكن لاهتمامات فوكو في أواخر القرن العشرين، التي تنصب على إزاحة التأكيد من ضرورات السلطة السيادية إلى تحليل السلطة بشكل يشبه طريقة عمل الأواني المستطرقة - لا سيما بالعلاقة مع الانشطارات العرقية وسياسات إدارة العلاقة بين الذات والمجتمع - أن تقلل من الدور القوي الذي تقوم به روح السيادة في التحليل الحديث للسلطة؟.
وبضوء الأشكال الجديدة للعنصرية، التي كانت واضحة خلال العقد الماضي، أقترح إنه علينا أن ندقق في ادعاءات فوكو فيما يتعلق بالسيادة التي ترتبط بالصور المتعددة التي رسمتها للسلطة.
وهكذا يتوجب علينا أن نعاود التركيز على توسيع اهتمامنا ليتضمن الإجابة على ما يلي: كيف يمكن للسلطة السيادية أن تتعاون مع السلطة المنظمة لإنتاج انشطارات أنطولوجية، وكيف يمكن أن تعول على المستوى الأخلاقي ( 23 )، من أجل إضفاء الشرعية على نواتج الانقسامات. وهذا تقنين كتابي آخر للعرق وللعنصرية، وهو ما سوف أطلق عليه اسم السلطة الوجودية ( الأنطوقية). ولكن سأسمي إطار العمل الذي يحتويها السياسة الوجودية ( الأنطوقية). ويمكن للسياسة الأنطوقية أن تعمل بشكل دائم على طول محور البيو سياسة. على أية حال، إن مجالها في مضمار الإدارة ( السياسية) يشير إلى القطاعات غير البيولوجية وفي الواقع إلى القطاعات الأخلاقية والاجتماعية والأنطولوجية التي يذكرها فوكو في بحث عنوانه ( غير الطبيعي) وفي كتابات أخرى أيضاً. وفوق ذلك، إن السلطة الأنطوقية - تعتبر طريقة لكتابة خطاب عنصري بالتوازي مع ديالكتيك فوكو بين مفهوم سلطة السيادة ( الرقابي/ التنظيمي) والمجتمع. إن نظام عمل السياسة الأنطوقية - مثل السياسة البيولوجية يتطلب تحليلا متزامنا للخطاب والسلطة، وفي نفس الوقت لسيادة القانون ( وذلك عبر صيغ جنائية أخرى خاصة بالهجرة وقوانين مكافحة الإرهاب)، بالإضافة إلى الإقصاء.
هوامش:
20 - مصدر سابق ، ص 255
21 - مصدر سابق، 252.
22 - مصدر سابق، 255.
23- مصدر سابق، 255.
24- عوضا عن التطبيقات الطبية/ العلمية/ والبيولوجية مثل مراكز الحجز وندوات السلامة العامة وقوانين مكافحة أو التضييق على الإسلام والمساجد، وذلك لتتبع أثر العنصرية في مجال سياسة الحياة والوجود.
هامش من المترجم:
* لا بد من التمييز حين قراءة فوكو بين محاور مفهوم القوة لديه: فهي ليست كما يستعملها جاكوبسون أو سوسير بمعنى أنها إمكانية يمكن تطبيقها، ولكن تنقسم لعدة مفهومات: القوة بمعنى ضغط وإجبار. والقوة بمعنى سلطة. وبالتالي يمكن لنفس المفردة أن تعكس اتجاهين لهما مفعول واحد وهو الإخضاع.
و كذلك لا بد من التفكير قليلا بمعنى الرقابة. فهي تتضمن معنى العقاب أيضا لأن السجون مكان الغاية منه الرقابة لمدة محدودة بغاية التقويم و التربية و تشكيل الرادع، و ليس مجرد تنفيذ العقوبة.

المصدر: مجلة دراسات حول فوكو. عدد 12 - تشرين الأول - 2011.
فلاغوني شيث: أستاذ مساعد باختصاص العلوم السياسية و الفلسفة في جامعة هامبشير. الولايات المتحدة.
الترجمة : صالح الرزوق - جامعة حلب 2012.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

منتخبات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 2 / ترجمة

09-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow