Alef Logo
الآن هنا
              

الثورة السورية وأزمة العالم الأخلاقية

علا شيب الدين

خاص ألف

2012-02-11

لأن الحدث السوري اندلع في أواسط الشهر الثالث2011م ليتسع تدريجياً فيستحيل ثورة شعبية عارمة وجارفة تمثل تطوراً طبيعياً، وتاريخياً يُفضي إلى صهر (طبائع الأشياء)، بمعنى إحالة المجتمع من طبيعة إلى طبيعة أخرى مغايرة كما يحدث كيميائياً بحيث يمكن الحديث هنا عن (كيمياء اجتماعية)؛ ولأن الاستبداد ما عاد يليق بشعب ولج التاريخ والزمن منذ لحظة اشتعال احتجاجه السلمي وإعلانه رفض واقع اللادولة القائم منذ عقود؛ ولأن "الإصلاح" ضمن اللادولة ما عاد كذلك الأمر يليق بشعب يريد إسقاط ما سُميّ "النظام" مجازاً؛ ولأن الإسقاط هنا هدم، والهدم أحد أهم فضائل الثورة من حيث كونه أسّاً لبناء، أعني بناء دولة وطنية حديثة، هي دولة حق وقانون، دولة مواطنة وحقوق إنسان.وتلكم غاية الثورة السورية ومعناها الحقيقي. لأجل كل ما سبق فإن المفارَقة المثيرة للعجب أن يتم تبسيط الثورة لتمسي "أزمة" تتطلب "حلاً"، ولعل هذه الأزمة كتبسيط مفرط وباطل نبعت ليس من مضي النظام السوري في خياره الأمني/العسكري في التعاطي مع الشعب الثائر بوساطة الجيش النظامي، والأجهزة الأمنية، وميليشيات حكومية (شبيحة) فحسب، بل من انقسامات الآراء والمواقف وتضارب المصالح تجاه ما يجري على الأرض السورية أيضاً، انقسامات إقليمية وعربية ودولية. وأخطر ما في تلك الانقسامات هو اللعب على مسألة "طرفين" يمارسان العنف في سوريا، وهو خطاب يدخل في إطار التواطؤ مع رواية النظام السوري الذي ما انفك منذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات السلمية ضده يتحدث عن محاربته لـ"عصابات مسلحة" مخوِّناً ومشوِّهاً للثورة الشعبية ذات المطالب المحقّة والمشروعة والعادلة. وقد بدا هذا التواطؤ الذي يقدّم الثورة في سوريا على أنها مجرد عنف من "طرفين" مساوياً بذلك بين الضحية والجلاد، وبين الظالم والمظلوم، لا بل يساند النظام عبر الوسائل المتعددة ليس أولها ولا آخرها إعطائه المهل والمزيد من الوقت علّه يقدر على حسم المسألة وإجهاض الثورة. بدا التواطؤ جليّاً في التقرير الذي خلص إليه رئيس بعثة المراقبين العرب الفريق أول محمد مصطفى الدابي الذي تحدث بعد انتهاء مهمة اللجنة في19/1/2012م عن عنف من "مسلحين" يبادرون إلى إطلاق النار ما يضطر الأمن للرد عليهم دفاعاً عن النفس! وهذا ما نفاه نفياً قاطعاً الجزائري أنور المالك وهو أحد المراقبين المنسحبين مبكراً من البعثة، والذي بيّن زيف ما يشيعه النظام عن عصابات مسلحة، مؤكداً تهافت الحديث عن "طرفين" يمارسان العنف في سوريا، وللحديث فيما ذكره السيد المالك بقية مطولة لا مجال للاستطراد فيها هنا. ولأجل تبديد مزاعم "العصابات المسلحة" أوتهمة "الطائفية" التي عمل النظام جاهداً لإلصاقها بها؛ صرفت الثورة منذ اندلاعها الجزء الأكبر من طاقتها وجهدها، وانبرت تقدم يومياً وفي كل لحظة الأدلة التي تكذّب وتبطل ما نُسب إليها عبر الصور والفيديوهات والخطب الإعلامية، وعبر الكثير من المقالات والكتابات والبيانات، واللافتات المرفوعة في التظاهرات..



أيام معمّدة بالدم مرّت وتمرّ على السوريين المنتمين إلى عصر لعل أبرز مظاهره هو اصطخاب الاحتجاج من كل اتجاه وعلى أي صعيد، الأسرة، المجتمع، السياسة، الاقتصاد.. إلخ، ما يعني لا يقين الأخلاق السائدة ومطلب إعادة النظر في القيم كلها. وحين لا يكون لدى المجتمع الدولي كمنظمات حقوقية وهيئات ومجالس، وكحكومات وأنظمة، حين لا يكون لديه سوى البلاغة اللفظية الجوفاء يسهم من خلالها في مساندة الشعب السوري الذي يُنكل به أبشع تنكيل؛ حينها يمكن القول إنه تواطؤ مع سفك الدم. والواقع أن وقوف العالم متفرجاً على شعب يُذبح، معتبراً أن ما يجري في سوريا مجرد "أزمة داخلية" لا بد و أن يفجر أزمة الوجدان، ما يدفع العقل صوب سؤال كالآتي: ما الذي يحكم العالم؟ الأخلاق؟ أم السياسة والمصالح والمال؟! وإذ يُرجّح حكم السياسة والمال للعالم فإنه يفضح عمق أزمة أخلاقية، وأزمة حق وخير وجمال بالدرجة الأولى يعيشها العالم. ولأن العالم، والعالم العربي خصوصاً تحكمه السياسة والمصالح، والرغبة في الثروة والربح، والسيطرة والغلبة اندلعت ثورات "الربيع العربي" حتى أنه يمكن القول إن أثرها طال في العام المنصرم قلب نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية حين ردد محتجون الشعار المركزي لدى الشعوب العربية الثائرة (الشعب يريد إسقاط النظام)، كما طالت الاحتجاجات نفسها موسكو للتعبير عن سخط شعبي إزاء نظام شمولي، أمني استخباراتي، يمثل فلاديمير بوتين حليف الأسد الأبرز أحد رموزه.



تشهد الحضارة الإنسانية المعاصرة تحولات جذرية تجري في المجالات كافة، لعل المجال التقني أهمها، وإن طرز المعيشة والبنيات الاجتماعية والعقلية لتتطور بحسب إيقاع يفصح عن تسارع التاريخ، وما الثورة السورية كواحدة من ثورات الربيع نفسه ضمن هذا الاعتبار إلا تفتيت لنظام قمعي قهري بشحنته الأيديولوجية البعثية المتصلبة، ثورة تتيح للإنسان/الفرد في هذا البلد اكتشاف نفسه في/وأمام العالم عبر اتساع آفاق الزمان والمكان، وعبر شعوره بالاستقلال الذاتي. إنه الآن سيد مصيره وليس في مكنة أية سلطة من طراز أعلى أن تفرض مشيئتها عليه، وتصبح الحرية لديه إذن الينبوع الوحيد للقيم الأخلاقية. ويبدو أن تأكيد الشعب الثائر على وقوف الله معه وفي صفه (ليش خايفين؟ الله معنا) و (ما إلنا غيرك يا الله) يحمل دلالة رمزية تتصل بشعوره بوحدته في معاناته، وتخلّي العالم عنه، ما يعني يُتْم ثورته. كما ينطوي على تأكيد أحقيّة قضيته وعدالتها. أما الترجمة السياسية لما ذُكر فهي أنه ليس إلا إرادة السوريين وحدها قادرة على نصرتهم في مواجهة شراسة الطغيان وفظاظته بعد قطع الشكوك باليقين بأن أحداً لن يبادر إلى مساندتهم فعلياً.


إن انقلاب الأيديولوجيات والأنظمة، وما ينجم عن الحضارة الحديثة من عسر وقلق إنما يسهم في إيقاظ الاهتمام بأزمة الأخلاق، وأن ثمة مشكلات ملحّة تُطرح اليوم بالمقياس الكوني وهي ترمي إلى أن يتحلّى العالم بمزيد من مشاعر الإنسانية والإخاء، والتطلع إلى مجتمع عقليّ ومعقول يستطيع فيه الناس كافة أن يحققوا ذواتهم بحرية. وإن عودة سريعة إلى التاريخ تعزز وتدعم ما نذهب إليه هنا، فاحتجاجات طلاب العالم التي انتهت في فرنسا إلى تمرد أيار 1968م كانت إعلاناً عن رغبة في إدانة "مجتمع الإنتاج والاستهلاك". وإضافة إلى إدانة مجتمع الإنتاج والاستهلاك يرغب اليوم إنسان المنطقة العربية عموماً، والإنسان السوري خصوصاً في الاقتصاص من مجتمع غياب حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان، ومن غياب دولة المواطنة والحق والقانون، وغياب الديمقراطية واستفحال الديكتاتورية. ويبدو أن الاهتمام الحقيقي بالكرامة الإنسانية، والحنين إلى القيم الأخلاقية وراء القلق البادي في المناقشات المطردة في التلفزة والإذاعة والصحف وشبكة الإنترنت بصدد الحروب أو التعذيب أو حريات الشعوب وقضاياها المختلفة. وتنتهي هذه المشكلات الإنسانية وغيرها في آخر المطاف إلى التساؤل عن الواجب حيالها، والواجب ينطوي على (فعل) يجب القيام به، وما الفعل إلا إلزام يقتضيه القانون الأخلاقي. هكذا؛ فإن القانون الأخلاقي يفترض إلزام المجتمع الإنساني بـ(فعل) شيء تجاه شعب يتعرض منذ أشهر طويلة لجرائم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية كالتي يتعرض لها الشعب السوري . لماذا يلزم القانون الأخلاقي المجتمع الإنساني؟ ربما لأن الذات الإنسانية واحدة وإن اختلفت تعيّنات وجودها، ثم إن تجربة النشاط الإنساني تكشف عن نزعة طبيعية لتجاوز المرء ذاته وتطلعه إلى السعادة الكاملة، وسوف لن تكون البشرية سعيدة مادام هناك بشر تعساء وبؤساء في هذا العالم. هذا ما نكاد نجزم به.




تجدر الإشارة أخيراً إلى ما كتبه (كامو) في الرسالة الثالثة إلى صديق ألماني. جاء فيها: " لقد طال اعتقادنا معاً بأن ليس لهذا العالم سبب أعلى... إنكَ لم تؤمن البتة بمعنى هذا العالم وقد خلصتَ من ذلك إلى فكرة أن كل شيء يعادل كل شيء، وأن الخير والشر يعرَّفان كما نحب وكما نشاء". لكنه أضاف قائلاً: " ولكنني أعرف أن لشيء ما في هذا العالم معنى، وهو الإنسان".









تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow