Alef Logo
مقالات ألف
              

من يذكر شهبور بختيار؟

وائل السواح

خاص ألف

2012-02-10

يتم الحديث حاليا عن حكومة وحدة وطنية، ولكنها حكومة غير واضحة المعالم. ولا تزال المعارضة السورية بكل أطيافها الداخلية والخارجية ترفض الانضمام إليها. ثمة سبب بسيط لذلك: وهو أن الحكومات في سورية لا تحكم، بل تنفذ السياسات التي تضعها لها دوائر أخرى لا ينبغي لها دستوريا (حتى وفق الدستور الحالي الذي بات مرفوضا من قبل الجميع) التدخل في صناعة السياسة السورية. هي إذن ستكون شكلا فارغا من كل محتوى، مثل كل الحكومات السابقة، ولكنها سوف تحمل وزر وأد الانتفاضة لأنها ستتكنى باسم "الوحدة الوطنية."
كيف يمكن لحكومة أن تحكم فعلا؟
حين كان خالد العظم، السياسي والاقتصادي السوري المخضرم، رئيسا للوزارة، في العام 1950، اتخذ سلسلة من أهم القرارات التي دعمت الاستقلال الاقتصادي لسورية بعد حصولها على استقلالها السياسي. واحد من تلك القرارات كانت بناء مرفأ سوري في مدينة اللاذقية. كانت سورية ولبنان مقبلين على الانفصال الجمركي الشهير، وكان لا بد لسورية، حرصا على ضمان مصالحها، من وجود مرفأ خاص تسيطر به الحكومة السورية على حركة الاستيراد والتصدير. وقدرت كلفة إنشاء المرفأ آنذاك بخمسة وعشرين مليون ليرة سورية.
ولتمويل مثل هذا المشروع العملاق، كان أمام حكومة العظم في ثلاثة احتمالات: تلزيم المشروع لشركة أجنبية، أو إعطاؤه لشركة مساهمة سورية أو انفراد الدولة بهذا الامتياز واستثماره لمصلحتها.
وبدون تفكير كبير، استبعد العظم الاحتمال الأول لما يشكله من خطر تدخل دول كبيرة في السياسة الاقتصادية للدولة الفتية آنئذ، وقرر الاستفادة من مزايا الاحتمالين الثاني والثالث، فشكلت شركة مرفأ اللاذقية، شركة مساهمة تملك الدولة 40% من أسهمها وتطرح ال60% منها أسهما لمن يرغب في شرائها، على أن تضمن له الدولة نسبة ربح 5% سنويا.
ولكي يروج السيد العظم لمشروع حكومته، قام برحلة إلى اللاذقية، والتقى بالفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هناك. ولقد دعي إلى عشاء أقامه محافظ اللاذقية، الذي طلب منه السماح له بتسمية أحد شوارع المدينة باسمه. فشكره العظم، ولكنه رفض الاقتراح، قائلا: "لا يصح في رأيي تسمية شارع باسم الأحياء، لأنهم قد يقدمون فيما بعد على عمل غير طيب، يجعل الندامة تحل محل الولاء." ثم أضاف " إنني، مع عدم استحقاقي لهذا الشرف الكبير، ما زلت حيا، أرجو الاستمرار في خدمة بلدي."
وتشجيعا من العظم للمواطنين السوريين للاكتتاب في أسهم الشركة، اشترى لنفسه مائة سهم بسعر مائة ليرة للسهم الواحد. ودفع دفعتين من سعر الأسهم، أي أربعة آلاف ليرة سورية. وعندما طالبه المسؤولون عن الشركة بدفع باقي السعر، كان يمر في ضائقة مالية، عجز معها عن تأمين مبلغ ستة آلاف ليرة. فكان أن بيعت أسهمه بسعر أقل من سعرها الفعلي، وخسر بذلك مبلغا كبيرا من المال.
تنتهي هنا الحكاية، وهي كما أسلفنا حكاية غير سياسية. أما دروس الحكاية فهي كما يلي:
أولا: لم يستطع خالد العظم وهو رئيس وزارة، ومدير عام لشركة الإسمنت، أكبر شركة سورية في ذلك الوقت، وابن محمد فوزي باشا العظم، الذي كان واحدا من أهم وجهاء دمشق وبلاد الشام: نائبا في مجلس المبعوثان العثماني لأكثر من مرة، ووزيرا في حكومة الصدر الأعظم مختار باشا، لم يستطع في لحظة ما تأمين مبلغ 6000 ليرة سورية (اضربها بمائة تكن 600 ألف ليرة سورية بمعاييرنا الراهنة.)
ثانيا: لم يكن منصب رئيس الوزراء في ذلك الوقت منصبا للربح والثراء وتكوين الثروات الضخمة السريعة، بل مسؤولية وتعبا ووجع دماغ.
ثالثا: كان رئيس الوزراء في ذلك العصر رجلا ذا قرار، وكان يمكنه أن يتخذ قرارات على مستوى بناء مرفأ ضخم في بلد لم يكن فيه مرفأ.
رابعا: لم يحاب مجلس إدارة المرفأ الرجل الذي عينه، بل أقدم على ما ينبغي فعله وهو بيع أسهمه في السوق، ولو بسعر أقل لتسديد الدين المترتب على المدين، حتى ولو كان رئيسا للوزراء.
خامسا: رفض خالد العظم تسمية شارع باسمه، لأنه "لا يستحق هذا الشرف الكبير،" كما قال ولأنه لا يزال حيا. فكم من رجل يمكنه رفض إغراء بهذا الحجم؟ ومن يعرف رجلا أكثر منه جدارة ليحمل شارع اسما مثل اسمه.
أما نتيجة هذا الرجل فكانت أن يموت خارج بلده، معدما، لدرجة أنه كان على أرملته أن تعيش بعده سنوات طويلة، معتمدة على مساعدة من بقي من أصدقاء زوجها.
أنى لنا اليوم رئيس حكومة كهذا؟ وأنى لنا حكومة كتلك؟ آن الأوان أن ندرك أن تغيير التسميات لا يقدم زلا يؤخر: ما نحتاج إليه وما يسعى إليه المنتفضون السوريون تغيير جوهري، يطال بنية عمل النظام وآلية تفكيره. وبالتالي، فإن أي تفكير في حكومة جديدة تحت اسم الوحدة الوطنية لن يكون سوى خيال مآتة لحكومة حقيقية، وسيذكرها التاريخ كما يذكر حكومة شهبور بختيار.. فمن يذكر هذا الرجل؟


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow