Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

تحت القصف قصة : كارولاين كيبنيس / ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2012-01-21

كان الثلج يهطل بغزارة و كنت أقود السيارة بعين مفتوحة واحدة. و لا توجد في المدى المنظور سيارة أخرى، لم يتسن لي أن أفهم كيف يعيش شخص في مكان حيث السيارات فيه دائماً تباغته بالهجوم. أنا أحب الفضاء المخصص لي. و أحب أن يكون للناس الآخرين فضاء لا ينازعهم أحد عليه، و لكن حاليا أنا تحت القصف، أتعرض لغارة مفاجئة أثناء التمرين، و معي صوتي النازف كأنني في معركة و المرتفع الذي يغطي على موسيقا الروك التي تهدر في الراديو، و أتأهب للخطاب الذي سألقيه على الملأ حول إجراءات الأمان المشددة و القيادة الغريبة بعين واحدة. ها هي أنا، على شاشات التلفزيون، أثرثر حول مستقبل حيث أنت لست على ما يرام حين تنطلق بسيارة من غير عصابة على إحدى عينيك. عما قريب سوف نتحول إلى أمة من القراصنة و قطاع الطرق. و لا يخامرنا الشعور بالمخاطر، و لدينا أفضل سجل بقيادة السيارات !!. و أخيرا دخلت في الموقف الخاص بسيارتي. ثم تدبرت أمري لأغادر السيارة. ثم وجدت المفاتيح. و بعد ذلك وجدت الطريق إلى داخل البناية. تعسا لهذا الذكاء المفرط.. لقد نسيت أن أغلق الباب. و هكذا وفرت على نفسي حربا إضافية مع سلسلة المفاتيح. في الداخل كانت الرائحة مختلفة و تشبه عطر ثمار الصنوبر في صيدلية.
و توهمت أن منخاري لم يعد كما يجب بسبب الوقت الطويل الذي أنفقته في البار و هكذا لم أشعل المصابيح. الضوء إفراط بالرفاهية الآن. ألقيت بنفسي على الكنبة، و تحدثت لنفسي بنفس اللكنة التي تكلمت بها و أنا بعين واحدة مفتوحة، كم تحسنت بهذا المجال. في أحلامي لم تتأخر الشهرة. أصبحت مشهورة على الفور. و كانت الخاتمة إضافة اسمي لقائمة المفكرين المشهورين في هذا القرن.
صرخ بريت، الذي بالكاد أعرف اسمه، لدى رؤيتي أستلقي هناك على كنبته، و وقف شعر رأسه مثل الفرو. بمقدورك أن تقول إنه واحد من أولئك الشبان الذين يتحسن مظهرهم باستعمال مقويات الشعر. كان يرتدي برنص الحمام و هذا ساعد في الكشف عن شيء منه، إنها ميزة سوف تتسبب له بالطرد من البار، و بالحنين ليكون رجلا عجوزا أحدب يتدثر بشرشف. كنت مستيقظة أسعل و توسلت له مع أنني في الرابعة و الثلاثين و رغبت لو أطلب منه أن يغلق غطاء النافذة الخشبي الذي أزمع على فتحه و إن كنت أعلم النتيجة. بعد ذلك خرجت صديقته. و لم تكن ترتدي غير قميص خفيف و يدها على بلعومها و مباشرة لفها بذراعه. أعجبت بهما على الفور. يا لهذا الرجل العجوز ، يا لهذا المشرف الاجتماعي النشيط الذي يهتم بالفتيات.
لأنهما ليسا من نمط العقول الصغيرة الذين طردوني و طلبوا لي الشرطة، بدأت بالصراخ و أخبرتهما عن ما جرى بالأمس في المطعم، و عن البنات اللواتي أزعجنني، و عن بار الأمس، كيف لم تعزف علبة الموسيقا الأغنيات التي اخترتها، لأن بعض الطلبة الصغار بالغوا في حشوها بأرباع الدولارات، و كيف قدت السيارة و أنا أنظر بعين واحدة. ضحكا حتى أغشي عليهما، و سألني بريت ما هي الأغنيات التي انتقيتها، ثم بحث بين الأقراص المضغوطة التي لديه ثم أسمعني تلك الأغنيات. شيء ما يتعلق بوجودي بينهما هنا أيقظ الأحزان القديمة النائمة في قلبي، كما لو أنه من المفروض أن أروي هذه الحكاية في اجتماع للخريجين، كما لو أن العالم لا يعاملني بالطريقة السليمة، و يمنحني هذه الصحبة الصبورة، و ها هي أغنياتي المفضلة أخيرا تعزف بصوت مرتفع.
كنت ثملة، و بمقدوري أن أرتكب جريمة، و لكن كان لأغنياتي صدى طيب. بادر بريت في طهي بعض البيض مع لحم البيكون و هكذا استنتجت ما يلي: ربما الأفعال الشريرة تفتح الباب لنتائج مقبولة. شرب بريت و شيللي العصير من نفس الكوب و لم تكن الحال تبدو أن أحدهما يعاملني بلباقة ليرضي تهذيب الآخر. كان كلاهما يقصد ما يفعل، كانا متشابهين، لطيفين، ليس مثل الزوج الذي تعاملت معه في المطعم.
في اليوم التالي، قابلت بريت في السوق مع رفيقة أخرى، من الواضح أنها زوجته. توقفت لفترة خاطفة. فقبض على يد ابنه و تلون وجهه بأسلوب أبيض شاحب و كانت زوجته تتأمل قطعة تافهة على شكل بلوزة سخيفة معروضة في نافذة المخزن ، و لكنه امتنع عن تبادل الكلام معي.
لا أعتقد أنني رأيت شخصا له ملامح بمنتهى الحزن و الأسف مثله، و لكن للتو أدركت لماذا كان يسرع باتجاه الشيخوخة. تابعت المسير في الممر إلى قاعة الطعام، و أنا أشعر بالدوار، و لدي إحساس مفاجئ كما لو أن كل إنسان في أمريكا كان يتكلم بلغة جديدة بلا سبب واضح على الإطلاق و لا يوجد أحد يرغب بفك ألغاز كلمة واحدة منها. هذا عبء على المستقبل الذي أخطط له، و حاجز يسد الطريق الذي كان يمتد أمامي بكل وضوح. كنا بريت و شيللي و أنا و الرجل المدهش بلا شك الذي وضعوه مثل فخ أمامي، نلعب جميعا ألعاب الطاولة. و نشرب حتى الثمالة من قوارير البيرة الخفيفة، أحيانا في شقتهم ، و أحيانا في الصالة في شقتي، ثم نشق الطريق بسهولة نحو البيت و رأسي يرن و أحيانا كلنا نتكوم فوق بعضنا البعض على الكنبات. و في الداخل نروي النكات حول كيف تقابلنا جميعا و هذا موقف يشبه نكتة تساعد على الضحك و القهقهة. شعرت بالسلام عندما وصلت إلى السوق و توصلت لنتيجة مفادها: إن قيادة السيارة اللعينة بعين واحدة هي طريقتي لاختبار الآلهة، كنت أتحداهم ليبرهنوا لي أنهم أدوا عملا واحدا طيبا من أجلي، أية خدمة بسيطة، أي شيء يساعدني على التحمل. و هاهم يوفرون لي الإحساس بالطمأنينة من خلال صحبتي مع بريت و شيللي. و ربما، كما خطر لي، هذه هي الطريقة التي بها يدخل أفراد طيبون لحياتك.
عندما تكون ضعيفا و مرهقا، أنت تزحف الى بيوت الآخرين و تعتقد إنه بيتك و تستلقي هناك كما لو أنك هدية عيد الميلاد التي تركها لك سانتا كلوز في شهر آب، لأن سانتا كان ثملا، و يقود بعين واحدة مفتوحة فقط، و جعبته تتأرجح معه ، و تسقط منها أكياس ملفوفة و ها هي تلمع طوال الليل في الأحياء المجاورة ، فوق الطرقات الممهدة بالحصى.
2010
كارولاين كيبنيس Caroline Kepnes : كاتبة قصة و كاتبة سيناريو أمريكية. لها كتابان مطبوعان لليافعين. تعيش حاليا في لوس أنجلس بكاليفورنيا.
- المصدر مراسلات شخصية. الترجمة بإذن خطي من الكاتبة.


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow