Alef Logo
الآن هنا
              

من يومياتي حول الثورة السورية / 1

علا شيب الدين

خاص ألف

2012-01-11

لم أعتد في حياتي على الالتزام بشيء، لا لأني مخادعة، بل لأني خائنة من طرازٍ عالٍ، لكن الثورة السورية فككتني.. أسرتني قطعة قطعة.. ووحدها الثورة جعلت مني عاشقة مخلصة..منحلّة فيها كحلول إله اسبينوزا في الطبيعة. وطويلاً كرهت تصنيفي أو اختزالي، غير أني وجدتني لاهثة..مستسلمة لذلك الاختزال الرفيع..حيث اللاأفق واللانافذة واللاباب واللاقيمة أو امتداد سوى شعاع الحرية والكرامة. ماعدت باحثة عن جمال لأني وجدته.. هو الحب إذاً وقعت فيه..عذراً، علوت به. إنه حب متقد لأن الاشتعال لحظة قبل انطفاء، فيما الاتقاد توهج دائم ومستمر. هو حب يرى، ويرى جداً والعمى منه قاصٍ... أحبك يا ثورة العز والانعتاق..



نقاش..



في منزل أحد الأصدقاء التقيت بشخص لم يتوقف طوال الوقت عن امتعاضه من دعوات المتثوّرين السوريين - بحسب لغته- لـ" لا حوار"؛ جازماً أن هذه الدعوات تؤسّس لإعادة إنتاج الاستبداد عبر التربية على رفض الحوار؛ فقلت له حالك وأنت تتحدث بهذه الطريقة تقارب حال من يقول : "لا تقربوا الصلاة" ثم يتجاهل "وأنتم سكارى"، والأمر عينه بالنسبة لـ"لا حوار" إذ لا ينبغي غض الطرف عن الشق التالي من الدعوة نفسها، أي لا حوار "مع القتلة"، حينها يتضح المعنى ويختفي اللّبس، ليظهر جليّاً أن الشعب السوري الثائر مؤسّس عظيم للديمقراطية بمفهومها الأخلاقي والسياسي




في معسكر طلائع البعث..!




لم أعرف كيف وصلت إلى البيت حينها! كانت خطواتي سريعة متعثرة، وقدماي تقذفان كل ما يظهر أمامهما، حصى...علبة عصير فارغة...، المهم أنني وصلت أخيراً، وبلهفة أخبرت أمي بأن الأستاذ طلب منا تحضير أنفسنا للذهاب إلى معسكر طلائع البعث. كان علينا الذهاب بعد أيام قليلة من انتهاء الدراسة في الصف الخامس الابتدائي، وأذكر أني "أقمت الدنيا ولم أقعدها" حين أفصحت أمي عن عدم توفر الأموال لذهابي، بيد أن نضالي انتهى بانتصاري بعد أن أعطتني آخر ما تبقى في صدرها من نقود، وقالت لي: " طيب ماما خلص روحي ".
ما اعتقدته انتصاراً كان هزيمة حقيقية بعد عودتي خائبة حزينة؛ فقد تصورتني ذاهبة مع أصدقائي إلى حيث الملهاة الإنسانية الكبرى، لكن ما كان ليس إلا ضجيجاً من "الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة"، وخيماً إسمنتية مرقّمة، كل سبع خيام تشكل وحدة مفصولة تحت إشراف "رفاق" تولوا مهمة الفصل هذه. كان معسكراً..! ارتدينا فيه جميعاً لباساً موحداً من الأصفر والكحلي، وعلى صدورنا رُسم شعار البعث وعلَمه مبدِّلاً فردية كل منا إلى قطيع من طلائع بعث!
لماذا أستعيد هذه الذكرى الآن؟ لأني أريد أن أشكر العسكر فقد باتوا أكثر انسجاماً مع أنفسهم، وأكثر شفافية مع الشعب، هم الآن لا يكذبون - إلا في إعلامهم- أما على الأرض فهم بمنتهى الصدقية، ما عادوا بحاجة للكذب على الناس بشعارات أو وعود أو.. أو، فهم الآن يدركون جيداً أنهم يجب أن يكونوا صادقين جداً، عبر ضرورة كشفهم عن الوجه الحقيقي للإجرام. الآن يعلنون على الملأ أن ما معسكرات الطلائع والمدارس والجامعات منذ أكثر من أربعين عاماً إلا ثكنات عسكرية بقالب تربوي..الآن كسروا ذلك القالب وقرروا إظهار الثكنات بشكل فاضح.. الآن يتخذون من معسكرات طلائع البعث والمدارس في المدن والبلدات السورية المختلفة مراكز ينفذون منها عملياتهم العسكرية ضد شعب مسالم أعزل..، وعبرها يتم قصف البيوت والناس، كل الناس..!


جلسة..



في أرض الدار حضّرت كل ما يمنح للجلسة حميمية قبل أن تصل ابنة عمي وزوجة أخيها لزيارتي...وضعت فاكهة ومتة، وجهزت المسجّلة لنسمع معاً أغنية جميلة لعبد الحليم أعرف أن ابنة عمي تحبها.
وصلتا.. تبادلنا الأسئلة الحنونة حول الأوضاع الصحية والمالية وغيرها....
وبعد مضي حوالي ساعة على الجلسة شعرت بتأنيب الضمير لكوني انشغلت عن الثورة...أنا التي قررت ألا أخونها ولو للحظة وقطعت كل صلة بالحياة الطبيعية العادية منذ اندلعت؛ فخطر على بالي أن أسألهما عن رأيهما في ما يحدث في بلدنا، وكنت أعرف حجم مغامرتي إذ أدخل في !متاهة هذا السؤال
ابنة عمي: "ما في شي، شوية عصابات مسلحة، بس سوريا بخير".
زوجة أخيها: "ثورة سنية شيعية، الأدالبة والدرعاوية نوَر وشراشيح".
حاولت الهدوء لكن ملامحي فضحتني، فقد كنت أقرأ ما في عيونهما من شراسة ونهم لافتراس أية كلمة إيجابية بحق الثورة. فسألت: أنا مع الثورة حتى الرّمق الأخير مني، ترى لو كانت الثورة سنية شيعية، أو فيها عنف وتسلّح هل كنت سأدافع عنها؟!
وبعد أن شعرت بنفسي ضعيفة كون كلامي أخذ معهما منحى التبرير والدفاع والرغبة في الإقناع، فيما هما تأخذان دور المهاجم؛ قررت أن أذكّرهما بأن رأيهما هذا ليس نابعاً إلا من مصلحة تربطهما بهذا النظام، إذ أنهما من بيت كل رجل فيه إما ضابط في الاستخبارات، وإما عنصر في الأمن، وإما شرطي، وبهذا أكون قد كشفت لهما وربما لي لغز تأييدهما الأعمى، فما كان من ابنة عمي إلا أن بادرت بالقول "إلنا الشرف"، فقلت لها نعم لك الشرف لو كان الأمن أمناً، لكن الأمن عندنا يقتل الأبرياء والعزل فأين الشرف ها هنا؟! فسألتني: لو كنتِ في موقعي وأحد أفراد أسرتك يعمل في الأمن، ماذا كنت ستقولين؟ ألن تخافي عليهم من القتل وبالتالي ستؤيدين؟ فأتى ردي سريعاً بأنه لو كان أحد أفراد أسرتي في الأمن لانشقّ على الفور ولما وضعني في عار تأييد الإجرام و"التشبيح" لأجل حمايته. عند هذه اللحظة وحين رأت أختي ما يعتمرني من قهر وانفعال قالت لي: ارتاحي، سيسقط كل نظام مستبد وديكتاتوري رغم أنف كل من لا يريد ذلك، ومهما طال الزمن، فها هو القذافي "الممانع المقاوم" قد سقط!
وحين فقدت الجلسة كل معنى للحميمية والمحبة؛ قررت ابنة عمي وزوجة أخيها المغادرة بملامحمها العابسة المتجهمة. أجهشتُ بالبكاء، ورحت عبر مونولج طافح بالأسئلة أسأل: يااااه ألهذا الحد يقدر البعض على التخلّي عن ضمائرهم فيؤيدون الإجرام والقتل والذبح حفاظاً على مصالحهم؟! يالفظاعة الكره والحقد الذي زرعه نظام البعث على مدار أكثر من أربعين عاماً!..يا لبؤس الإنسان حين يعادي حتى أقرب الناس إليه دفاعاً عن قاتل!

















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

سحبان السواح

للتأكيد على توجهات موقع ألف أعيد هنا نشر افتتاحية العدد الأول من مجلة ألف 1991 وبعد نضال لاستمرارها بالصدور.. لم يفلح ولكن توجهاتنا ظلت كما هي *** لا انتماء لنا إلاّ لهذه...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow