Alef Logo
المرصد الصحفي
              

الربيع العربي و«الشارع»ـ

علا شيب الدين

2011-12-17

منذ اندلاعها مع إطلالة العام الجاري، لم تضعضع الثورات في العالم العربي الكثير ممّا في الواقع فحسب، بل ضعضعت بعضاً ممّا في العقل من مفاهيم أيضاً، وقدمت تلك الثورات الدليل الدامغ على وهم وسلطويّة المفاهيم المحسومة، المطلقة، والصالحة لكلّ زمان ومكان. فالمفاهيم موضوعات للغة، واللغة ليست مجرد قواعد وكلمات، بل هي انعكاس للحضارة والثقافة، وللروح البشرية.
قد يكون «الشارع» هو المفهوم الأهم الذي حرَّضت الثورات العقل على ضرورة إعادة قراءته ومراجعته، في ضوء ما يجري على الأرض، ما دام للمفهوم، أي مفهوم، دلالات زمانية ومكانية، فقد كشفت ما يرزح تحت ذاك المفهوم من مغالطات، إذ إنّ الشارع ارتبط طويلاً في ذهن الناس باللاأخلاق، إلى حدّ ما، وجرت قولبته بمجرّد امتداد يرتاده اللصوص ومدمنو المخدرات وبنات الهوى والمتسوّلون والمتشرّدون والحثالة. ولطالما كان الهاجس الأكبر للمربّين، آباء كانوا أو أمهات أو رجال دين، أساتذة أو ساسة، هو تحذير الناس، باعتبارهم «قاصرين»، من الشارع وثقافته. وما على الشخص إلا أن يخطئ أي خطأ، مهما كان بمنتهى الهامشيّة والصغر، حتى يُشتَم ويُهان ويُعتبر «ابن شارع». غير أنّ رياح التغيير ولّدت مفهوماً جديداً للشارع المعتاد، فمن ذاك الشارع نفسه انطلقت صيحات مطالبة بأنبل القيم الإنسانية وأشدّها عمقاً، وعبره حصل الإصرار على إسقاط الشرّ الطاغي والفساد المستشري الذي طالما استفحل في الأمة منذ عقود. ضجّ الشارع بالناس الثائرين على الظلم والقهر والتهميش والإقصاء، وعلى الاستبداد والديكتاتورية. إنّه الشارع بمفهومه الجديد إذاً، بوابة الدولة الحديثة المعاصرة، أي دولة القانون.
جاء في «لسان العرب» أنّ «الشَّارِع هو الطريقُ الأَعظم الذي يَشْرَعُ فيه الناس عامّة وهو على هذا المعنى ذُو شَرْعٍ من الخَلْق يَشْرَعُون فيه، وكلُّ دانٍ من شيء، فهو شارِعٌ، والدارُ الشارِعةُ التي قد دنت من الطريق وقَرُبَتْ من الناس». وفي «الصِّحاح في اللغة» جاء «الشَريعَةُ: مَشْرَعَةُ الماءِ، وهو موردُ الشاربةِ، وطريق أعظم يشرع فيه الناس عامة.. دنو من الشيء.. انفتاح على الطريق وقرب من الناس.. ماء ومورد للشاربة»! كنت أتساءل وأنا أتوغّل في عمق تلك المعاني لماذا لم يعلمنا أهلونا ومدرّسونا، وغيرهم ممن تولّوا مهمّة تربيتنا، كيف نجيد مكابدتها وترجمتها سلوكاً وممارسة، فيما أمعنوا في ترهيبنا من الشارع ومن مغبّة الخروج إليه حتى، فكيف بالانتماء؟ لماذا أصرّوا على أنّ البيت المغلق النوافذ والأبواب أفضل، وأنّ القصر أجمل وأعظم، وأنّ تنظير المدرسة أهم من تجربة الشارع؟ لماذا والشارع بكلّ ذلك الصّخب المهم، جرى تشويهه ونسف كل ما ينتمي إليه؟ حقاً إنّه قد ينطوي على ما ليس بمحمود، شأنه في ذلك شأن كلّ الأمكنة في كل الأزمنة. ولكن الثورات كشفت عن جانب آخر للشارع، كان غائباً عفواً أو مغيَّباً، قصداً وقسراً. استعرت الثورات لتعيد الاعتبار إلى شارع مهمَل منذ زمن طويل، معلنة بدقة لماذا كانت السلطة، بكل أشكالها ومتاهاتها ودهاليزها، لا تريد للشارع أن يحتلّ مكانة جيّدة في عقول من تربّيهم. أدركنا الآن لماذا كان الشارع يُقلِق الحكّام أكثر ما يُقلِق، ويرتعد هؤلاء خوفاً من كل صوت يتسلل منه. كان الشارع يرعبهم رغم صمته المطبق، وكان خطراً أعظم يمسّ وجودهم «المقدس الأبدي». الآن عرفنا كلّ ذلك وما سنعرفه لاحقاً سيكون ربما أشد خطورة.
ما عاد الشارع شارعاً. ما عادت المعاني الملصقة به قسراً هي ذاتها. لقد فُهم الآن من خلال اقترانه كواقع يعجّ أحداثاً بقيم الحق والخير والجمال والعدالة. إنّه الشارع الذي منه تفتّحت ورود شباب ثائر على الظلم والتعسّف واستباحة الكرامة الإنسانية. الشارع الآن هو منبع حرية وانعتاق، شارع أحرار لا حثالة. صار له الكلمة الفصل في تغيير مسار التاريخ، وصار من شيم المرء الشريف الشجاع الانتماء إليه. انقلبت الأمور رأساً على عقب، ولم يعد قول «ابن شارع» شتيمة، إلا في ذهن السلطة، كل سلطة، مثل أنظمة الحكم التي طالما اعتبرت المطالبين بالحرية من الشارع حثالة، جراثيم، جرذاناً، مندسين، مخربين، متآمرين، خونة، عصابات مسلحة، متمرّدين، تكفيريين، قاعديين وطالبانيين.
واللافت للانتباه ــ باستثناء شعور الموالي أو المستفيد من أي نظام قائم ــ هو ذلك الشعور بالرّهبة أو القصور والتقصير أمام الشارع. شعور يدفع بالقوى السياسية التقليدية المعارضة، سواء أكانت شخصيات مستقلة أم أحزاباً، للانضمام إلى الشارع المنتفض وقد استحال معارضة جديدة ومختلفة، وبارعة في فاعليتها نظرياً وعملياً، وكذا الأمر بالنسبة إلى المثقف. حتى إنّ ثمة حذراً شديداً صار من الواجب أن يطغى على لغة من يريد الانضمام أو إعلان تأييده للشارع، إذ ينبغي أن تكون لغة تكرِّس فكرة اللّحاق بالشارع، لا ادّعاء تمثيله أو الوصاية عليه. مردّ ذلك على الأغلب إلى التضحيات النبيلة الشجاعة، وإلى الثمن الباهظ الذي قدّمه المنتفضون المطالبون بالحرية من قلب الشارع، فكل منتفض إما صار شهيداً أو معتقلاً أو مفقوداً، وإما مشروعاً لذلك، في كل مرة يخرج فيها للتظاهر والاحتجاج، وخصوصاً في سوريا. من هنا، تفوّق الشارع على المكتب ــ مثلاً ــ فمن يطالب بالحرية عبر بحث أو مقال أو عبر مقابلة إعلامية، عقابه أقل وطأة بكثير من عقاب ذلك الذي يهتف للحرية من قلب شارع، أدنى ما يُقال فيه إنّه معمَّد بالرصاص الحي.
صار للشارع كلمته وصوته ومفهومه، وما عادت حقوق الإنسان وقيم الحداثة والتنوير والديموقراطية والمدنيّة تطلّ من أبراج عاجيّة هنا وهناك، لأنّ الوعي بات يدرك أنّها المسار التاريخي الذي يصنعه كلّ فرد يمضي فيه، وأنّها فعل شاق ومضن وإصرار على السير قدُماً، مهما كانت الطريق موحشة ووعرة. إنّها عيش ومكابدة، وتدريب للذات وتهذيب لها.
لم يقتحم التغيير مفهوم الشارع فحسب؛ فهناك مفاهيم كثيرة عملت الثورات على دحض الفهم المكرور لها، مثل مفهوم «الحوار»، الحوار العار، إذ يُقرَن بالقتل والقتلة. الحوار الذي طالما كان مطلب المعارِض المهمّش الذي غيّبته، لعقود، أنظمة فاسدة ومفسدة. أنظمة مستبدّة لا تقبل من يعارضها أو ينقدها ويناقشها. صار الحوار الآن استجداءً مريضاً، ينبعث حتى من أعتى الديكتاتوريات وأشدّها استفحالاً في قهر الإنسان، كالنظام السوري، وغيره من الأنظمة المهترئة التي تتساقط، وذلك ما يقتضي الاستطراد فيه كموضوع مستقل.
* كاتبة سوريّة
صحيفة " الأخبار" اللبنانية

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow