Alef Logo
المرصد الصحفي
              

وفاء شيب الدين التي أحسنت الظن بالموت

علا شيب الدين

2011-10-25

قبل أن تُتمَّ السادسة والعشرين من عمرها، رحلت الشاعرة السورية الجميلة وفاء شيب الدين نتيجة حادث سير تعرّضت له في العاصمة دمشق العام 1998. بمناسبة صدور ديوانها «خطيئة الرمّان» لدى «اتحاد الكتاب العرب» في دمشق 2011 تُقدِّم لنا شقيقةُ الراحلة هذه القراءة.

بعد ستّ وعشرين خطوة باتجاه الكشف الأكبر: الموت، وبعد زخم التفاصيل في تجربة شاعرة شابّة تنتمي إلى جيل الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين بما تنطوي عليه تلك الحقبة من خصوصيّة معقَّدة وقاسية في سوريا، خصوصية سياسية واقتصادية وأيديولوجية... هجرت الشاعرة السورية وفاء شيب الدين (1972 - 1998) لغتها لتحيا الموت فعلاً، فهي مَن كابدت سؤاله، حتى استحال لديها نبوءة.
والشاعرة التي تركت جبل العرب قاصدة دمشق بهدف الدراسة الجامعية، فحال الموت دون إكمال دراستها في علم النفس، عاشت سنوات طفولتها العشر الأولى في لبنان، ثم عادت مع أسرتها بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، إلى السويداء مسقط رأس والدَيها، وقد تركت سنوات الطفولة تلك أثراً بالغاً في شعرها وآثارها الأدبيّة عموماً، من حيث الطبيعة الجغرافية الجميلة للبنان، والحرب وما ارتبط بها من مآسٍ وذكريات الملاجئ والأقبية...
تركت الشاعرة إرثاً أدبيّاً متنوِّعاً: قصص لم تُطبع بعد، ورواية لم تكتمل، وقصائد كثيرة نُشر بعضها أخيراً في ديوان حمل عنوان «خطيئة الرمان» (اتحاد الكتّاب العرب في دمشق، 2011). ويطفح هذا الديوان بصور شعريّة معلّقة على لغة حنون وادعة حيناً، ثائرة متمرِّدة حيناً آخر، مستقرّة، لكنها مسافرة، تجيد إثارة أسئلة لا أجوبة لها: «أجمل الأسئلة تلك التي/ دون إجابة بعدُ».
في الخطيئة الرمّانيّة تتقافز طفولة لا ترحل عن ذاتها إلا لتعود شوقاً وتوقاً، ورغبة في اللعب: «البارحة/ وضعتْ أمّي كل الذي لم أعد أحتاجه في العليّة/ .../ واليوم.../ كيف؟/ كيف سأخبركِ يا أمّي/ بأن كل ما أحتاجه موجود في العليّة!».
وبيد الطفولة تمسك حكمة مادَّتها التأمّل، تنساب إلى حدّ تبصر لغز الموت وحلّه دفعة واحدة: «فقط سنموت/ أصابعنا الحافية على مدار نداءات بنات آوى/ أعيننا المتفتحة كستناءة فوق نار مهمومة».
وبين الحكمة والطفولة ترقص صبيّة فتشرق بكينونتها الأنثويّة داعية جلّ الكائنات إليها... للرقص: «تجمّعوا فيَّ كاخضرار توق البلح/ للعشب تحت أقدامكم طبيعة الغجر/ ارقصوا حتى زوربا/ أوَليسَ الفِطر ما تنثره الليالي الماطِرة من قُبَل؟!».
تتبدّى أهميّة الشعر المحتضَن في هذا الديوان، في تلمّس الخطأ المؤسِّس لحريّة تفتِّت المسلّمات: «من اعتمد عليَّ لحفظ النصيحة؟/ وظنّ رقبتي مشجباً وفيّاً لتعليق الحكمة». والأهميّة نفسها تتبدّى حين تعيد الشاعرة قراءة الوعي الأسطوريّ عبر توظيف الأسطورة بإحساس حرّ وملتهب في طقسها الشعريّ الملحميّ، لتفصح عن إرادة متمرّدة تريد تفكيك الموروث شِعراً محفوراً على ألواح «خطيئة الرمان»: «من نار وماء وهواء وطين/ من نهار حجريّ يتناهى صرصاراً يدكُّ الليل بروحٍ/ شهيّة الشعاب/ من قرانٍ بين نحاس وقصدير يُقيم النشيد الألف/ لأمومة الخرز وأبوّة الصنج».
تحاول الشاعرة في قصائدها القفز من الذات الإنسانيّة المتعالية ارتماءً في أحضان كائنات لها لغاتها الخاصّة، فالشعرية لديها تتجلّى في رفض مصادرة حقّ الكائنات بأن تكون موجودة كما هي من دون صهرها في مَعْمَعة الوجود الإنساني؛ لذا تحاول الشاعرة أن تتحوّل إلى حالة الكائنات نفسها كي تفهمها: «وفي كل مرّة أصير عشبة، حجراً، زهرة، فطراً، هندباء.../ لا تفصفص الحقول لتراني/ أبعد قدمك/ هذه المرَّة سأصير دودة».
هنا تسير الشاعرة بفنّها مع نظام العالم وتنسجم معه، وهنا أيضاً تتقاطع مع كافكا في روايته «المسْخ» من حيث تحوّل شخصيّته الرئيسية إلى حشرة (صرصار).
في «خطيئة الرمّان» نجدنا أمام شعر إنسانيّ يُباغت اللغة ليُعمِّق جذوة الروح الإنسانيّة فيها، فالامتداد والاقتضاب، الاتّساع والضيق، القِصر والطول، العمق والسطح، كل هذه وأكثر حالات للإنسان... للحياة والموت، وعلى هذا يلهث المسافر مع شِعر من هذا الطراز باحثاً عن نفسه فيه، متماهياً وقصائد طويلة حيناً «توهجات لمنحوتة الموت»، وأخرى ليست إلا لحظة في زمن «لمَ لا...»، لا بل في القصيدة الواحدة تطول الجُمَل وتقصر كما المسافة، تعلو وتهبط كما الأمواج: «شدّ إليك شغف الفاكهة/ لا تدع الحشائش تجهلك حين ترعاها حبلى بمساء خفيف».
تنحَتُ الشاعرة البداية والنهاية في قصائدها فراشةً على حوافّ الزمن، وتبدّل مواقعهما عبر تجاذب أطراف الحديث، فما أن تنتهي قصيدة «حَرْث» بـ«هكذا أنا...»، حتى تبدأ قصيدة «أنا والورد» بـ«هكذا أنا...» أيضاً، وبين النهاية والبداية يفترش الشعر اعترافاتٍ وبوحاً وصوراً خصبة ممهورة بتأمّلات تتناهى وتبدأ معلنة عن تجربة ذاتٍ بمخيال شعريّ يجيد الترحال في كل الاتجاهات... ذات تسافر كجزء من العالم لكنها منعتقة من السرب، لأنها ذات متفرِّدة، والفرديّة طائر حرّ من السرب مع أنه ينضوي في منظومته.
وإذ تنطلق قصيدة «رقص» بالسؤال: «هل حاولتم يوماً التقاط نيسان عن بعد؟»، تنطلق قصيدة «ارتكاباتٌ مصوّفة» من طموح جموح: «بعد الموت... سأتمرّد على الشعر». والجميل أن حسن ظنّ الشاعرة بالموت وما سيجري بعده، يتناغم وحسن ظنّها بالحياة وطيبتها في قصيدة «كم أنا وحدي»: «ستسامحني الحياة...».
وكون الحرّية تقود إلى اللانهاية؛ فاللانهاية تمهر «خطيئة الرّمّان» ولا تنطفئ؛ وحين نخالنا قد فصفصنا القصائد وأنهيناها؛ نجدنا أمام بداية بدائيّة: «فقد تناولنا عشاءنا الأخير/ واكتشفنا، أنه ما السماء السابعة إلا فاتحة السماوات».

«الغاوون»، العدد 43، 10 تشرين الأول 2011
تنشر ألف حصريا معظم قصائد الديوان

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow